نظرة الاسلام الی الطبيب

 





 

اذا اتضح لدينا حقيقة نظرة الاسلام الى المريض ، ومكانته عند الله ، وما اعد الله له ، كما يتضح ذلك بالمراجعة الى الروايات الكثيرة جداً ، ولا مجال لعدها وحصرها ... اذا اتضح لدينا ايضا حقيقة المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب تجاه المريض ، وواجباته تجاهه ، عند ذلک نستطيع ان نعرف اهمية الطبيب ومسوؤليته الخطيره تجاه اخيه الانسان .
ونستطيع ان نجمل هنا مواصفات طالب العلم الطبي بكلمة واحدة ، وهي ان يتحلى بجميع مواصفات الانسان المسلم ، الذي يمثل الاسلام وعيا وعمقا ، وخلقا ، وسلوكا ، ويعيش اهداف الاسلام ، وتعاليمه ، وقيمه ، بكل جهات وجوده ، ومختلف شؤون حياته.
وقد ذكر القدماء بعض المواصفات لطالب العلم الطبي ، لا نرى بأسا بالاشارة اليها هنا ، ما دامت توافق مقتضيات الفطرة السليمة ، والاسلام دين الفطرة وان كان في بعضها بعض الهنات.
فقد نسبوا الى ابقراط الوصية المعروفة بترتيب الطب ، ويقول فيها :
« ينبغي ان يكون المتعلم للطب في جنسه حراً وفي طبعه جيدا ،
حديث السن ، معتدل القامة ، متناسب الاعضاء ، جيد الفهم ، حسن الحديث ، صحيح الرأي عند المشورة ، عفيفاً ، شجاعا ، غير محب للفضة ، مالكا لنفسه عند الغضب ، ولا يكون تاركا له في الغاية ، ولا يكون بليداً.
وينبغي ان يكون مشاركا للعليل ، مشفقا عليه ، حافظا للاسرار ، لان كثيرا من المرضى يوقفونا على امراض بهم لا يحبون ان يقف عليها غيرهم.
وينبغي ان يكون محتملا للشتيمة ، لان قوما من المبرسمين (البرسام : علة يهذى فيها المريض.) ، واصحاب الوسواس السوداوي يقابلونا بذلك ، وينبغي لنا ان نحتملهم عليه ، ونعلم : انه ليس منهم ، وان السبب فيه المرض الخارج عن الطبيعة.
وينبغي ان يكون حلق رأسه معتدلا مستويا ، لا يحلقه ، ولا يدعه كالجمة ، ولا يستقصى قص اظافير يديه (لقد ورد في بعض الروايات ان المرأة لا تستقصى قص اظافير يديها ، ولم نجد مثل ذلك بالنسبة للطبيب ... فيبقى استحباب قص اظافيره على النحو الكامل بلا معارض ... الا اذا كانت طبيعة عمله تستدعي ذلك.) ، ولا يتركها تعلو على اطراف اصابعه.
وينبغي ان تكون ثيابه بيضاء نقية ، ولا يكون في مشيه مستعجلا ، لان ذلك دليل على الطيش ، ولا متباطئا ، لانه يدل على فتور النفس.
واذا دعى الى المريض ، فليقعد متربعا ، وليختبر منه حاله بسكون وتأن لا بقلق واضطراب ... الخ (1). »
وفي كتاب : « كامل الصناعة الطبية الملكي » لعلي بن العباس في الباب الثاني ، المقالة الاولى ، مجموعة وصايا جيدة في هذا المجال ، وبعضها منسوب الى ابقراط ايضا ، كما يظهر لمن راجع كتاب ابن ابي اصيبعة ، ويمكن ان يفهم منها اضافة لما سبق :
ان على طالب العلم الطبي : ان يطيع اوامر الله تعالى ، ويحترم اساتذته ويكون في خدمتهم ، ويعتبرهم بمنزلة والديه ، ويحسن اليهم ، ويشركهم في امواله.
كما ان عليه ان يعتبر ابن معلمه اخا له ، ويعلمه هذه الصناعة بلا اجرة ، ولا شرط ، ويشرك اولاده واولاد معلمه في العلوم والوصايا ، وكذلك سائر التلاميذ الذين يستحقون تعلم هذه الصناعة ، دون غيرهم ممن لا يستحق ذلك.
وبعد ان ذكر امورا اخرى ، من جملتها لزوم حفظ المطالب ، وعدم الاعتماد على الكتاب ، ذكر : ان عليه ان يتعلم مطالب هذا العلم في ايام صباه ، لان ذلك اسهل عليه من ايام الشيخوخة ... وعلى طالب هذا العلم ان يبقى في المستشفيات في خدمة اساتذته العلماء ، والحذاق في هذه الصناعة ، فيمارس العمل في هذا المجال ، ويشرف على المرضى وعلى احوالهم ، ويستفيد من صحبة الاساتذة ، وخدمة المرضى ما يرتبط بأحوال وعوارض الامراض ، حسناً وسوءاً ، ويطبق ما قرأه عملياً ... الخ (2).

الطالب ... والتجارب الطبية :

وعدا عما تقدم ... فاننا نجد : ان الشارع لم يقبل من طالب العلم الطبي : ان يجعل نفسه حقل تجارب ، ولا سيما في الموارد التي يحتمل فيها الضرر احتمالا معتدا به ، فعن الصادق عليه‌السلام : « ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم ان يقدم عليها : شرب السم للتجربة ، وان نجا منه ، وافشاء السر الخ ... » (3).
وفي حديث آخر عن الامام الباقر عليه‌السلام : « لا تذوقن بقلة ، ولا تشمها حتى تعلم ما هي ، ولا تشرب من سقاء حتى تعلم ما فيه » (4).

الاستفادة من خبرات غير المسلمين

وبعد ... فان الحكمة ضالة المؤمن ، اينما وجدها اخذها ... فلماذا اذن يمنع من الاستفادة والتعلم من غير المسلمين : من اليهود والنصارى ، وغيرهم؟ ... اذا كانت لديهم خبرات يمكن الاستفادة منها ، واذا اقتصروا على ذلك ، ولم يتعدوه الى محاولة الدعوة الى عقائدهم ومذاهبهم ، واذا لم يستلزم ذلك اي نحو من انحاء النفوذ او التدخل في الشؤون الخاصة بالمسلمين؟ ... وقد جاء عنهم عليهم‌السلام بالنسبة لبني فضال : خذوا مارووا ، ودعوا مارأوا ... وورد :
ان « الحكمة ضالة المؤمن ؛ فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا احق بها واهلها » وفي معناه غيره (5).
بل لقد رأينا الرسول الاكرم (صلی الله عليه وآله وسلم)‌وسلم : قد امر اسرى المشركين في بدر ، الذين لايجدون ما يفدون به انفسهم : ان يعلم الواحد منهم عشرة من اطفال المسلمين القراءة والكتابة ، ويطلق (صلی الله عليه وآله وسلم) سراحهم في مقابل ذلك ... (6)
ولسنا بحاجة الى التعليق على هذه القضية ، فانها بنفسها تعبر عن نفسها ، ومن اراد الاطلاع على بعض ما يمكن ان يقال في ذلك (7)
*القسم الاسلامي للطبيب :
وبعد ان يتخرج ذلك التلميذ ، ويصير طبيباً حاذقاً ، فاننا نتصور شخصا : ان من الراجح ان يقسم اليمين التالي ، قبل ان يعطى اجازة للعمل في هذا المجال :
بسم الله الرحمن الرحيم :
والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، واللعنة على اعدائهم اجمعين ، الى قيام يوم الدين ..
اقسم بالله العلي العظيم ، وبكل مقدساتي ، وبكل الكتب السماوية : ان ابذل جهدي وطاقتي في معالجة المرضى ، ولا افرق بين غنيهم وفقيرهم ، ولا اغش ، ولا اتساهل في ذلك ، وان اعاملهم بالاخلاق الاسلامية والانسانية الفاضلة ، وان التزم بالاحكام الشرعية في عملي هذا. وان اعتبر ذلك امانة في عنقي ، يسألني الله عنها يوم القاه ، وان اعمل على اداء هذه الامانة على اكمل وجه.
واشهد الله تعالى على ذلك ، والله خير الشاهدين ..
المصادر :
1- عيون الانباء ص ٤٦ / ٤٧.
2- تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٦ ـ ٤٥٨ بتصرف وعيون الانباء ص ٤٥ قسم ابقراط ، وطبقات الاطباء والحكماء لابن جلجل ص ٧٣ ، الترجمة الفارسية ، في الهامش عن منتخب صوان الحكمة ص ٨٢.
3- البحار ج ٧٨ ص ١٨٩ وج ٩٩ ص ١٢٣ عن اعلام الدين ، ومستدرك الوسائل ج ٢ ص ٤٥ وغرر الحكم ج ١ ص ٤٦٥.
4- تحف العقول ص ٢٣٧ والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٥ و ١٨٩ عنه وعن اعلام الدين.
5- امالي الطوسي ج ٢ ص ٢٣٨ وتحف العقول ص ١٣٨ و ٢٩٢ وغرر الحكم ج ١ ص ٣٩٤ والبحار ج ٧٨ ص ٣٤ و ٣٨. و ٣٠٧ و ج ٢ ص ١٧ و ٩٦ و ٩٧ وصفحات اخرى منه ؛ وراجع : التراتيب الادارية ج ٢ ص ٣٤٨ وقصار الجمل ج ١ ص ١٥٩.
6- مسند احمد بن حنبل ج ١ ص ٢٤٧ وتاريخ الخميس ج ١ ص ٣٩٥ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ١٩٣ والروض الانف ج ٣ ص ٨٤ وطبقات ابن سعد ج ٢ قسم ١ ص ١٤ والتراتيب الادارية ج ٢ ص ٣٤٨ وج ١ ص ٤٨ / ٤٩ عن السهيلي ، وعن المطالع النصرية في الاصول الخطية لابي الوفا نصر الدين الهوريني ، وكتابنا : الصحيح من سيرة النبي ج ٣ ص ٢٥٧ عمن تقدم وعن الامتاع ص ١٠١ وعن المقريزي ..
7- الصحيح من سيرة النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ج ٢ ص ٢٥٧ / ٢٥٨.