فاتح خيبر

 





 

طلّت خيبر تمثل تهديداً خطيراً للوجود الإسلامي ، وكان سيدنا ونبينا محمد صلی الله عليه وآله وسلم يراقب عن كثب التحركات اليهودية المشبوهة لتحريض القبائل العربية ضد الإسلام سيما قبائل غطفان التي تحركها الاطماع في السلب والنهب .
وتنامى الخطر اليهودي بعد توقيع معاهدة سلام بين المسلمين ومشركي قريش (صلح الحديبية .) ، التي فُسّرت على أنما تراجع للإسلام وضعف .
وفي شهر صفر من السنة السابعة للهجرة تحرك الجيش الإسلامي المؤلف من ألف واربعمئة مقاتل صوب الحصون اليهودية المنيعة ؛ وانتخب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله الطريق المؤدية من خيبر إلى مضارب غطفان للحؤول دون أي تنسيق بينهما أو وصول امدادات عسكرية.
وبالرغم من عنصر المفاجأة الذي وفّره النبي صلى الله عليه وآله بجيشه إلا ان مناعة الحصون والقلاع اليهودية حالت دون سقوطها رغم تشديد الحصار .
كانت الجزيرة العربية تراقب باهتمام الصراع المصيري خاصّة قريش التي كانت تتمنى أن تدور الدائرة على المسلمين .
اخفقت الحملات الإسلامية المتكررة في تحقيق تقدّم يذكر ؛ وكانت مدّة الحصار وقاربت المؤن على النفاد ، وراح اليهود يسخرون من المسلمين .
وفي تلك اللحظات التاريخية المثيرة هتف النبي :
ـ لا عطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله .
وبات الجميع وهم يحلمون براية الحب الأزلية .
اشرقت شمس اليوم التالي وتطلّع المسلمون إلى من سيمسك بالراية ، ولم يطل الوقت حتى ظهر علي بن أبي طالب والراية تخفق فوق هامته .
قال النبي وهو يوصيه :
ـ انطلق يفتح الله عليك .
وجسّد علي المثل الأعلى للجندي المسلم تقدم باتجاه الهدف ثم توقف وسأل دون أن يلتفت ألى ورائه :
ـ على ماذا اقاتلهم يا رسول الله ؟
ـ قاتلهم حتى يشهدوا ان لا إله الا الله واني رسول الله ؛ وتقدم علي والحماس يملأ صدره حتى إذا اصبح قريباً من الحصن ، رمى بدرعه ليتخفف من وزنه ويكون أكثر قدرة على المناورة والحركة وأمر جنوده أن يفعلوا مثله .
ورأى اليهود في علي بلا درع لقمة سائغة فهبط اليه الحارث (أخو مرحب .) ، وهو غارق في الحديد وراح يتهادى بغرور ولم يمهله علي أذ قفز علياً ثم أهوى عليه بضربة مدمّرة فسقط إلى الأرض ، وراح ابطال اليهود يبرزون له الواحد بعد الآخر فيلاقون ذات المصير ، وانقلب الموقف وعم الحماس المسلمين الذين راحوا يسخرون من أبطال اليهود وهم يتساقطون عند قدمي بطل الإسلام .
وهنا يقرر مرحب خوض المعركة المصيرية واعادة روح الثقة بالنفس لدى اليهود .
تقدّم مرحب وهو مثقل بالحديد والزرد ، وفي يده رمح طويل ذي ثلاث رؤوس ؛ وليس في جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف ان ينفذ فيها .
سدّد البطل اليهودي رمحه باتجاه صدر علي وايقن اليهود والمسلمين بانها ستكون نهاية لعلي ولكن البطل الإسلامي تحاشى الضربة وقفز في الهواء عالياً ليهوى بضربة أودعها غضب السماء . مرّت لحظات مثيرة ثم هوت كتلة الحديد فوق الأرض محدثة دويّا رهيباً وشعر اليهود بالرعب وانكفأوا داخل حصونهم وهنا أعلن علي شارة الهجوم العام .
وفي لحظات سقط القموص (أقوى حصون خيبر .) وتساقطت بعد ذلك سائر الحصون .
وظهرت علائم الارتياح على وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وفي غمرة هذا الفرح وصل جعفر بن أبي طالب من الحبشة على رأس المهاجرين ، وتضاعفت فرحة النبي صلى الله عليه وآله حتى سمع يقول :
ـ والله ما ادري بايهما أنا أشدّ سروراً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر .
وعانق علي أخاه بعد فراق طويل .
ان اعظم ما في علي بن أبي طالب هو توازنه العجيب ، فلقد ظل كما هو رغم كل هذه الأمجاد الحربية وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وآله لا يفتأ يذكر فضله واخلاصه وكان علي يزداد حبّاً وولاءً لمعلّمه ومربّيه واخيه العظيم .
آية في الطهر :
رزق الله علياً صبيين هما ريحانتي رسول الله (ولد الإمام الحسن عليه السلام سنة 2 هـ منتصف رمضان ، وولد الإمام الحسين في شعبان سنة 3 هـ . ) وتبلور مفهوم أهل البيت عليهم السلام ؛ وها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ينثر كلمات سماوية ليجعل لهم مكاناً في قلوب المؤمنين . ليكونوا نجوماً في الأرض يهتدي بها الحائرون ( النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض .) ، وسفينة انقاذ تشق عباب الأمواج الثائرة فينجو بها الراكبون (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق .) ، وباباً للرحمة والمغفرة (مثل أهل بيتي كباب حطّة في بني اسرائيل من دخله غفر له .) . وفي بيت أم سلمة هبط الملاك بآية الطهر فالسماء تريد أن تطهّر أهل البيت ، وتجعل من ذويه امثلة للناس جميعاً ، وتصفّد جبين محمد صلى الله عليه وآله وهو يتلقى كلمات من ربّه : « انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » .
واستدعى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله أخاه وابنته وسبطيه ، ليضمهم اليه قائلاً : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
آل محمد :
ستبقى سورة آل عمران (1) شاهداً على مكانة أهل البيت ، فهذه الاسرة الكريمة التي مسّتها السماء فطهّرتها من ادران الأرض وباركتها آخر النبوّات ستبقى وإلى الأبد معالم في الطريق إلى الله .
في حدود السنة السابعة للهجرة ، والجدل اليهودي الإسلامي في ذروته جاء وفد نجران ، فالنصارى يريدون أن يدلوا بدلوهم ويقولوا كلمتهم في غمرة الجدل الديني .
جاءوا يجادلون في طبيعة المسيح .. انه ابن الله ، انه لا ينتمي إلى عناصر الأرض .
واستقبل النبي صلى الله عليه وآله الوفد المؤلف من ستين مسيحياً يتقدمهم « العاقب » (الزعامة السياسية . ) و« الاسقف » (الزعامة الدينية . ) .
استقبل النبي ضيوفه بودّ وخاطبهم بادبه العظيم :
ـ « يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله » (2) .
وشرح لهم آخر الأنبياء توحّد المسار النبوي عبر التاريخ :
ـ « آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير » (3) .
وتساءل الوفد عن طبيعة المسيح ولم يكن له أب فهو ابن الله .
قال النبي صلى الله عليه وآله بلغة السماء :
ـ« وما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام » (4) .
وتساءل الاسقف عن طبيعة المسيح وقد ولد من غير أب ولدته العذراء البتول ؟!
وكان جواب السماء :
ـ « ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب هم قال له كن فيكون » (5) .
واستاء الوفد ورفض أن يكون « يسوع » منتمياً إلى الطين
وهكذا وصل الجدل إلى طريق مسدود فـ « لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم » (6) وعندما وصل الجد ذروته هبط جبريل يحمل بلاغ السماء :
ـ « فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين » (7) .
وفوجئ الوفد المسيحي بدعوة النبي صلى الله عليه وآله للمباهلة وتحكيم السماء فارجأ الأمر إلى غد .
واشرقت الشمس وخرج النبي في موكب عجيب ، كان يحمل سبطه « الحسين » وقد أخذ بيد سبطه الآخر « الحسن » وكانت فتاة نحيلة القوام تمشي خلف أبيها العظيم ولم تكن سوى البتول « فاطمة » وكان زوجها يمشي خلفها سلام الله وصلواته عيهم اجمعين.
وقف الاسقف مشدوهاً وهو يتأمل وجوهاً مضيئة وفي فلاة تمتد بامتداد الافق جثا آخر الأنبياء في التاريخ . وجثا خلفه أهل بيته ، والتفت النبي اليهم قائلاً :
ـ إذا أنا دعوت فامّنوا .
تمتم الاسقف :
ـ جثا والله كما يجثوا الأنبياء .
وخاطب النصارى ناصحاً :
ـ اني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله وهتف محذرراً :
ـ انظروا إلى الشمس قد تغيّر لونها والافق تنجع فيه السحب الداكنة .
وتقدم الاسقف إلى سيدنا محمد وخاطبه متودّداً .
ـ يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ، ولكن نصالحك .
وهكذا انسحب الوفد المسيحي في آخر لحظة ، وقال النبي صلى الله عليه وآله بعد أن عاد الوفد إلى دياره :
ـ « والذي نفسي بيده أن العذاب تولّى على أهل نجران ولولا عفوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي ناراً » (8) .
لقد كشفت السماء المدى الذي وصل اليه علي بن أبي طالب عليه السلام من السمو حتى اصبح نفس النبي صلى الله عليه وآله .
وقد اكد النبي صلى الله عليه وآله نفسه هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف ؛ وهو يخاطب علياً عليه السلام قائلاً : انت مني بنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي .
ومن يستكشف حياة هارون وعلي عليه السلام سوف يجد نقاط لقاء عديدة في حياة الرجلين ، وان عذابات علي هي امتداد لعذابات الأنبياء .

مشاهد وآيات :

المشهد الأول :

جلس العباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة يتفاخران .
العباس : اُوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد .. سقاية الحاج .
طلحة : وأنا اُتيت عمارة المسجد الحرام .
ومرّ علي بن أبي طالب ليذكّر بالقيم الجديدة :
ـ وأنا اُتيت على صغري ما لم تؤتيا ..
ـ وما الذي اُتيت يا علي ؟!
ـ ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله .نهض العباس غاضباً ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله :
ـ أما ترى ما استقبلني به علي ؟!
ـ ادعوا لي عليّاً .
ـ وجاء علي :
ـ يا رسول الله اصدقته الحق فان شاء فليغضب وان شاء فليرض .
ومرّت لحظات صمت ، وتألقت حبّات عرق على جبين النبي صلى الله عليه وآله ... لقد هبط جبريل يحمل آية :
ـ « اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله » (9) .

المشهد الثاني :

في بيت فاطمة وقد جلس علي وزوجه وجارية اسمها فضة ، وكان الحسنان مريضان .
وجاء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله يعودهما ومعه صاحبيان قال أحدهما :
ـ يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذراً ان عافاها الله .
قال على عليه السلام :
ـ اصوم ثلاثة أيام شكراً لله .
قالت فاطمة :
ـ وانا كذلك .
وقالت فضة :
وأنا أيضاً .
وقال الحسنان :
ـ ونحن نصوم .
وبعد أيام البس الله المريضين ثوب العافية حان وقت الوفاء بالنذر فلقد نهض الحسنان من فراش المرض .. وعادت الى وجهيهما دماء العافية ، والسماء تنتظر نذراً نذره الإنسان .. نذراً يقدّمه إلى نفسه ليكون قريباً من عوالم مغمورة بالنور ..
لا شيء في منزل فاطمة .
انطلق علي إلى شمعون رجل من خيبر ؛ رجل شهد انهيار حصون مليئة بالسلاح .. بالذهب .. بالذكاء أمام رجل لا يملك سوى سيف وقلب تنطوي في حناياه النجوم . وها هو اليوم يأتي يطلب شيئاً عجيباً .. انه يطلب قرضاً ثلاثة أصواع من شعير .. الرجل الذي اقتلع باب « القموص » (أقوى حصون خيبر اليهودية .) وقهر خيبر ... جاء يطلب حنفة من شعير .. وامرأته بنت محمد تملك ارض «فدك». تمتم شمعون وقد هزّته المفاجأة :
ـ هذا هو الزهد الذي اخبرنا به موسى بن عمران في التوراة :
طحنت فاطمة صاعاً .. الرحى تدور و« فضّة » فتاة تعيش في منزل فاطمة .. تجمع الدقيق .. صار الدقيق عجيناً .. ثم خمسة أقراص لكل صائم قرص شعير !
انجم المهيب يهوي باتجاه المغيب .. يرسل اشعة الوداع يعلن نهاية يوم من حياة الإنسان والأرض .. الاسرة الصائمة تتهيأ للافطار .. لقمة خبز تقيم أود الجسد الآدمي ليكمل رحلته باتجاه النور .
هتف انسان جائع :
ـ مسكين ! اطعموني اطعمكم الله .
وحده الصائم في لحظة الافطار يدرك آلام الجياع عندما تتلوى المعدة خاوية تبحث عن شيء تمضغه وإلا مضغت نفسها .
قدّم الصائمون خبزهم .. وافطروا على الماء .. واستأنفوا رحلة الجوع .. الجوع زاد المسافر في ملكوت السماء .. حيث تلال النور وبحيرات تزخر بالنجوم .. الجوع يلجم الشيطان القابع في الظلمات .. يسحقه فاذا هو خائر كثور محطّم القرون .
ومرّ يوم آخر والصائمون في رحلة اكتشاف ينابيع الحبّ الأزلي .. وكل شيء آيل إلأى الزوال إلا الحبّ .. والحبّ نداء الله إلأى النفوس البيضاء .
ومرّ يتيم .. يا لوعة اليتم في ماعة الغروب .. الكائنات تعود إلى أوكارها والطيور إلى اعشاشها والاطفال إلى احضان زاخرة بالدفء ، وفي ساعة الغروب تتجمع الدموع في عيون اليتامى كسموات مشحونة بالمطر ... يتجمع البكاء في القلب .. والمرارة في النفس فكيف إذا اجتمعت مع الجوع .. وهل تتحمل نفوس الأطفال البرد والجوع !!
نادى اليتيم في لحظة الغروب الحزين :
ـ اطعموني .. مما اطعمكم الله .
هناك في اعماق النفوس البيضاء كنوز من اللذة اني منها لذائذ البطن .. فكيف مع نفوس براها الجوع والنذر حتى عادت شفافة كالضياء ساطعة كالنور ..
لبّي الصائمون نداء اليتيم .. فباتوا ليلتهم يطوون رحلة مضنية تكاد تمزّق الجسد وتحيله إلى حطام .. حيث يشهد عالم الإنسان اللانهائي انتصار الملائكة وهزيمة الشيطان .. إلى الأبد .
السماء تراقب نفوساً في الأرض تطوي مسافات الجوع وفاءً بنذرها ؛ وفي اليوم الثالث مرّ اسير ينشد لقمة خبز أو تميرات .
الأجساد ترتعش أمام امواج الجوع .. العيون غائمة .. والوجود يغمره ضباب ودخان .. ورياحين النبوّات تهتز .. تذبل أو تكاد .. والنفوس تشتد نصوعاً والورود تضوّعاً ..
فاطمة تزداد نحولاً .. غارت عيناها .. وصوتها زاد وهنا على وهن وهي قائمة تصلّي في المحراب ..
وفي منزل آخر الأنبياء هبط جبريل يحمل هدية السماء ... سورة الإنسان وانها :
بسم الله الرحمن الرحيم
« هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * انا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا * انّا هديناه السبيل اما شاكراً وامّا كفورا * انّا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالاً وسعيرا * انّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولا شكورا * انا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا * فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً * انّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا ... » .
ورأت فاطمة في تلك الليلة ما لا عين رأت وسمعت ما لا أذن سمعت ولم يخطر على قلب بشر ... »

المشهد الثالث :

الشمس تغمر مسجد النبي صلى الله عليه وآله بالضوء الرسول صلى الله عليه وآله والذين آمنوا يصلّون خلفه صفوفاً ؛ الصمت يغمر المكان ما خلا تمتمات الصلاة .
ولما انفتل النبي صلى الله عليه وآله من الصلاة دخل اعرابي .. يحكي في هيئته عناء الصحراء وقسوتها ، الثياب مهلهلة ممزّقة خرّقتها ريح السموم ، والعينان غائرتان منطفئتان ذهبت ببريقهما مرارة الأيّام .
لم يجد الاعرابي سوى اللجوء إلى رسول السماء .. إلى ظلال وارفة ، واحة مضمخة بشذى جنّات الفردوس . واطلق السائل صيحة استغاثة ، فخلف جدران المسجد صبية وبنات .. اجساد عارية تنشد الستر ، وبطون خاوية تبحث عن رغيف الخبز .
وظلّت نداءات الاعرابي دون جواب ، ورمق الاعرابي السماء بعينين غارقتين في حزن مرير :
ـ اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً .
وفيما كان الاعرابي يهمّ بالانصراف رأى رجلاً يومي إليه .خفّ اليه الاعرابي بلهفة كان الرجل يصلّي كان راكعاً لله ويده ممدودة ، لم تكن الكفّ خالية ففي الخنصر خاتم فضي .
نزع الاعرابي الخاتم ، وعادت كفّ الرجل خالية .
ومضى الاعرابي فرحاً فيما ظلّ الرجل يصلّي لله . وتأثر النبي صلى الله عليه وآله فرفع يديه إلى السماء قائلاً : اللهم ان أخي موسى سألك فقال : « رب أشرح لي صدري ويسّر لي امري * واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون اخي * اشدد به ازري * واشركه في أمري » فانزلت عليه قرآناً ناطقاً : « سنشد عضدك باخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون اليكما بآياتنا» اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك ، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي امري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ازري .
وعرجت الكلمات تطوي المسافات وتخترق مدارات الزمن ، وهبط جبريل ..
تصفّد جبين النبي صلى الله عليه وآله ، تألقت فوق جبينه الأزهر حبّات العرق كقطرات الندى ، وفاحت في فضاء المسجد عطور الفردوس وافاق النبي صلى الله عليه وآله وانسابت كلمات السماء كنهر هادئ :
ـ « انّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون » .
ان السماء ولا شك تأخذ بيد علي وترفعه علياً تمنحه منحة سيد الخليقة محمد صلى الله عليه وآله إلا النبوة .
المصادر :
1- اشارة إلى الآية 61 من السورة .
2- آل عمران : 64 .
3- البقرة : 285 .
4- المائدة : 75 .
5- أل عمران 59 .
6- البقرة : 120 .
7- آل عمران : 61 .
8- مسند أحمد 1 : 185 .
9- الدر المنثور 2 : 218 حول الآية 19 من سورة البراءة .