
عتاب بن ورقاء هو : من بني رياح ، يربوعي ، تميمي ، من أهل الكوفة ، وكنيته : أبو ورقاء. (1)
استخلفه الحجّاج بن يوسف الثقفيّ على إمارة الكوفة سنة (٧٧) للهجرة ، وأمره أن يذهب إلى محاربة شبيب الخارجيّ (2) ، وقيل أرسله لمحاربة شبيب سنة (٧٦) (3) للهجرة.
وكان عتاب بن ورقاء أميرا على أصبهان سنة (٦٥) للهجرة في خلافة عبد الله بن الزبير ، وقيل إنّ الّذي ولّاه أصبهان هو مصعب بن الزبير (أخو عبد الله بن الزبير) وتولّى عتاب أيضا إمارة المدائن. (4)
وعند ما كان عتاب أميرا على أصبهان ، جاء الخوارج اليها فحاصروها ، فأخذ عتاب يقاتلهم على باب المدينة ، ويرمون الخوارج بالنبال والحجارة من خلف السور ، وكان مع عتاب رجل من حضرموت يقال له (أبو هريرة) فكان هذا يحمل على الخوارج ويقول : (5)
كيف ترون يا كلّاب النار
شدّ أبي هريرة الهرار
يهرّكم بالليل والنهار
يا أبن أبي الماحوز (6) والأشرار
كيف ترى حربي على المضمار
ولمّا طال الحصار على عتاب بن ورقاء ، خطب في أصحابه قائلا : (أيّها الناس ، قد نزل بكم من الجهد ما ترون ، وما بقي إلّا أن يموت أحدكم على فراشه ، فيدفنه أخوه إن استطاع ، ثمّ يموت هو فلا يجد من يدفنه ، ولا يصلي عليه ، والله ما أنتم بقليل ، وإنّكم الفرسان ، فاخرجوا بنا إلى هؤلاء ، وبكم قوّة وحياة).
ثمّ أنّ الخوارج بعد أن قتل ابن ماحوز أو (ماجور) جعلوا عليهم (قطري بن الفجاءه) أميرا. (7)
وكان أعشى همدان (8) ، متفرّغا ومنقطعا إلى عتاب بن ورقاء ، وكان ينادمه ، فقال عتاب لأعشى همدان ذات يوم : (يا أبا المصبّح ، لئن أصبت إمرة (إمارة) إنّها خاصّة لك ، خاتمي في يدك تقضي في أمور الناس).
وعند ما تولّى عتاب إمارة أصبهان ، ذهب إليه الأعشى ، وذكّره بما قال فتنكّره عتاب ، ولم يهتم ويعتني به ، فقال الأعشى : (9)
تمنيني إمارتهم تميم / وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمان خليلي / ولكن الشرّاك من الأديم
أتينا أصبهان فأهزلتنا / وكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكر يا خويلد إذ غزونا / وأنت على بغيلك ذي الوشوم؟
ويركب رأسه في كلّ وعث / ويعثر في الطريق المستقيم
وليس عليك إلا طيلسان / نصيبيّ وإلا سحق نيم (10)
وخطب عتاب بن ورقاء ذات يوم فقال : (هذا كما قال الله تبارك وتعالى : (إنّما يتفاضل الناس بأعمالهم ، وكل ما هو آت آت). فقال له الجالسون : إنّ هذا ليس من كتاب الله. قال عتاب : ما ظننت إلّا أنّه من كتاب الله). (11)
وخطب أيضا ذات مرة ، وحثّ الناس على الجهاد ، فقال : (هذا كما قال الله تعالى في كتابه العزيز : (12)
كتب القتل والقتال علينا / وعلى الغانيات جرّ الذيول وكان سليم بن سعد بن جابر أميرا على بعض الولايات قبل مجيء الحجّاج ، وكان سليم كثير الضيافة والأجارة (13) ، فلمّا جاء الحجّاج إلى العراق حاسبه وطلب منه أموالا كثيرة عجز سليم عن تسديدها ، فباعه الحجّاج فاشتراه عتاب بن ورقاء بسبعين ألف ، ثمّ أطلق سراحه. (14)
وعند ما جاء شبيب الخارجيّ إلى الكوفة لمحاربة الحجّاج بن يوسف الثقفيّ ، فأرسل إليه الحجّاج جيشا من أهل الكوفة قوامه خمسين ألف مقاتل بقيادة عتاب بن ورقاء (أمير الكوفة) وعند ما التقى الجيشان ، قال عتاب : (هذا يوم كثر فيه العدد ، وقلّ فيه الغناء ، وآلهفي على خمسمائة من رجال تميم). (15)
ثم دارت معركة بين الطرفين قتل فيها عتاب (16) بن ورقاء ، (بعد أن تفرقت عنه رجال أهل الكوفة) ثمّ داسوه بالخيل ، وانهزم جيش عتاب عن بكرة أبيه ، راجعين إلى الكوفة ، فاستولى شبيب الخارجيّ على كلّ ما كان في المعسكر من أموال وعتاد ومؤونة (17) ، وكان تعداد جيش شبيب الخارجيّ حوالي ستمائة رجل (18). وسميت تلك المعركة بإسم (معركة عتاب).
وقيل لما قتل عتاب ، جاء شبيب الخارجيّ ، فشاهده صريعا ، تألّم له وتأثّر عليه فقال له أحد الخوارج : يا أمير المؤمنين ، أتتوجّع لكافر!؟ ثمّ دعا شبيب بإيقاف القتال ، وهرب من الكوفة ليلا. (19)
المصادر :
1- ابن بكارى ـ الأخبار الموفقيات. ص ٥٢٩. والتوحيدي ـ البصائر والذخائر. ج ١ / ١٢٥.
2- الذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٣١.
3- ابن بكار ـ الأخبار الموفقيات. ص ٥٢٩. وابن كثير ـ البداية والنهاية. ج ٨ / ٢٦١. والزركلي ـ ترتيب الأعلام على الأعوام. ج ١ / ١٥٤.
4- نفس المصادر السابقة.
5- ابن الأثير ـ الكامل. ج ٤ / ٢٨٦.
6- ابن الماحوز : أمير الخوارج.
7- ابن كثير ـ البداية والنهاية. ج ٨ / ٢٦١.
8- أعشى همدان : وهو عبد الرحمن بن عبد الله شاعر اليمانيين بالكوفة وفارسهم في عصره ، وأحد الفقهاء الغزاة.
9- التوحيدي ـ البصائر والذخائر. ج ٨ / ١٩٧.
10- سحق نيم : بقايا فروة بالية.
11- محمود مقديش ـ نزهة الأنظار. ج ١ / ١٩٧.
12- سعيد الكرمي ـ قول على قول. ج ٤ / ٣١.
13- الأجارة : اللجوء.
14- البلاذري ـ أنساب الأشراف. ج ١ / ٢٥٥.
15- الذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٣١.
16- الذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٣١. وابن كثير ـ البداية والنهاية. ج ٩ / ١٧. وابن العماد ـ شذرات الذهب. ج ١ / ٣١٦. والزركلي ـ ترتيب الأعلام على الأعوام. ج ١ / ١٥٤.
17- ابن كثير ـ البداية والنهاية. ج ٩ / ١٧.
18- الذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٣١.
19- الذهبي ـ سير أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٤٩.