الشمولية في حياة أئمّة أهل البيت عليهم السلام

قد يتصور احد او یحاول ان یضع تناقضات لتصورات خاطئة حول الائمة عليهم السلام وحينما نحاول اكتشاف الخصائص العامّة والدور المشترك للأئمّة ككلٍّ، فسوف تزول كلُّ تلك الاختلافات والتناقضات؛ لأنّها تبدو -على هذا المستوى- مجرّد
Monday, December 12, 2016
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
موارد بیشتر برای شما
الشمولية في حياة أئمّة أهل البيت عليهم السلام
 الشمولية في حياة أئمّة أهل البيت عليهم السلام

 





 

قد يتصور احد او یحاول ان یضع تناقضات لتصورات خاطئة حول الائمة عليهم السلام وحينما نحاول اكتشاف الخصائص العامّة والدور المشترك للأئمّة ككلٍّ، فسوف تزول كلُّ تلك الاختلافات والتناقضات؛ لأنّها تبدو -على هذا المستوى- مجرّد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة، وإنّما اختلف التعبير عنها وفقاً لاختلاف الظروف والملابسات التي مرّ بها كلُّ إمام وعاشتها القضيّة الإسلاميّة والشيعيّة في عصره عن الظروف والملابسات التي مرّت بالرسالة في عهد إمامٍ آخر.
ويمكننا -عن طريق دراسة الأئمّة على أساس النظرة الكلّيّة- أن نخرج بنتائج أضخم من مجموع النتائج التي تتمخّض عنها الدراسات التجزيئيّة؛ لأنّنا سوف نكشف ترابطاً بين أعمالهم.
وسوف أستخدم مثالاً بسيطاً لتوضيح الفكرة:
ألف- فنحن نقرأُ في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه جمع الصحابة في خلافته واستشهدهم على نصوص الإمامة، فشهد عددٌ كبيرٌ بالسماع من الرسول الأعظم‏(1).
بـ- ونقرأ في حياة الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه جمع في عرفة -على عهد معاوية- من تبقّى من خيار الصحابة والمهاجرين وعدداً كبيراً من التابعين، وطلب منهم أن يحدّثوا بنصوص النبي (صلّى الله عليه وآله) في عليٍّ وأهل البيت‏(2).
جـ- ونقرأ في حياة الإمام الباقر أنّه قام بنفس العمليّة، واستشهد التابعين وتابعي التابعين‏(3).
وحين ندرس الأئمّة ككلٍّ، ونربط بين هذه النشاطات بعضِها ببعض، ونلاحظ أنّ العمليّات الثلاث وُزّعت على ثلاثة أجيال، نجد أنفسنا أمام تخطيط مترابط يكمّل بعضُه بعضاً، يستهدف الحفاظ على تواتر النصوص‏عبر أجيال عديدة؛ حتّى تصبح في مستوىً من الوضوح والاشتهار يتحدّى كلَّ مؤامرات الإخفاء والتحريف.

فكرةُ الإمامة تفرض وجود دور مشترك للأئمّة (عليهم السلام):

وفي عقيدتي: إنّ وجود دور مشترك مارسه الأئمّة جميعاً ليس مجرّدَ افتراض نبحث فيه عن مبرّراته التاريخيّة، وإنّما هو ممّا تفرضه العقيدة نفسُها، وفكرة الإمامة بالذات؛ لأنّ الإمامة واحدة في الجميع بمسؤوليّاتها وشروطها، فيجب أن تنعكس انعكاساً واحداً في سلوك الأئمّة وأدوارهم، مهما اختلفت ألوانها الظاهريّة بسبب الظروف والملابسات، ويجب أن يشكّل الأئمّة مجموعُهم وحدةً مترابطةَ الأجزاء، يواصل كلُّ جزءٍ في تلك الوحدة دور الجزء الآخر ويكمّله.
ما هو هذا الدور المشترك للأئمّة؟
وقد لا نحتاج إلى شي‏ء من البحث لكي نتّفق بسرعة على نوعيّة الدور المشترك الذي اُسند إلى الأئمّة في تخطيط الرسالة؛ فكلّنا نعلم أنّ الرسالة الإسلاميّة -بوصفها رسالةً عقائديّةً- قد خطّطت لحماية نفسها من الانحراف، وضمانِ نجاح التجربة خلال تطبيقها على مرّ الزمن، فأوكلت أمر قيادة التجربة وتمويلها تشريعيّاً وتوجيهها سياسيّاً إلى الأئمّة؛ بوصفهم الأشخاص العقائديّين الذين بلغوا في مستواهم العقائدي درجة العصمة عن الانحراف والزلل والخطأ.
غير أنّنا حين نحاول أن نحدّد الدور المشترك الذي مارسه الأئمّة ككلٍّ في تاريخهم المديد لا نعني هذا الدورَ القياديَّ في تزعّم التجربة الإسلاميّة؛ لأنّنا نعلم جميعاً أنّ الأحداث المؤلمة التي وقعت بعد وفاة الرائد الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد أقصت الأئمّة عن دورهم القيادي في تزعّم التجربة، وسلّمت مقاليد الرسالة ومسؤوليّة تطبيقها إلى أشخاص آخرين انحرف معهم التخطيط، واشتدّ الانحراف على مرّ الزمن.
وإنّما نريد بالدور المشترك في تاريخ الأئمّة: الموقفَ العامَّ الذي وقفوه في خضمِّ الأحداث والمشاكلِ التي اكتنفت الرسالة بعد انحراف التجربة وإقصائهم عن مركزهم القيادي في زعامتها.
وهنا نجد تصوّراً شائعاً لدى كثيرٍ من الناس الذين اعتادوا أن يفكّروا في الأئمّة بوصفهم اُناساً مظلومين فحسب، قد اُقصوا عن مركز القيادة وأقرّت الاُمّة هذا الإقصاء، وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان؛ فهؤلاء الناس يعتقدون أنّ دور الأئمّة في حياتهم كان دوراً سلبيّاً على الأغلب نتيجةً لإقصائهم عن مجال الحكم؛ فحالهم حالُ من يملك داراً فتغصب منه، وينقطع أمله في إمكان استرجاعها.
وهذا التفكير -بالرغم من أنّه خاطئ- يعتبر خطأً من الناحية العمليّة؛ لأنّه يحبِّب إلى الإنسان السلبيّة والانكماش والابتعاد عن مشاكل الاُمّة
ومجالات قيادتها.
ولهذا أعتقد أنّ من ضروراتنا الإسلاميّة الراهنة أن نثبت خطأ ذلك التفكير، وندرس حياة الأئمّة على أساس نظرةٍ كلّية؛ لنتبيّن إيجابيَّتهم الرساليّة على طول الخطّ، ودورَهم المشتركَ الفعّال في حماية الرسالة والعقيدة.

انعكاسات دور الأئمّة (عليهم السلام) الإيجابي في الحفاظ على الرسالة:

إنّ الأئمّة (عليهم السلام) بالرغم من التآمر على إقصائهم عن مجال الحكم، كانوا يتحمّلون باستمرار مسؤوليّتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى التجربة الإسلاميّة، وتحصينها ضدَّ التردّي إلى هاوية الانحراف والانسلاخ عن مبادئها وقيمها انسلاخاً تامّاً.
وكلّما كان الانحراف يطغى ويشتدّ وينذر بخطر التردّي إلى الهاوية، كان الأئمّة يتّخذون التدابير اللازمة ضدَّ ذلك.
وكلّما وقعت التجربة الإسلاميّة أو العقيدة في محنةٍ أو مشكلة وعجزت الزعامات المنحرفة عن علاجها -بحكم عدم كفاءتها-، بادر الأئمّة إلى تقديم الحلِّ ووقاية الاُمّة من الأخطار التي كانت تهدّدها.
وبكلمةٍ مختصرة: كان الأئمّة يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الإسلامي، ويحرصون على أن لا يهبط إلى درجة تشكّل خطراً ماحقاً، وهذا يعني ممارستهم جميعاً دوراً إيجابيّاً فعّالاً في حماية العقيدة وتبنّي مصالح الرسالة والاُمّة:
1- ردع الحاكم عن مزيد من الانحراف:
تمثَّل هذا الدور الإيجابي في إيقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف، كما عبّر عنه الإمام علي (عليه الصلاة والسلام) حين صعد عمر على المنبر، وتساءل عن ردّ الفعل لو صرف الناس عمّا يعرفون إلى ما ينكرون، فردّ عليه الإمام بكلّ وضوح
وصراحة: «إذاً لقوّمناك بسيوفنا».
2- تعرية الزعامة المنحرفة:
وتمثَّل في تعرية الزعامة المنحرفة إذا أصبحت تشكّل خطراً ماحقاً، ولو عن طريق الاصطدام المسلّح بها، والشهادة في سبيل كشف زيفها وشلّ تخطيطها، كما صنع الإمام الحسين مع يزيد.
3- مجابهة المشاكل التي تهدّد كرامة الدولة الإسلاميّة:
وتمثَّل في مجابهة المشاكل التي تهدّد كرامة الدولة الإسلاميّة وتعجز الزعامات المنحرفة عن حلّها: كما في المشكلة التي أحدثها كتاب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان؛ إذ عجز عبد الملك عن الجواب على الكتاب في مستواه‏، فملأ الإمام زين العابدين هذا الفراغ، وأجاب بالشكل الذي يحفظ للدولة كرامتها وللاُمّة الإسلاميّة هيبتها(4).
4- إنقاذ الدولة الإسلاميّة من التحدّي الكافر الذي يهدّد سيادتها:
وتمثَّل أيضاً في إنقاذ الدولة الإسلاميّة من تحدٍّ كافرٍ يهدّد سيادتها، كالتحدّي الذي واجهه [عبدالملك‏ من الروم بشأن النقد، وعَجِزَ عن الردّ عليه. وكان الإمام الباقر (عليه السلام) في مستوى الردّ على هذا التحدّي، فخطّط للاستقلال النقدي‏(5).
5- معارضة الزعامات المنحرفة بنحوٍ يعكس الوجه الحقيقيَّ للرسالة:
وتمثَّل الدور الإيجابي للأئمّة أيضاً في تلك المعارضة القويّة العميقة التي كان الأئمّة يواجهون بها الزعامات المنحرفة بإرادة صلبة لا تلين، وقوّة نفسيّة صامدة لا تتزعزع؛ فإنّ هذه المعارضة بالرغم من أنّها اتّخذت مظهر السلبيّة والمقاطعة في أكثر الأحايين بدلاً عن مظهر الاصطدام الإيجابي والمقابلة المسلّحة، غير أنّ المعارضة -حتّى بصيغتها السلبيّة- كانت عملاً إيجابيّاً عظيماً في حماية الإسلام والحفاظ على مُثُله وقيمه؛ لأنّ انحراف الزعامات القائمة كان يعكس الوجه المشوَّه للرسالة، فكان لا بدّ للقادة من أهل البيت أن يعكسوا الوجه النقيَّ المشرقَ لها، وأن يؤكّدوا -عمليّاً باستمرار- المفارقاتِ بين الرسالة وبين‏ الحكم الواقع.
وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظريّة سليماً من الانحراف، وإن تشوّهت معالم التطبيق.
ويمكنني أن أذكر بهذا الصدد مثالاً جزئيّاً، ولكنّه يعبِّر عن مدى الجهود التي بذلها الأئمّة (عليهم السلام) في سبيل الحصول على هذا المكسب، مكسبِ خروج الإسلام -على المستوى النظري- سليماً من الانحراف.
تصوّروا أيّها الإخوة: أنّ الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه) سجينٌ قد هدَّ السجنُ صحّتَه وأذاب جسمه، حتّى أصبح حين يسجد لربّه كالثوب المطروح على الأرض‏(6)، فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة(وهو يحيى بن خالد البرمكي، وفي المصدر أنّه كان يتولّى الكاظم (عليه السلام) وهارون لا يعلم ذلك.) فيقول: «إنّ الخليفة يعتذر إليك ويأمر بإطلاق سراحك، على أن تزوره وتعتذر إليه أو تطلب رضاه»، فيشمخ الإمام وهو يجيب بالنفي بكلِّ صراحة(7)، ويتحمّل مرارة الكأس إلى الثُّمالة؛ لا لشي‏ءٍ إلّا لكي لا يحقّق للزعامة المنحرفة هدفها في أن يباركَ الإمامُ خطَّها، فتنعكس معالم التشويه من التطبيق المنحرف على الرسالة نفسها.
6- تمويل الاُمّة رساليّاً وفكريّاً ومقاومة التيّارات الفكريّة الخطرة:
وتمثّل الدور الإيجابي للأئمّة في تمويل‏الاُمّة العقائديّة بشخصيّتها الرساليّة والفكريّة من ناحية، ومقاومة التيّارات الفكريّة التي تشكّل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكوّنها من ناحية اُخرى.
وللإمام من علمه المحيط المستوعب ما يجعله قادراً على الإحساس بهذه البدايات الخطرة، وتقدير أهمّيّتها ومضاعفاتها، والتخطيط للقضاء عليها.
وقد نفسّر على هذا الضوء اهتمامَ الإمام العسكري وهو في المدينةبمشروع كتابٍ يصنّفه الكندي وهو في العراق حول متناقضات القرآن؛ إذ اتّصل به عن طريق بعض المنتسبين إلى مدرسته، وأحبط المحاولة، وأقنع مدرسة الكندي بأنّها على خطأ(8).
7- الإيجابيّة تتكشّف في علاقات الأئمّة (عليهم السلام) بالاُمّة :
وفي الواقع: إنّ حياةَ الأئمّة (عليهم السلام) زاخرةٌ كلَّها بالشواهد على إيجابيّة الدور المشترك الذي كانوا يمارسونه.
فمن ذلك: علاقاتُ الأئمّة (عليهم السلام) بالاُمّة والزعامة الجماهيريّة واسعة النطاق التي كان إمام أهل البيت يتمتّع بها على طول الخطّ؛ فإنّ هذه الزعامة لم يكن إمامُ أهل البيت يحصل عليها صدفةً، أو على أساس مجرّد الانتساب إلى الرسول -والمنتسبون إلى الرسول كُثُر-، بل على أساس العطاء والدور الإيجابي الذي يمارسه الإمام في الاُمّة بالرغم من إقصائه عن منصب‏ الحكم؛ فإنّ الاُمّة لا تمنح -على الأغلب- الزعامة مجاناً، ولا يمتلك الفرد قيادتها ويحتلُّ قلوبها بدون عطاء سخيّ منه تستشعره الاُمّة في مختلف مجالاتها، وتستفيد منه في حلّ مشكلاتها والحفاظ على رسالتها.
أ- إنّ تلك الزعامة الواسعة -التي كانت نتيجةً لإيجابيّة الأئمّة (عليهم السلام) في الحياة الإسلاميّة- هي التي جعلت من عليٍّ (عليه الصلاة والسلام) المثلَ الأعلى للثوّار الذين قضوا على عثمان‏(9)، وهي التي كانت تتمثَّل في مختلف العلاقات التي عاشها الأئمّة مع الاُمّة.
بـ- اُنظروا إلى الإمام موسى بن جعفر كيف يقول لهارون الرشيد: «أنت إمام الأجسام، وأنا إمام القلوب»(10).
جـ- اُنظروا إلى عبد الله بن الحسن حين أراد أن يأخذ البيعة لابنه محمّد كيف يقول للإمام الصادق: «واعلم -فديتُك- أنّك إذا أجبتني لم يتخلّف عنّي أحدٌ من أصحابك، ولم يختلف عليّ اثنان من قريش ولا من غيرهم»(11).
د- ولاحظوا مدى ثقة الاُمّة بقيادة أئمّة أهل البيت نتيجةً لما يعيشونه من دورٍ إيجابيٍّ في حماية الرسالة ومصالح الاُمّة.
لاحظوا المناسبة الشهيرة التي أنشد فيها الفرزدق قصيدته في الإمام زين العابدين: كيف أنّ هيبة الحكم وجلال السلطان لم [يستطيعا] أن [يشقّا] لهشام طريقاً لاستلام الحجر بين الجموع المحتشدة من أفراد الاُمّة في موسم الحجّ، بينما استطاعت زعامة أئمّة أهل البيت أن تكهرب تلك الجماهير في لحظةٍ، وهي تحسّ بمقدم الإمام القائد، وتشقّ الطريق بين يديه نحو الحجر(12)!
هـ- - لاحظوا قصّة الهجوم الشعبي الهائل الذي تعرّض له قصر المأمون نتيجةً لإغضابه الإمامَ الرضا، فلم يكن للمأمون مناصٌ [من‏] الالتجاء إلى الإمام لحمايته من غضب الاُمّة، فقال له الإمام: «اتّقِ الله في اُمّة محمّد وما ولّاك من هذا الأمر وخصّك به؛ فإنّك قد ضيّعت اُمور المسلمين، وفوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيه بغير حكم الله عزّ وجلّ»(13).
إنّ كلَّ هذه النماذج والمظاهر للزعامة الشعبيّة التي عاشها أئمّة أهل البيت على طول الخطّ تبرهن على إيجابيّتهم، وشعورِ الاُمّة بدورهم الفعّال في حماية الرسالة.
8- الإيجابية تتكشّف في علاقات الأئمّة بالحكّام‏
:ويمكننا أن ننظر من زاوية جديدة لنصل إلى نفس النتيجة، من زاوية علاقات الزعامات المنحرفة مع إمام أهل البيت على طول الخطّ؛ فإنّ هذه العلاقات كانت تقوم على أساس الخوف الشديد من نشاط الأئمّة ودورهم في الحياة الإسلاميّة، حتّى يصل الخوف لدى الزعامات المنحرفة أحياناً إلى درجة الرعب.
وكان محصول ذلك باستمرار تطويق إمام الوقت بحصار شديد، ووضع رقابة محكمة عليه، ومحاولة فصله عن قواعده الشعبيّة، ثمّ التآمر على حياته، ووفاته شهيداً بقصد التخلّص من خطره.
فهل كان من الصدفة أو مجرّدَ تسليةٍ أن تتّخذ الزعاماتُ المنحرفةُ كلَّ هذه الإجراءات تجاه أئمّة أهل البيت، بالرغم من أنّها تكلّفها ثمناً بالغاً من سمعتها وكرامتها؟! أو كان كلُّ ذلك نتيجةً لشعور الحكّام المنحرفين بخطورة الدور الإيجابي الذي يمارسه أئمّة أهل البيت؟! وإلّا فلماذا كلُّ هذا القتل والتشريد والنفي والسجن؟!
هل كان الأئمّة يحاولون تسلّم‏ الحكم؟
يبقى سؤال واحد قد يتبادر إلى الأذهان، وهو: أنّ إيجابيّة الأئمّة هل كانت تصل إلى مستوى العمل لتسلّم زمام الحكم من الزعامات المنحرفة؟ أو تقتصر على حماية الرسالة ومصالح الاُمّة من التردّي إلى الهاوية وتفاقم الانحراف؟!
والجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى توسّع في الحديث يضيق عنه هذا المجال، غير أنّ الفكرة الأساسيّة في الجواب‏ المستخلصةَ من بعض النصوص والأحاديث المتعدّدة: أنّ الأئمّة لم يكونوا يَرَون الظهورَ بالسيف والانتصارَ المسلّح آنيّاً كافياً لإقامة دعائم الحكم الصالح على يد الإمام.
إنّ إقامة هذا الحكم وترسيخه لا يتوقّف في نظرهم على مجرَّد تهيئة حملة عسكريّة، بل يتوقّف قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً، ويعي أهدافه الكبيرة، ويدعم تخطيطه في مجال الحكم، ويحرس ما يحقّقه للاُمّة من مكاسب‏.
وكلّكم تعلمون قصّة ذلك الخراساني الذي جاء إلى الإمام الصادق يعرض عليه تبنّي حركة الثوّار الخراسانيّين، فأجّل جوابه، ثمّ أمره بدخول التنوّر، فرفض.
وجاءهارون المكّي‏، فأمره بذلك، فسارع إلى الامتثال، فالتفت الإمام إلى الخراساني، وسأله كم له من أمثال [هارون المكّي‏]؟ وكان هذا هو الردّ العملي من الإمام على اقتراح خراسان‏.
وعلى هذا الأساس، تسلّم أمير المؤمنين زمام الحكم في وقت توفّر فيه ذلك الجيش العقائدي الواعي، متمثّلاً في الصفوة من المهاجرين والأنصار والتابعين وأصحابه‏ .
9- رعاية الشيعة بوصفها الكتلة المؤمنة بالإمام‏ :
عرفنا أنّ الدور المشترك الذي كان الأئمّة يمارسونه في الحياة الإسلاميّة هو دور الوقوف في وجه المزيد من الانحراف، وإمساك المقياس عن التردّي إلى الصفر والهبوط إلى الهاوية. غير أنّ هذا -في الحقيقة- يعبّر عن بعض ملامح الدور المشترك.
وهناك جانبٌ آخر في هذا الدور المشترك لم نشر إليه حتّى الآن، وهو جانب الإشراف المباشر على الشيعة بوصفهم الجماعة المرتبطة بالإمام، والتخطيطِ لسلوكها، وحمايةِ وجودها، وتنميةِ وعيها، وإمدادِها بكلّ الأساليب التي تساعد على صمودها في خضمّ المحن، و[على‏] ارتفاعها إلى مستوى الحاجة الإسلاميّة، اي إلى جيش عقائدي وطليعة واعية.
ولدينا عددٌ كبيرٌ من الشواهد من حياة الأئمّة على أنّهم كانوا يباشرون نشاطاً واسعاً في مجال الإشراف على الكتلة المرتبطة بهم والمؤمنة بإمامتهم، حتّى إنّ الإشراف كان يصل أحياناً إلى درجة تنظيم أساليبَ لحلِّ الخلافات الشخصيّة بين أفراد الكتلة، ورصد الأموال لها، كما يحدّث بذلك المعلّى بن خنيس عن الإمام الصادق (عليه السلام).
وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نفهم عدداً من نصوص الأئمّة بوصفها تعليمَ أساليبَ للجماعة التي يشرفون على سلوكها، وقد تختلف الأساليب باختلاف ظروف الشيعة والملابسات التي يمرّون بها.
المصادر :
1- المسند (ابن حنبل) 118 :1؛ تاريخ مدينة دمشق 210 :42؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة 366 :3؛ البداية والنهاية 210:5؛ وانظر: الأمالي (المفيد): 26، الحديث 9.
2- كتاب سليم بن قيس: 788 - 789؛ الاحتجاج 296 :2. .
3- الكافي 349 :8، الحديث 548.
4- مناقب آل أبي طالب 161 :4؛ بحار الأنوار 132 :46 / تاريخ مدينة دمشق 54:332؛ تذكرة الخواص: 266.
5- المحاسن والمساوئ 342 :1؛ الأمالي (ابن سمعون) 61 :1؛ حياة الحيوان الكبرى 96 :1 - 97.
6- الأمالي (الصدوق): 146، الحديث 18؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 106 :1، الحديث 10.
7- كتاب الغيبة (الطوسي): 24؛ مناقب آل أبي طالب 290 :4. وانظر: تاريخ اليعقوبي 414 :2.
8- مناقب آل أبي طالب 424 :4، ولم يرد في المصدر اسم التلميذ.
9- «إنّ الناس كانوا يأتون عليّاً لسابقته وقرابته وفضله، لا أنّه أراد ذلك منهم» أنساب الأشراف‏551:5.
10- «أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم» الصواعق المحرقة 592 :2.
11- الكافي 359 :1، الحديث 17.
12- الأغاني 246 :21؛ تاريخ مدينة دمشق 400 :41؛ تذكرة الخواص: 296؛ تاريخ الإسلام 208 :8؛ البداية والنهاية 108 :9. وفي: الفتوح 72 :5 أنّه أنشأها في الإمام الحسين (عليه السلام)، .
13- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 160 :2، الحديث 24.

 



ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.