عضویت پارسی English
قال رسول الله صلّی‌الله‌علیه‌وآله: مَن رَدَّ عَن قَومٍ مِنَ المُسلِمینَ عادِیَةَ ماءٍ أونارٍ وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ. الکافی، ج۵، ص۵۵

عدد المشاهدات : 80

3 ربیع الثانی 1438

الدکتور طه حسين والصحابة

الدکتور طه حسين والصحابة

الدکتور طه حسين والصحابة

 





 

قال الدكتور طه حسين في كلمة قّيمة قرّظ فيها كتابنا «الأضواء » وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل : (1)
وقد فطن المحدّثون القدماء لهذا كلّه ، واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته عن كذب الكذابين ، وتكليف المتكلفين . وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلاً بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبّعون كل واحد من هؤلاء الرجال ، ويتحقون من أنه كان نقيّ السيرة صادق الإيمان بالله ورسوله . شديد الحرص على الصدق في حديثه كله ، وفي حديثه عن النبي خاصة ، وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث واخلصوا فيه ما وجدوا إلى الإخلاص سبيلاً . ولكن هذا الجهد على شدته ، وخصبه لم يكن كافياً ، فمن أعسر الأشياء وأشدها تعقيداً ، أن تتبع حياة الناس والبحث ، والفحص ، والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ، ودقائق أسرارهم ، وما تضمر قلوبهم في أعماقها ، وما يمنعون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم ، وفي سيرتهم أيضاً .
ولم يكن بد إلى أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر ، وهو درس النص نفسه . فقد يكون الرجل صادقاً مأموناً في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم ، ولكن الله وحده هو الذي اختص بعلم السرائر ، وما تخفيه القلوب ، وتستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم . ولكن سرائرهم مدخولة يخفى دخائلها على الناس ، فلا بد إذن من أن نتعمق في نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من العدول ، لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ، ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته ، لأنه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفراداً ، أو جماعات ، وإنما تناقلته أجيال الأمة الإسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها .
وهذه الأجيال لم تنقله بالذاكرة ، وإنما تناقلته مكتوباً ، كتب في أيام النبي نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر ، وسجل في المصاحف ، وأرسل إلى الأقاليم في خلافة عثمان ، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة ، والرواية المحفوظة في الذاكرة ، وتطابقت كلتا الروايتين دائماً ، فلا معنى للشك ، في نص من نصوص القرآن لأنها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك .
وإنا إذ نسوق ما سقناه من عرض الحقائق على وجهها ، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها ، لا نقصد وايم الله أن ننال أحداً بسوء من عندنا ، وإنما لنبين في غير حرج أمر الصحابة على حقيقته ، وأنهم أناس من الناس فيهم البر والآثم ، والصادق وغير الصادق ، وأنهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمعون بها كما يعيش الناس . ويستمتعون ، وهذا كلّه لا يضرّ الإسلام في شيء وإنَّ ضياءه ليشرق من كتابه العظيم على الناس إلى يوم الدين .
وقال العلاّمة الكبير السيّد هاشم معروف الحسني تحت عنوان : عدالة الصحابة :
وإلى جانب التصوف ، والإرجاء ، والجبر برز في مطلع العهد الأموي سلاح آخر لعلّ أثر على العقول ، والقلوب ، والأفكار ، ومساندة الحكم الأموي لا يقل عن آثار الأسلحة الثلاثة ، ذلك السلاح هو عدالة الصحابة .
لقد برزت هذه الفكرة في مطلع العهد الأموي بعد أن أكلت الحروب الكثير منهم ومات أكثر الباقين بآجالهم .
وكان من الطبيعي بعد ذلك التاريخ الذي تركه الأمويون الملوّث بالشرك والجرائم ، والذي كان ماثلاً لدى الجميع أن يحاولوا استبدال تلك الصورة الكريهة العالقة في الأذهان عنهم نتيجة لمواقعهم المعادية للإسلام حتى بعد أن دخلوا فيه مكرهين ، كان من الطبيعي أن يحاولوا استبدال تلك الصورة بصورة تتناسب مع مراكزهم التي تسنموها باسم الإسلام فوضعوا فكرة العدالة لجميع من عاصر الرسول من المسلمين حتى ولو لم يره ، أو يسمع منه شيئاً ، وتوسع بعضهم فيها وأثبتها لكل من ولد في عصر الرسول ، وما دام ابو هريرة ، وزملاؤه من الوضاعين في تصرّفهم ، فمن السهل عليهم أن يحصلوا على عشرات الأحاديث التي تدعمها .
وظلت فكرة العدالة لجميع الصحابة التي تتسع للامويين وعلى رأسهم أبوسفيان والحكم ، طريد رسول الله (صلی الله عليه وآله و سلم) ، تسير وتتفاعل حتى أصبحت وكأنّها من الضرورات عند السنة وحكامهم في عصر الصراع العقائدي ، لأنّها تخدم مصالحهم ومبادئهم التي اعتمدوها في سيرة الخلافة ، ومواقفهم المعادية لأهل البيت عليهم السلام . ولم يكن الصحابة أنفسهم يتصوّرون بأنّ الغلوّ بهم سينتهي إلى هذه النتيجة ، وتكون لهم تلك الهالة التي استخدمها معاوية لخدمة الجاهلية التي تجسدت في البيت الأموي ، ذلك البيت الذي ظل يحارب الإسلام منذ أن بزغ فجره وحتى اللحظات الأخيرة من حكمهم .
عدالة الصحابة
وتعني عدالة الصحابة فيما تعنيه ، أن كلّ من عاصر الرسول ، أو ولد في عصره لا يجوز عليه الكذب والتزوير ، ولا يجوز تجريحه ، ولو قتل آلاف الأبرياء ، وفعل جميع المنكرات ، وعلى أساس ذلك فجميع الطبقة الأولى من الأمويين كأبي سفيان وأولاده ، وعثمان بن عفان وحاشيته ، وجميع المروانيّين بما فيهم طريد رسول الله الوزغ وأولاده الأوزاغ ، والمغيرة بن شعبة ، وسمرة بن جندب وزياد بن سميّة ، وعمرو ابن العاص ، وولده عبدالله الذي كان في حدود العاشرة من عمره حين وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، ومع ذلك فقد نسبوا إليه مجموعة من الأحاديث كتبها على النبي في صحيفة يسمونها الصادقة ، فجميع هؤلاء الذين هم من أشدّ الناس عداوة للإسلام ، ولله ورسوله من العدول ، ومرويّاتهم من نوع الصحاح حتى ولو كانت في تجريح عليّ وأهل البيت وفي التقريظ ، والتقديس لعبد الرحمن بن ملجم .
وكل ما رووه وما لفقوه في فضل الصحابة الأوائل ، وفضل الأمويين ، ومعاوية ، والشام ، وما إلى ذلك من آلاف الرويات التي كانت تنتجها مصانع أبي هريرة من عشرات الرواة الذين استعملهم معاوية للدّس ، والكذب ، وتشويه الإسلام .
هذه المرويات يجب قبولها ، ولا يجوز ردّها لأنّ رواتها من العدول ، والعادل لا يعتمد الكذب ، والذين اتبعوا معاوية وسايروه طيلة ثلاثين عاماً من حكمه ، هؤلاء كانوا على الحق والهدى ، وحتى الّذين سمّوا الحسن بن علي ، وقتلوا الحسين ، وأصحابه وفعلوا ما فعلوا من الجرائم في الكوفة وغيرها ، كانوا محقّين أيضاً ، ومن المهتدين ، لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال على حدّ زعمهم :
أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم (2) ، ومن هو أولى بالاقتداء به من معاوية الذي كان الوحي كلما نزل على النبي يتفقده ويسلّم عليه ، ويوصي به ، كما تدعيه مرويّات تلك الطغمة من أنصاره إلى كثير من أمثال هذه الأحاديث التي أفرزتها مصانع أبي هريرة ، وابن العاص ، وابن جندب ، وكعب الأحبار وغيرهم ، في معاوية ، وبني أمية ، ومن سبقهم من الخلفاء وغير ذلك ، واختلطت بين الصحيح من حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم .
ولولا المخلصون من أهل البيت ، وشيعتهم ، وقليل غيرهم من بقية المحدّثين ، لفقدت السنة أبرز سماتها ، وانطمست معالمها ، وكنوزها ، بسب ما أدخلوه عليها من ألتحريف والبدع ، والمفتريات .
لقد كان الصحابة يفسق بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضاً ، واتفق أكثرهم على ضلال (3) عثمان وحاشيته ، وأنصاره ، واستحلال دمه .
وكان طلحة ، والزبير ، وعائشة ، من أكثر الناس تحريضاً عليه ، وبلغ الحال بعائشة أن كفرته ، واستعارت له اسماً ليهودي كان من أقذر أهل المدينة ، يسمونه نعثلاً ، وقالت أكثر من مرة .
« اقتلوا نعثلاً فقد كفر » ، وأخذت بيدها قميصاً كان لرسول الله (صلی الله عليه وآله و سلم) وقالت :
« هذا قميص رسول الله لم يبل ، وقد أبلى عثمان سنته ! » .
وبعد مصرع عثمان على يد المهاجرين والأنصار تحريضاً ومباشرة من الوفود التي زحفت من مختلف الأمصار ، اتجهت تلك الوفود الزاحفة من مختلف الجهات ، وجميع المهاجرين والأنصار إلى علي عليه السلام ، وانضمت تحت لوائه ، وأكثر المهاجرين وجدوا أنهم قد حققوا بهذه البيعة وصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، وأعزّ أمانيه ، وإن جاءت متأخرة عن وقتها ، وراحوا ينتظرون فجراً جديداً مشرقاً بتعاليم الإسلام ومبادئه ، وعدالته .
واتجه الفريق الذي اشترك في قتل عثمان ، وكان من أشد الناس تحريضاً عليه من الصحابة ، إلى حرب الخليفة الشرعي الذّي تمّت خلافته بالإجماع والاختيار ، وبكل الشروط التي وضعوها للخلافة في عصر الصراع العقائدي الذي وضعوا فيه الشروط للخلافة الإسلامية لتصحيح خلافة الذين تقمصوها بعد وفاة الرسول عليه السلام .
وبعد أن بذل لهم إمام الهدى جميع الوسائل ليرجعوا عن غيّهم
وضلالهم ، فلم يسمعوا له قولاً ، ولا رعوا له وللأبرياء حرمة . وكانت المعركة لغير صالحهم كما هو المعلوم من حالها ، واتّجه بعدهم معاوية لحربه في أهل الشام ، ومعه فريق ممّن يسمونهم الصحابة حسب التحديدات التي وضعوها للصحبة ، لتسقطب أولئك المأجورين ، الذين كانوا يسيرون في ركابهم ، ويتمرّغون على أعتابهم ، لقاء مبالغ من أموال الأمة ، وضعها ابن هند في تصرّفهم ، ليضعوا له الحديث في انتقاص عليّ وذويه (عليهم السلام) ، وفضل الأمويين والسائرين في ركابهم ، وكانت مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله تننج لهم ما يشاؤون ، ويشتهون من مختلف الألوان ، ولعلّ أبا هريره ، وابن جندب ، وكعب الأحبار كانوا من أبرز المقرّبين لمعاوية في صنع الحديث من بين من أسموهم بالصحابة .
وجاءت الطبقة الثانية وعلى رأسها عروة بن الزبير ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وغيرهم من عشرات الرواة ، والمحدّثين الذين اعتمدوا مصانع الطبقة الأولى ، ومضوا على نفس الطريق الذي يخدم مصالح أصحاب القصور وأهدافهم ، متسترين بقداسة الصحابة وعدالتهم ، وبما أنتجته مصانع أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وسمرة بن جندب ، وابن العاص ، وولده عبدالله الذي اشتملت مرويّاته عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ، وهو يوم وفاته لم يتجاوز سن الطفولة ، فيما اشتملت عليه ، صحيفة عرفت في أوساطهم بالصحيفة الصادقة ، كما ذكرنا .
وظلت تلك الأحاديث إلى جانب المرويّات الصحيحة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ، من أشدّ الأسلحة فتكاً بيد الحاكمين أعداء الإسلام الذين تستروا به ، ليطعنوه من الداخل بتلك الأسلحة التي وفرها لهم عدول الصحابة ! وفي الوقت ذاته لإضفاء الشرعية على حكمهم الذي استمرّ قرابة قرن من الزمن .
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكبار المحدّثين وأعلامهم كما جاء في شرح النهج للمعتزلي :
« إن أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أميّة تقرباً إليهم بما يظّنون أنهم يرغمون أنوف بني هاشم » .
ومع أن تلك الأحاديث قد صنعها الوضاعون لمصلحة المروانيين والعثمانيين ، وأبي سفيان ، وولده معاوية ، وأنصاره ، فقد صاغوها بأسلوب يجعل من كل صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض ، وتصب اللعنات على كل من سب أحداً منهم ، أو اتهمه بسوء كما جاء فيما رووه عن أنس بن مالك أن النبي (صلی الله عليه وآله و سلم) قال : « من سبّ أحداً من أصحابي فعليه لعنة الله والملائكمة والناس أجمعين !! » .
ومن عابهم ، أو انتقصهم فلا تؤاكلوه ، ولا تشاربوه ، ولا تصلوا عليه (4) .
مع أنها جاءت بهذا الأسلوب ، ولم تفرّق بين صحابي ، وصحابي ، فقد فرض معاوية سب عليّ عليه السلام ، وانتقاصه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكمه بما في ذلك الكوفة ، وجهاتها التي تجرّعت كل أنواع الأذى ، والظلم لكثرة الموالين فيها لعليّ وولده عليهم السلام الذين تعرّضوا للقتل والحبس ، والتشريد ، وكان يقول في جواب ناصحيه من أنصاره ، الذين كانوا يرون أن هذا الأسلوب من السياسة الخرقاء ، يخدم عليّاً وشيعته أكثر ممّا يسيء إليهم :
‎« والله لا أدع سبه وشتمه حتى يهرم عليه الكبير ، ويشب عليه الصغير ! » .
وقد بذل للصحابي أبي سمرة بن جندب خمسمئة ألف درهم ليروي له عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن الأية :
( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث ، والنسل والله لا يحب الفساد ) (5) نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . !!
وأن الآية :( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) (6) نزلت في عبد الرحمن بن ملجم لأنه قتل عليّاً عليه السلام ، إلى غير ذلك من الموضوعات التي كان يبذل لصانعيها بسخاء لا حدود له ، مع أنه فعل ذلك بإجماع المؤرخين فقد بقى من عدول الصحابة كما بقيت منتجات مصانع الوضاعين ، ممّن كانوا يتمرّغون على أعتاب قصر الحمراء ، وغيره من قصور الحاكمين ، التي كانت تعجّ بالفساد ، والظلم ، والمنكرات ، إلى جانب غيرها من مرويّات الثقاة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن صحاحها لأنها من صنع الصحابة ، والصحابة كلّهم من العدول ، ومن سبّهم أو انتقصهم فعليه لعنة الله ، ولم يستثن منهم سوى عليّ عليه السلام ، ومن وقف إلى جانبه من صحابة الرّسول الأوفياء لرسالة الإسلام وتعاليمه ، فهؤلاء بنظر معاوية وزبانيته ، كانوا يسعون في الأرض ليفسدوا فيها ، ويهلكوا الحرث ، والنّسل والله لا يحب الفساد !! لقد بقيت إلى جانب غيرها من مرويّات عدول الصحابة مرجعاً للجمهور في التشريع وغيره على اختلاف مذاهبهم ، ونزعاتهم الفقهيّة ،
وعلى أساس ذلك غلب عليهم اسم السنة في مقابل الشيعة الذين رجعوا إلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وإلى مارواه ثقاة الصحابة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالإضافة إلى كتاب الله في جميع ما جاء به الإسلام من أصول وفروع ، وتشريعات ، ولم يعرف الجمهور بهذا الوصف قبل أواخر القرن الأول ، وبهذا الاعتبار يمكن اعتبار التسنن من الأحداث الطارئة ، وبخاصة عندما نلاحظ أن مفهوم السنة خلال تلك الفترة من تاريخ المسلمين قد أصبح أوسع ممّا كان عليه في عهد الصحابة ، والطبقة الأولى من التابعين ، فبعد أن كان عند أوائلهم لا يتجاوز أقوال الرسول ، وأفعاله وكانوا يلاحقون الراوي للتأكد من صدقه وبعضهم يستحلفه ، ويتجنب أكثرهم مرويات أبي هريرة ، وكعب الأحبار ، وأمثالهما ممّن كانوا لا يتورعون الكذب ، والافتراء ، على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم بالرّغم من أن درة ابن الخطاب كانت لهم بالمرصاد .
فبعد أن كانت لا تتعدى أقوال الرسول ، وأفعاله عند متقدّمي الصحابة ، أصبحت في العصور التي تعدّدت فيها المذاهب ، وتوزعت في العواصم ، وبقية الأقطار بنظر العلماء ، وأئمة المذاهب تتسع لرأي الصحابي ، وفتواه إذا لم يجدوا نصّاً على حكم الواقعة في كتاب الله ، وسنة الرسول ، وأصبحت آراء الصحابة في أحكام الحوادث التي كانت تعرض عليهم المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد كتاب الله ، وسنة رسوله ، ولعلّ أئمة المذهب الثلاثة وعلماءهم الأحناف والمالكية ، والحنابلة ، أكثر تعصّباً لآراء الصحابة ، واجتهاداتهم من الشوافع كما يبدو ذلك من تصريحاتهم ، ومجاميعهم الفقهية ، ومع أن أبا حنيفة كان متحمساً للقياس ، ويراه من أفضل المصادر بعد كتاب الله ، كان يقدم رأي الصحابة عليه إذا تعارضا في مورد من الموارد (7) .
وجاء عنه انه كان يقول :
أن لم أجد في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله ، أخذت بقول أصحابه ، فإن اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت ، وأدع من شئت ، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم من التابعين (8) .
وجاء في ( اعلام الموقعين ) لابن القيم :
إن أصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة : الأول : النص ، الثاني : فتوى الصحابة وإن الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى تخصيص الكتاب بعمل الصحابي ، لأن الصحابي العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب إلاّ لدليل ، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب ، دليلاً على التخصيص ، وقوله بمنزلة عمله (9) .
وما أبعد ما بين هؤلاء ، وبين القائلين بعدم جواز الاعتماد على السنة في مقام التشريع إلاّ إذا تأيّدت بآية من القرآن لأن فيه تبيان كل شيء ، وقد نزل بلغة العرب ، وبأسلوب يفهمه كل عربي ، وذلك لأن السنة رواها عن الرسول جماعة يجوز عليهم الخطأ ، والكذب ، وكانوا لا يقبلون مرويات بعضهم أحياناً ، ويعمل كلّ منهم بما يوحيه إليه اجتهاده ، وقد تراشقوا بأسوأ التهم ، واستحل بعضهم دماء البعض الآخر (10) .
ومهما كان الحال فأقوال الصحابة ، وآراؤهم ، واجتهاداتهم كانت من أبرز أصول التشريع عند الجمهور بعد كتاب الله . وفي الوقت ذاته يخصّصون بها عموماته ويقيدون بها مطلقاته ، وكأنها من وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ومن المعلوم أن هذا الغلو في تقديس الصحابة الذي لا يختلف عن العصمة في شيء ، ويتسع للمنافقين منهم وحتّى للمشركين ممن أرغموا على التظاهر بالإسلام كأبي سفيان ، وولده معاوية ، والمروانيين وغيرهم ممن كانوا يكيدون للإسلام ويعملون لإحياء مظاهر الجاهلية التي حاربوا من أجلها نحواً من عشرين عاما أو تزيد .
هذا الغلّو في تقديس الصحابة قد تحوّل في الفترة التي ظهرت فيها المذاهب الفقهّية لمحاربة التشيع لأئمة أهل البيت في فقههم ، وأصولهم وجميع تعاليمهم التي تجسد الإسلام في جميع مراحله وفصوله كما ورثوه عن جدّهم أمير المؤمنين عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الذي سماه باب مدينة العلم في حديث رواه محدّثوا السنة في صحاحهم جاء فيه انه قال :
« أنا مدينة العلم وعليّ بابها ألا ومن أراد المدينه فليأت الباب » .
وكان الأئمة عليهم السلام يقولون :
« إنّا إذا حدّثنا لا نحدث إلاّ بما يوافق كتاب الله ، وكل حديث ينسب إلينا لا يوافق كتاب الله ، فاطرحوه » ، كما كان الإمام الصادق يقول :
« حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث رسول الله ، وحديث رسول الله قول الله » .
لم يكتف الحاكمون ، وأئمة المذاهب الذين كانوا يسيرون في ركابهم ويباركون جميع تصرفاتهم بثوب العدالة الذي ألبسوه حتى لمنافقي الصحابة ومشركيهم حتى جعلوا لأقوالهم ، واجتهاداتهم ، نفس القداسة التي جعلها الله لأقوال رسوله وأحاديثه لا لشيء إلاّ لأنّ الشيعة يقدّسون أقوال الأئمة من حيث إنها تجسد أقوال الرسول ، وما جاء به من عند الله ، ويقفون عندها كما يقفون عند المرويات الصحيحة عن الرسول ، وإذا لم يجد أهل السنة للصحابة قولاً ، أو رأياً فيما يعرض لهم من الحوادث يرجعون إلى القياس ، والاستحسان ، والاستصلاح ، والمصالح المرسلة ،
وقد أنهى الأستاذ عبد الوهاب الخلاف في كتابه : مصادر التشريع وأدلّة الأحكام عند فقهاء السنة الأوائل ، إلى تسعة عشر دليلاً وعدّ منها بالإضافة إلى ما ذكرناه الأخذ بالأخف ، وسد الذرائع ، والعوائد وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ، أو سنة ، ولا يعتمد على غير الاجتهاد المبني على الحدس ، والظن ، اللذين لا يغنيان عن الحق شيئاً ، ولم يرجعوا إلى الإمامين : الباقر ، والصادق اللذين أسسا مدرسة الفقه ، والفلسفة ، واجتمع إليها أكثر من أربعة آلاف طالب من مختلف الأقطار ، وكان التشريع الإسلامي من أبرز ما انتجته تلك الجامعة التي غلب عليها الطابع الروحي ولم يستطع الحكام أن يتدخلوا في شيء من شؤونها ، وانهم لم ينقلوا مرويّات الشيعة عن الرسول وغيره ، ويشترطون في الراوي أن لا يكون شيعياً ، وعند أكثرهم يشترط فيه بالإضافة إلى ذلك أن لا يكون متهماً بالتشيع ، لأن التشيع والوثاقة لا يجتمعان !!
ولمّا وثق يحيى بن معين سعيداً بن خالد البجلي ، قيل له إن سعيداً يدين بالتشيع فقال عند ذلك : وشيعّي ثقة ! مستغرباً أن تجتمع هاتان الصفتان في واحد من البشر ، ولم يستغرب عدالة معاوية ، والحكم طريد رسول الله ، وأبناء الأوزاغ ، وسمرة بن جندب ، وأمثاله من المنافقين ، والمشركين لأنهم من الصحابة ، والصحابة كالنجوم بأيهم اقتدى الإنسان يهتدي كما نسب الوضاعون إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا .
في حين ان الشيعة يأخذون برواية الراوي إذا كان ثقة ، ومستقيماً في دينه مهما كان مذهبه ، ولا يشترطون في الراوي أكثر من ذلك كما
تؤكد ذلك مجاميعهم التي وضعوها في أحوال الرواية ، والرواة (11) .
من غرائب كتاب مسلم !
وقال المرحوم الشيخ محمود أبو ريه طاب ثراه تحت هذا العنوان : لكي يدرأوا التهم عن بعض الصحابة الذين فتنتهم الدنيا أوردوا حديثاً يقول :
« أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » .
وهذا الحديث لا أصل له ، ولهذا الحديث قصة جرت بيني وبين الناصبي (12) محب الدين الخطيب فإنه عندما ظهر كتابي : « الأضواء » واطلع فيه على فصل عدالة الصحابة قابلني غاضباً وقال :
كيف تذكر ذلك بعد أن قال فيهم النبي صلّى الله عليه وسلم : « أصحابي كالنجوم ـ الحديث » .
فقلت له : إنك قد اوردت هذا الحديث في تعليقاتك على كتاب « المنتقى » للذهبي ص 71 على أنه صحيح وقد طعنوا فيه ومن كبار الطاعنين ابن تيميّة فاشتد غضبه وقال :
في أي موضع هذا الطعن ؟ فقلت له : في نفس كتابك « المنتقى » ! فكاد يتميّز من الغيظ وقال :
في أي صفحة ، قلت له : في صفحة 551 وفيها يقول ابن تيميّه : « وحديث أصحابي كالنجوم » ضعّفه أئمة الحديث فلا حجة فيه » .
وما كاد يقرأ هذا الكلام الذي أثبته هو بنفسه في كتاب حقّقه ونشره بين الناس ، حتّى بهت واصفر وجهه . وقد قلت له قبل أن أغادر مجلسه : إن كتاب « المنتقى » هذا سيسجل عليك هذا الجهل ، وهذه الوصمة إلى يوم القيامة !!
وبمناسبة التشيع لمعاوية ، والتقرب إليه برواية أحاديث مكذوبة على النبي صلّى الله عليه وسلم ، ترفع من شأنه ، نسوق إليك حديثاً رواه مسلم في صحيحه !! معناه :
إن أبا سفيان بن حرب طلب من النبي صلّى الله عليه وسلم أن يزوجه ابنته أم حبيبة ، وأن يجعل معاوية كاتباً بين يديه إلخ الحديث ، وقد ذكر أئمة الحديث :
أن هذا الحديث باطل بالإجماع لأن أبا سفيان قد دخل في الإسلام يوم فتح مكة بالإجماع .
أما ابنته أم حبيبة واسمها : رملة ، قد أسلمت قبل الهجرة ، وحسن إسلامها ، وكانت ممن هاجر إلي الحبشة هرباً من أبيها ، وقد تزوّجها رسول الله وأبوها كافر ، ولمّا بلغه هذا الزواج قال كلمته المشهورة :
« ذلك الفحل لا يجدع أنفه » ص 16 من تفسير سورة الإخلاص لشيخ الحنابلة ابن تيمّية ، والذي يلقب عند الجمهور بشيخ الإسلام (13) .
المصادر:
1- نشرت هذه الكلمة في جريدة الجمهورية المصرية الصادرة في 25 نوفمبر 1958 م .
2- طعن في هذا الحديث أبن تيمية وقال : ضعّفه أئمة الحديث فلا حجة فيه .
3- في رأي الدكتور طه حسين أن عثمان كان يقاد كالثور . انظر : مع رجال الفكر في القاهرة الحلقة الأولى ص 198 طبع القاهرة .
4- انظر : ص 238 من كتاب الكبائر للحافظ الذهبي .
5- سورة البقرة : الآيتان 204 ـ 205 .
6- سورة البقرة : الآية 207 .
7- المستصفى للغزالي ص 135ـ 136 .
8- أنظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص 304 . والإمام زيد له أيضاً ص 418 .
9- المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217 .
10- أنظر : تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد يوسف موسى عن كتاب الأم للشافعي ص 228 .
11- الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ ص 141 ـ 150ط بيروت .
12- النواصب قوم يتدينون ببغضة عليّ عليه السلام . لسان العرب ( مادة نصب ) ( الناصب وهو الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت أو لمواليهم لأجل متابعتهم لهم ، وفي القاموس : النواصب ، والناصبة ، وأهل النصب المتدينون ببغض علي (عليه السلام) لأنهم نصبوا له ، أي : عادوه ) مجمع البحرين ومطلع النيرين للطريحي 2 / 173 .
13- شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ص 200 الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر عام 1969 م .

 

الكلمات الرئيسية :

السنة

,

الصحابة

,

الصدق

,

الايمان

اضف التعليق