
الطور العملي
كلنا نعلم أن التمدن قديم في وادي النيل، وقد مَرَّ بك شيء عن أحوال الجمعيات السرية فيه وعن كيفية تنظيمها وطُرُق تعليمها وقبول الراغبين فيها، ما يُستدَل منه أن هذا الوادي الخصب ما برح منذ القِدَم منشأ للعلم والفضيلة، ومقرًّا للعلماء والفلاسفة، ومصدرًا عامًّا قد استقَتْ منه سائر الأمم التي تمدنت قديمًا في سائر أنحاء المشرق والمغرب، ومنه أخذت تلك الأمم تعاليمها السرية وغير السرية وعلومها وصنائعها. وكل الجمعيات السرية التي أُنشِئت فيها إنما نُسِجت على مثال جمعياته.
فعلى ضفاف النيل نبت غرس التمدن، ولما تمَّ نموُّه نبت له فروع في سائر أنحاء العالم، فإذا نظرنا إلى الماسونية نظرًا عامًّا من حيث مبادئها وتعاليمها، نراها قديمة العهد في مصر، وبعبارة أخرى نرى أن التعاليم الماسونية كانت في مصر قبل زمن ظهورها في رومية بأجيال عديدة؛ لأن الجمعيات المصرية السرية كانت تعلِّم ما يقرب كثيرًا من تعاليم الماسونية، وعلى أسلوب قريب من أسلوبها ولغاية مثل غايتها.
ويظهر من الآثار المصرية الباقية إلى هذا العهد أن صناعة البناء والهندسة كانت عندهم على غاية الإتقان، ويُستدَل من تواريخهم أن الذين كانوا يرسمون تلك الأبنية ويناظرون على بنائها إنما هم فئة من الكهنة، ولم يكونوا يعلمون هذه الصناعة لعامة الشعب، وإنما كانوا يستخدمونهم في نقل الأحجار وقَطْعها من أماكنها،
ويختارون من بينهم مَن يعهدون إليه نحتها على مثل جماعة البنَّائين الأحرار، الأمر الذي حمل بعضهم على القول بأن الجمعية الماسونية فرع من الكهانة المصرية، واستدلوا على صدق دعواهم بأدلة كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، ولا يمكننا التسليم بما تقتضيه صحتها لأسباب تقدَّمَ ذِكْرها عند كلامنا عن منشأ الماسونية.
وما زالت هذه التعاليم منتشرة في هذا القطر السعيد، ترتفع بارتفاع شأن العلم وتنحط بانحطاطه، حتى أشرقت الماسونية من المغرب وجاءت إلى المشرق على إثر الاضطهاد الديني كما مَرَّ، فكان لمصر حظٌّ منها، وكانت لا تزال عملية وغايتها الأولية إقامة المباني والأسوار والقلاع وما شاكل، فعهدت الحكومة المصرية في عهد الخلفاء إلى فئات منهم هندسةَ وبناءَ كثيرٍ من الجوامع والقلاع والأسوار؛ ففي عهد أحمد بن طولون في أواسط الجيل الثالث للهجرة عهد إلى أحدهم هندسة جامع ابن طولون، الذي لا يزال قائمًا إلى هذه الغاية في مصر. ومما ذكره المقريزي عن بناء هذا الجامع قوله:
«فلما أراد أحمد بن طولون بناء الجامع قدَّر له ثلاثمائة عمودٍ، فقيل له ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب فتحمل ذلك، فأنكر ذلك ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيَّ — الذي تولَّى له بناء العين، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق — الخبرُ، فكتب إليه يقول:
أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلا عمودي القبلة. فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك ما تقول في بناء الجامع؟! فقال: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانًا بلا عمد إلا عمودَي القِبْلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت وصوَّره له، فأعجبه واستحسنه وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار … فوضع النصراني يده في البناء … إلخ.»
فتأمَّلْ كيف أنه لم يجد في كل مصر مَن يبني له الجامع على ما أراد إلا رجلًا واحدًا كان مضطهَدًا منه ومسجونًا بأمره، وقد كانت مصر إذ ذاك مستنيرة بالتمدن الإسلامي وفيها الصنائع والعلوم.
أما صناعة البناء فيظهر أنها كانت محصورة في بعض الأفراد، مستكنة في ضمائرهم لا يكاشفون بها أحدًا، وبما أن جماعة البنائين الأحرار كانوا قد انتشروا في المشرق نحو ذلك العصر، يرجح أن ذلك البنَّاء كان واحدًا منهم، على أننا لم نعلم بوجود جمعية منظمة من أولئك البنَّائين في مصر، ولعلها وُجِدت وطُمِست أخبارها كما طُمِس أخبار كثير غيرها، والله أعلم.
الطور الرمزي
أما الماسونية الرمزية فلم تظهر في مصر قبل سنة ١٧٩٨، أيْ أثناء الحملة الفرنساوية. وتفصيل ذلك أن نابوليون بونابرت لما جاء الديار المصرية وافتتحها، كان في معِيَّته نخبة من رجال فرنسا، وفيهم الجنرال كلابر المشهور، فلما وصلوا القاهرة اتَّفَق بونابرت والجنرال كلابر وعدة من الضباط — وكانوا من الإخوة الماسونيين — على تأسيس محفل يجتمعون إليه، فأسَّسوه في أوغسطس من تلك السنة في مدينة القاهرة، ودعوه «محفل إيزيس»، وهو يشتغل على طريقة دعاها نابوليون طريقة ممفيس، ولعلهم قصدوا بذلك مقصدًا سياسيًّا؛ لأنهم أدخلوا فيه كثيرًا من عمد البلاد ورجالها، والظاهر أن نابوليون بونابرت كان يفعل مثل ذلك حيثما نزل مفتتحًا تمكينًا لقدمه. ثم لما بارح بونابرت مصر، وقُتِل الجنرال كلابر، توقفت أشغال المحفل أو بالحري انحَلَّتْ عراه.
ومما يليق ذكره أن أحد أعضاء هذا المحفل من الوطنيين، ويُدعَى صموئيل حنس، لما انفصمت عرى محفل إيزيس ما زال ميَّالًا إلى نشر المبادئ الماسونية مغرمًا بها، ففي سنة ١٨١٤ سافر إلى فرنسا وأنشأ في مونت أمبو محفلًا على الطريقة الممفيسية في ١٣ أبريل سنة ١٨١٥، بمساعدة الأخ جبرائيل متى مركونيس والبارون دوماس والماركيس دي لاروك وهيبوليت لابرونيه، دَعَوه «محفل تلامذة ممفيس». وفي ٢٣ مايو (أيار) من تلك السنة كرَّسوه رسميًّا. وقد تفرَّع من هذا المحفل في فرنسا محافل أخرى كثيرة كانت تشتغل على الطريقة الممفيسية، حتى أقيم لها في فرنسا محفل أعظم ومجلس عالٍ، وفيه كل الدرجات العالية.
وفي سنة ١٨٣٠ جاء مصر بعض الإخوة الإيطاليين وكانوا على الطريقة الاسكوتلاندية، فأسَّسوا في الإسكندرية محفلًا قانونيًّا جعلوا يجتمعون إليه، إلا أنهم لم يكونوا يستطيعون التظاهر خوفًا من الاضطهاد، وما زالوا في المواظبة على العمل حتى كثر عددهم وانتشروا في أنحاء القُطْر، وكان فيهم جماعة من وجهاء البلاد، فاشتدَّ أزر المحفل بهم ونشطوا للعمل. وفي سنة ١٨٣٨ تأسَّس في القاهرة محفل تحت رعاية المجلس العالي الممفيسي الفرنساوي، واسمه مينيس.
وفي سنة ١٨٤٥ تأسَّس في الإسكندرية تحت رعاية الشرق الأعظم الفرنساوي محفل اسمه «الأهرام»، انضم إليه كثيرون من الإخوة الماسونيين من جميع الطوائف والنزعات، وكثر أعضاؤه، وكان يشتغل بعلم الحكومة المحلية لا يخشى اضطهادًا ولا يبالي بما يقوله القائلون على غير هدى، ولهذا المحفل بالحقيقة الفضل الأعظم في بث التعاليم الماسونية في القُطْر المصري، والتحق به قسم عظيم من رجال البلاد من وطنيين وأجانب، وفي جملتهم البرنس حليم باشا ابن ساكن الجنان محمد علي باشا، والأمير عبد القادر الجزائري المشهور بالفضل والحلم وعزة النفس، التي هي الصفات الماسونية الحقة، وقد تمثلت في شخص هذا الرجل.
ولا نزيد القارئ علمًا بما أتاه هذا الأمير في بلاده من البسالة وعلو الهمة والحزم في حربه مع الفرنساويين في الغرب، وما أبداه من كرم الأخلاق والشهامة أثناء حادثة الشام المشهورة، فإنه حمى في كنفه ألوفًا من المسيحيين الذين لولاه لهُدِرت دماؤهم، والناس إذ ذاك فوضى لا سراة لهم. وانضم إلى ذلك المحفل أيضًا كثيرون آخَرون من ذوي الفضل والهمة لا محل لذكرهم هنا. واشتهر هذا المحفل بالأعمال الخيرية، فكان له صندوق خاص يجمع إليه النقود لأجل عمل البر، وكان ينفقها عشرات ومئات في سبيل الخير العام،
ولم تَمْضِ على تأسيس هذا المحفل خمس عشرة سنة حتى أصبح عدد أعضائه نحو الألف، وفي جملتهم الأخ الكلي الاحترام سولوتوري افنتوري زولا، الذي أصبح بعد ذلك أستاذًا أعظم للشرق الأعظم والمحفل الأعظم المصري كما سيجيء. وفي أواسط سنة ١٨٤٩ تأسَّس المحفل الأول الإيطالياني على الطريقة الاسكوتلاندية في الإسكندرية، تحت رعاية المجلس العالي الإيطالياني.
وفي سنة ١٨٥٦ أنفذ المجلس العالي الممفيسي في فرنسا مندوبًا ببراءة رسمية ليقيم في الإسكندرية مجلسًا عاليًا إقليميًّا على طريقته، وفوَّض إليه أن يُنشِئ محافل فرعية تحت رعايته. وتأسَّس فيما بين سنة ١٨٥٩ و١٨٦٢ محافل أخرى تحت رعاية المجلس العالي الإيطالياني، منها محفل كايوغراكو ومحفل بمباي جميعها في الإسكندرية، وتأسَّست أيضًا محافل أخرى تحت رعاية هذا المجلس في القاهرة، منها محفل أهرامي منف ومحفل الكون وغيرهما.
وقد كانت جميع هذه المحافل في وفاق تام مع محفل الأهرام والفرنساوي المتقدم ذِكْره.
وفي أثناء تلك المدة أنشأ المجلس العالي الفرنساوي على الطريقة الاسكوتلاندية محفلًا نمرة ١٦٦ في الإسكندرية، ومحافل أخرى في أماكن أخرى من مصر، ومثل ذلك فعل الشرق الأعظم الفرنساوي، فأنشأ محافل في بورسعيد والسويس والإسماعيلية وغيرها.
وفي سنة ١٨٦٤ أسَّس المجلس العالي الإيطالياني في الإسكندرية مجمعًا يشتغل في الدرجات العليا، وفوَّض إليه أن يقيم مجامع أخرى تشتغل بهذه الدرجات إلى درجة ٣٣، وقد فعل فأنشئت عدة مجامع في أنحاء مختلفة من القُطْر.
فكانت الماسونية في تلك السنة منتشرة في القطر المصري انتشارًا حسنًا، ولها محافل ومجامع في أكثر الأقاليم المصرية، منها ما هو تحت المجلس العالي الإيطالياني، ومنها ما هو تحت المجلس العالي الفرنساوي، ومنها ما هو تحت الشرق الأعظم الفرنساوي، كلها عاملة على بثِّ التعاليم الماسونية وتهذيب الأفكار.
وفي سنة ١٨٦٧ أنشأ المحفل الأعظم الإنكليزي في القاهرة محافل رمزية تحت رعايته، منها محفلي الكونكورديا ومحفل البلور، ولا يزال كلاهما حيًّا يشتغلان في القاهرة، معظم أعضاء ثانيهما من ضباط الجيش الإنكليزي، وبعد ذلك أُسِّست محافل أخرى في جملتها محفل كوكب الشرق. وفي ٤ سبتمبر سنة ١٨٦٤ اجتمع سبعة من قدماء الإخوة الحائزين على الدرجات العليا، بعضهم إيطاليون وبعضهم سوريون، وقرَّروا وجوب إنشاء مجلس عالٍ على الطريقة الاسكوتلاندية، وأن يدعوه المجلس العالي المصري أو الشرق الأعظم المصري، ثم حاولوا تنفيذ قرارهم هذا وما زالوا في اجتهاد وسعي إلى سنة ١٨٦٨، ولم ينجحوا، وتأسَّست في أثناء هذه المدة عدة محافل إيطاليانية في أماكن مختلفة من القُطْر المصري.
المصدر :
تاريخ الماسونية العام / جُرجي زيدان
كلنا نعلم أن التمدن قديم في وادي النيل، وقد مَرَّ بك شيء عن أحوال الجمعيات السرية فيه وعن كيفية تنظيمها وطُرُق تعليمها وقبول الراغبين فيها، ما يُستدَل منه أن هذا الوادي الخصب ما برح منذ القِدَم منشأ للعلم والفضيلة، ومقرًّا للعلماء والفلاسفة، ومصدرًا عامًّا قد استقَتْ منه سائر الأمم التي تمدنت قديمًا في سائر أنحاء المشرق والمغرب، ومنه أخذت تلك الأمم تعاليمها السرية وغير السرية وعلومها وصنائعها. وكل الجمعيات السرية التي أُنشِئت فيها إنما نُسِجت على مثال جمعياته.
فعلى ضفاف النيل نبت غرس التمدن، ولما تمَّ نموُّه نبت له فروع في سائر أنحاء العالم، فإذا نظرنا إلى الماسونية نظرًا عامًّا من حيث مبادئها وتعاليمها، نراها قديمة العهد في مصر، وبعبارة أخرى نرى أن التعاليم الماسونية كانت في مصر قبل زمن ظهورها في رومية بأجيال عديدة؛ لأن الجمعيات المصرية السرية كانت تعلِّم ما يقرب كثيرًا من تعاليم الماسونية، وعلى أسلوب قريب من أسلوبها ولغاية مثل غايتها.
ويظهر من الآثار المصرية الباقية إلى هذا العهد أن صناعة البناء والهندسة كانت عندهم على غاية الإتقان، ويُستدَل من تواريخهم أن الذين كانوا يرسمون تلك الأبنية ويناظرون على بنائها إنما هم فئة من الكهنة، ولم يكونوا يعلمون هذه الصناعة لعامة الشعب، وإنما كانوا يستخدمونهم في نقل الأحجار وقَطْعها من أماكنها،
ويختارون من بينهم مَن يعهدون إليه نحتها على مثل جماعة البنَّائين الأحرار، الأمر الذي حمل بعضهم على القول بأن الجمعية الماسونية فرع من الكهانة المصرية، واستدلوا على صدق دعواهم بأدلة كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، ولا يمكننا التسليم بما تقتضيه صحتها لأسباب تقدَّمَ ذِكْرها عند كلامنا عن منشأ الماسونية.
وما زالت هذه التعاليم منتشرة في هذا القطر السعيد، ترتفع بارتفاع شأن العلم وتنحط بانحطاطه، حتى أشرقت الماسونية من المغرب وجاءت إلى المشرق على إثر الاضطهاد الديني كما مَرَّ، فكان لمصر حظٌّ منها، وكانت لا تزال عملية وغايتها الأولية إقامة المباني والأسوار والقلاع وما شاكل، فعهدت الحكومة المصرية في عهد الخلفاء إلى فئات منهم هندسةَ وبناءَ كثيرٍ من الجوامع والقلاع والأسوار؛ ففي عهد أحمد بن طولون في أواسط الجيل الثالث للهجرة عهد إلى أحدهم هندسة جامع ابن طولون، الذي لا يزال قائمًا إلى هذه الغاية في مصر. ومما ذكره المقريزي عن بناء هذا الجامع قوله:
«فلما أراد أحمد بن طولون بناء الجامع قدَّر له ثلاثمائة عمودٍ، فقيل له ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب فتحمل ذلك، فأنكر ذلك ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيَّ — الذي تولَّى له بناء العين، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق — الخبرُ، فكتب إليه يقول:
أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلا عمودي القبلة. فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك ما تقول في بناء الجامع؟! فقال: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانًا بلا عمد إلا عمودَي القِبْلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت وصوَّره له، فأعجبه واستحسنه وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مائة ألف دينار … فوضع النصراني يده في البناء … إلخ.»
فتأمَّلْ كيف أنه لم يجد في كل مصر مَن يبني له الجامع على ما أراد إلا رجلًا واحدًا كان مضطهَدًا منه ومسجونًا بأمره، وقد كانت مصر إذ ذاك مستنيرة بالتمدن الإسلامي وفيها الصنائع والعلوم.
أما صناعة البناء فيظهر أنها كانت محصورة في بعض الأفراد، مستكنة في ضمائرهم لا يكاشفون بها أحدًا، وبما أن جماعة البنائين الأحرار كانوا قد انتشروا في المشرق نحو ذلك العصر، يرجح أن ذلك البنَّاء كان واحدًا منهم، على أننا لم نعلم بوجود جمعية منظمة من أولئك البنَّائين في مصر، ولعلها وُجِدت وطُمِست أخبارها كما طُمِس أخبار كثير غيرها، والله أعلم.
الطور الرمزي
أما الماسونية الرمزية فلم تظهر في مصر قبل سنة ١٧٩٨، أيْ أثناء الحملة الفرنساوية. وتفصيل ذلك أن نابوليون بونابرت لما جاء الديار المصرية وافتتحها، كان في معِيَّته نخبة من رجال فرنسا، وفيهم الجنرال كلابر المشهور، فلما وصلوا القاهرة اتَّفَق بونابرت والجنرال كلابر وعدة من الضباط — وكانوا من الإخوة الماسونيين — على تأسيس محفل يجتمعون إليه، فأسَّسوه في أوغسطس من تلك السنة في مدينة القاهرة، ودعوه «محفل إيزيس»، وهو يشتغل على طريقة دعاها نابوليون طريقة ممفيس، ولعلهم قصدوا بذلك مقصدًا سياسيًّا؛ لأنهم أدخلوا فيه كثيرًا من عمد البلاد ورجالها، والظاهر أن نابوليون بونابرت كان يفعل مثل ذلك حيثما نزل مفتتحًا تمكينًا لقدمه. ثم لما بارح بونابرت مصر، وقُتِل الجنرال كلابر، توقفت أشغال المحفل أو بالحري انحَلَّتْ عراه.
ومما يليق ذكره أن أحد أعضاء هذا المحفل من الوطنيين، ويُدعَى صموئيل حنس، لما انفصمت عرى محفل إيزيس ما زال ميَّالًا إلى نشر المبادئ الماسونية مغرمًا بها، ففي سنة ١٨١٤ سافر إلى فرنسا وأنشأ في مونت أمبو محفلًا على الطريقة الممفيسية في ١٣ أبريل سنة ١٨١٥، بمساعدة الأخ جبرائيل متى مركونيس والبارون دوماس والماركيس دي لاروك وهيبوليت لابرونيه، دَعَوه «محفل تلامذة ممفيس». وفي ٢٣ مايو (أيار) من تلك السنة كرَّسوه رسميًّا. وقد تفرَّع من هذا المحفل في فرنسا محافل أخرى كثيرة كانت تشتغل على الطريقة الممفيسية، حتى أقيم لها في فرنسا محفل أعظم ومجلس عالٍ، وفيه كل الدرجات العالية.
وفي سنة ١٨٣٠ جاء مصر بعض الإخوة الإيطاليين وكانوا على الطريقة الاسكوتلاندية، فأسَّسوا في الإسكندرية محفلًا قانونيًّا جعلوا يجتمعون إليه، إلا أنهم لم يكونوا يستطيعون التظاهر خوفًا من الاضطهاد، وما زالوا في المواظبة على العمل حتى كثر عددهم وانتشروا في أنحاء القُطْر، وكان فيهم جماعة من وجهاء البلاد، فاشتدَّ أزر المحفل بهم ونشطوا للعمل. وفي سنة ١٨٣٨ تأسَّس في القاهرة محفل تحت رعاية المجلس العالي الممفيسي الفرنساوي، واسمه مينيس.
وفي سنة ١٨٤٥ تأسَّس في الإسكندرية تحت رعاية الشرق الأعظم الفرنساوي محفل اسمه «الأهرام»، انضم إليه كثيرون من الإخوة الماسونيين من جميع الطوائف والنزعات، وكثر أعضاؤه، وكان يشتغل بعلم الحكومة المحلية لا يخشى اضطهادًا ولا يبالي بما يقوله القائلون على غير هدى، ولهذا المحفل بالحقيقة الفضل الأعظم في بث التعاليم الماسونية في القُطْر المصري، والتحق به قسم عظيم من رجال البلاد من وطنيين وأجانب، وفي جملتهم البرنس حليم باشا ابن ساكن الجنان محمد علي باشا، والأمير عبد القادر الجزائري المشهور بالفضل والحلم وعزة النفس، التي هي الصفات الماسونية الحقة، وقد تمثلت في شخص هذا الرجل.
ولا نزيد القارئ علمًا بما أتاه هذا الأمير في بلاده من البسالة وعلو الهمة والحزم في حربه مع الفرنساويين في الغرب، وما أبداه من كرم الأخلاق والشهامة أثناء حادثة الشام المشهورة، فإنه حمى في كنفه ألوفًا من المسيحيين الذين لولاه لهُدِرت دماؤهم، والناس إذ ذاك فوضى لا سراة لهم. وانضم إلى ذلك المحفل أيضًا كثيرون آخَرون من ذوي الفضل والهمة لا محل لذكرهم هنا. واشتهر هذا المحفل بالأعمال الخيرية، فكان له صندوق خاص يجمع إليه النقود لأجل عمل البر، وكان ينفقها عشرات ومئات في سبيل الخير العام،
ولم تَمْضِ على تأسيس هذا المحفل خمس عشرة سنة حتى أصبح عدد أعضائه نحو الألف، وفي جملتهم الأخ الكلي الاحترام سولوتوري افنتوري زولا، الذي أصبح بعد ذلك أستاذًا أعظم للشرق الأعظم والمحفل الأعظم المصري كما سيجيء. وفي أواسط سنة ١٨٤٩ تأسَّس المحفل الأول الإيطالياني على الطريقة الاسكوتلاندية في الإسكندرية، تحت رعاية المجلس العالي الإيطالياني.
وفي سنة ١٨٥٦ أنفذ المجلس العالي الممفيسي في فرنسا مندوبًا ببراءة رسمية ليقيم في الإسكندرية مجلسًا عاليًا إقليميًّا على طريقته، وفوَّض إليه أن يُنشِئ محافل فرعية تحت رعايته. وتأسَّس فيما بين سنة ١٨٥٩ و١٨٦٢ محافل أخرى تحت رعاية المجلس العالي الإيطالياني، منها محفل كايوغراكو ومحفل بمباي جميعها في الإسكندرية، وتأسَّست أيضًا محافل أخرى تحت رعاية هذا المجلس في القاهرة، منها محفل أهرامي منف ومحفل الكون وغيرهما.
وقد كانت جميع هذه المحافل في وفاق تام مع محفل الأهرام والفرنساوي المتقدم ذِكْره.
وفي أثناء تلك المدة أنشأ المجلس العالي الفرنساوي على الطريقة الاسكوتلاندية محفلًا نمرة ١٦٦ في الإسكندرية، ومحافل أخرى في أماكن أخرى من مصر، ومثل ذلك فعل الشرق الأعظم الفرنساوي، فأنشأ محافل في بورسعيد والسويس والإسماعيلية وغيرها.
وفي سنة ١٨٦٤ أسَّس المجلس العالي الإيطالياني في الإسكندرية مجمعًا يشتغل في الدرجات العليا، وفوَّض إليه أن يقيم مجامع أخرى تشتغل بهذه الدرجات إلى درجة ٣٣، وقد فعل فأنشئت عدة مجامع في أنحاء مختلفة من القُطْر.
فكانت الماسونية في تلك السنة منتشرة في القطر المصري انتشارًا حسنًا، ولها محافل ومجامع في أكثر الأقاليم المصرية، منها ما هو تحت المجلس العالي الإيطالياني، ومنها ما هو تحت المجلس العالي الفرنساوي، ومنها ما هو تحت الشرق الأعظم الفرنساوي، كلها عاملة على بثِّ التعاليم الماسونية وتهذيب الأفكار.
وفي سنة ١٨٦٧ أنشأ المحفل الأعظم الإنكليزي في القاهرة محافل رمزية تحت رعايته، منها محفلي الكونكورديا ومحفل البلور، ولا يزال كلاهما حيًّا يشتغلان في القاهرة، معظم أعضاء ثانيهما من ضباط الجيش الإنكليزي، وبعد ذلك أُسِّست محافل أخرى في جملتها محفل كوكب الشرق. وفي ٤ سبتمبر سنة ١٨٦٤ اجتمع سبعة من قدماء الإخوة الحائزين على الدرجات العليا، بعضهم إيطاليون وبعضهم سوريون، وقرَّروا وجوب إنشاء مجلس عالٍ على الطريقة الاسكوتلاندية، وأن يدعوه المجلس العالي المصري أو الشرق الأعظم المصري، ثم حاولوا تنفيذ قرارهم هذا وما زالوا في اجتهاد وسعي إلى سنة ١٨٦٨، ولم ينجحوا، وتأسَّست في أثناء هذه المدة عدة محافل إيطاليانية في أماكن مختلفة من القُطْر المصري.
المصدر :
تاريخ الماسونية العام / جُرجي زيدان