الشيعة في العهد العباسي



 


استغل بنو العباس سخط الرعية على بني أمية ، ومعارضة الشيعة لحكمهم وتعلق الناس بالعلويين ، وأظهروا أن غايتهم الأولى إسقاط الأمويين ، وإراحة الناس من ظلمهم ، ثم يختارون من تتفق عليه الكلمة من آل بيت الرسول ، فالعباسيون لم يقدموا في بدء الأمر أشخاصا منهم ولا من غيرهم ، وإنما قدموا المبدأ الذي يدافعون عنه ، وهو «الرضا من آل محمد» ، وكانوا يتذرعون بثأر الحسين وزيد وولده يحيى! وهذه نبذة من أخبارهم :
أبو العباس السفاح : كان من المتوقع أن يحابي السفاح أبناء علي وشيعتهم ، ويقربهم ويفضلهم على الناس أجمعين ، لأنهم كانوا والعباسيين حلفاء وحزبا واحدا ضد الأمويين ، وكان العباسيون يموهون على الناس بأنهم يدعون إلى أبناء علي ، لأنهم أقرب إلى القلوب من العباسيين وأعظم شأنا ومنزلة عند المسلمين ، ولكن بني العباس غيروا سياستهم بعد أن أصبحت السيادة في أيديهم ، فتنكروا للعلويين وشيعتهم ، وأوعزوا إلى الشعراء أن يعرضوا بأولاد علي ، وينفوا عنهم حق الخلافة.
لكن هذه الفترة ، من اُخريات الأمويين ، وأوليات العباسيين كانت فرصة مواتية للإمام محمد الباقر ، وولده الإمام جعفر الصادق عليهما‌السلام إلى بث علوم أهل البيت ، ونشرها على الناس ، وكان من أثرهما هذه الأحاديث التي أغنت المكتبة العربية في شتى العلوم بخاصة التشريع والفلسفة والتفسير والأخلاق. المنصور : قال المؤرخون : كان أخوه «أبو العباس السفاح» أول خلفاء البيت العباسي ، ولكن المنصور يعد في الواقع المؤسس الحقيقي لتلك الدولة ، ومشيد مجدها ، وإليه يعزى تمكين الأسرة العباسية من الحكم الذي زاولته طوال هذه المدة ، والنفوذ الذي تمتعت به. واتفق المؤرخون على أن أخلاقه كانت مزيجا من الخير والشر ، وانه كان ملما بطبائع الناس.
قال السيوطي : قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه ، وهو الذي ضرب أباحنيفة على القضاء ، ثم سجنه فمات بعد أيام ، وقيل : إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه ، وكان فصيحا بليغا مفوّها خليقا للإمارة ، وكان غاية في الحرص والبخل ، فلقب «أبا الدوانيق» لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات (١).
وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين ، وكانوا قبل شيئا واحدا. وفي عهده كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبداللّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون (2).
ولقسوته واسرافه في الدماء ابتعد عنه الكثير من كبار أئمة وعلماء المسلمين ، ومن الذين ابتعدوا عن المنصور الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام على الرغم من جميع المحاولات التي بذلها لاقناعه ، ومنها كتابه الذي أرسله إلى الإمام ، وقال له فيه لم لاتغشانا كما يغشانا الناس؟ وجواب الإمام له : «ليس لدينا من الدنيا ما نخافك عليه ، ولا من الآخرة ما نرجوك به» (3).
المنصور والعلويون : كان البيت العباسي بين جهل وخمول بعد عبداللّه ابن عباس ولولا انتسابهم إلى عم الرسول لم يرد لأحد منهم ذكر في التاريخ؛
اما البيت العلوي فكان في جميع الادوار بيت العلم والدين ، ومهوى أفئدة المسلمين ، فمن علي أمير المؤمنين إلى ولديه الحسنين ، ومنهما إلى الإمام زين العابدين ومنه إلى الصادقين : محمد الباقر وجعفر الصادق الخ ، وكان العباسيون يعتزون بقرابتهم من علي بن أبي طالب وابنائه ، كاعتزازهم بالنبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانوا يحضرون مجالس ابناء علي متأدبين متعلمين ، وكان إذا ركب محمد بن عبداللّه بن الحسن يأخذ المنصور بركابه ، ويسوي ثيابه على السرج.
وحين اضطربت أمور بني أمية اجتمع بنو الحسن وبنو العباس ، وعقدوا البيعة لمحمد (النفس الزكية) بن عبداللّه بن الحسن ، وكان فيمن بايعه إبراهيم والسفاح والمنصور ، وكان المنصور أشدهم حماسا لهذه البيعة ، وأرسل المجتمعون إلى الإمام جعفر الصادق ، فلما حضر رغبوا إليه في أن يبايع محمدا ، فقال : إن هذا الأمر لايتم إلاّ لهذا ، وضرب على ظهر السفاح ، ثم لهذا ، وأشار إلى المنصور ، وقال لعبداللّه بن الحسن : ان ولديك إبراهيم ومحمدا سيقتلهما المنصور! ثم نهض وخرج من المجلس (4).

ولما دارت الدوائر على الأمويين ، واستخلف المنصور ، اختفى محمد بن عبداللّه بن الحسن خوفا على نفسه ، فطلبه المنصور من أبيه ، وحاول قتله بكل وسيلة ، ليتخلص من البيعة التي في عنقه ، واجتهد في البحث عنه وعن أخيه إبراهيم ، ونصب العيون ، وبذل الأموال ، فعرف مكانهما ، ولم يعد أمامهما إلاّ الاستسلام أو الخروج ، فخرج محمد في المدينة ، وإبراهيم في البصرة ، وحاربا حتى قتلا ، وكان محمد يعرف بصاحب النفس الزكية. وقتل معه خلق كثير من ابناء الانصار والمهاجرين ، وأبناء جعفر بن أبي طالب ، ومن أبناء الحسين قتل معه الحسين وعلي أبناء زيد بن علي بن الحسين.
كان معاوية بن أبي سفيان يدفن الاحياء خنقا تحت الأرض. وكان المنصور يقيم عليهم البناء فوق الأرض ، على أننا لانعرف أمويا واحدا سجن جماعة تحت الأرض؛ وتركهم يموت الواحد منهم بعد الآخر بين الفضلات والقذرات ، ولهذا قال الشاعر :
واللّه ما فعلت أُميةُ فيهمُ *** معشار ما فعلت بنو العباس
وفي كتاب النزاع والتخاصم ، لأبي الفرج ابن الجوزي :
إن المنصور دلّ امرأة ابنه وولي عهده المهدي على بيت ، واستحلفها أن لاتفتحه إلاّ بعد وفاته بحضور زوجها ، وبعد هلاكه فتحه المهدي ، وإذا فيه من قتلى الطالبيين ، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ، وفيهم أطفال!
ثم قال صاحب النزاع والتخاصم : أين هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمدية ، وسيرة أئمة الهدى؟! (5)
مع الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : إن أول من أطلق لقب الصادق على الإمام جعفر بن محمد هو رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن بني العباس المنصور ، بعد أن تحقق قوله بأن المنصور سيملك ويقتل محمدا وإبراهيم ابني عبداللّه بن الحسن.
وكان الإمام الصادق في عهد المنصور يوصي شيعته ، ويقول لهم : عليكم بالطاعة والصمت ، فإنكم في سلطان مَن مَكرُهم لَتزول منه الجبال. ولكن المنصور لايرضيه الصمت من الإمام ، والطاعة من شيعته ما دام الناس يعتقدون بإمامته ، وتفضيله على المنصور والناس أجمعين.
جاء في العقد الفريد : لما حج المنصور مر بالمدينة ، فقال للربيع : عليّ بجعفر بن محمد ، قتلني اللّه إن لم أقتله ، فمطل به ، ثم ألح فيه ، فحضر ، فلما دخل همس الإمام بشفتيه ، ثم تقرب ، وسلم ، فقال المنصور : لا سلم اللّه عليك يا عدو اللّه! تعمل على الغوائل في ملكي! قتلني اللّه ان لم أقتلك.
فقال الإمام : إن سليمان أُعطي فشكر ، وإن أيوب ابتُلي فصبر ، وإن يوسف ظُلم فغفر ، وأنت على إرث منهم وأحق بالتأسي بهم. فنكس المنصور رأسه ، ثم رفعه ، وقال : يا أبا عبداللّه أنت القريب القرابة وذو الرحم الواشجة. ثم عانقه وأجلسه معه على فراشه ، وأقبل عليه يسائله ويحادثه ، ثم قال : عجلوا لأبي عبداللّه إذنه وكسوته وجائزته.
ولما خرج الإمام تبعه الربيع ، وقال : إني منذ ثلاثة أيام أدافع عنك ، واداري عليك ، ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك ، وقد انجلى الأمر ، وأنا خادم سلطان ، ولا غنى لي عنه ، فأحب أن تعلمنيه .. قال الإمام : قل : «اللهم أحرسني بعينك التي لاتنام ، واكفني بكنفك الذي لايرام ، ولا أهلك. وأنت رجائي ، فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلَّ عندها شكري فلم تحرمني ، وكم من بليةٍ ابتليتني بها قلَّ عندها صبري فلم تخذلني ، اللهم بك أدرأ في نحره ، وأعوذ بخيرك من شره» (6).
وكان المعلى بن خنيس من الشيعة المقربين لدى الصادق ، وكان مولاه ووكيله ، فكتب المنصور إلى عامله على المدينة ، وهو داود بن علي بقتله ، فاستدعاه داود ، وقال له : اكتب أسماء الشيعة ، وإلاّ ضربت عنقك.
فقال : أبالقتل تهددني؟! واللّه لو كان اسم أحدهم تحت قدمي ما رفعتها. فضرب عنقه وصلبه.
المهدي : مات المنصور؛ وقام ولده محمد الملقب بالمهدي ، وبقي في الحكم من سنة ١٥٨ إلى سنة ١٦٩ هـ ، وكان أبوه قد أتم المهمة ، وانتهى من تنفيذ ما أعده من خطط الاغتيال والفتك بقوى الخير والصلاح ولم ينج منه إلاّ اثنان : علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، فأخذه المهدي وسجنه ، ثم دس إليه السم ، فتفسخ لحمه ، وتباينت أعضاؤه (7).
وعيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، توارى من المهدي خوفا على نفسه ، قال أبو الفرج : «كان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا ، وعلما ، وورعا ، وزهدا ، وتقشفا ، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه ، مع علمٍ كثير ، وروايةٍ للحديث ، وطلبٍ له ، صغره وكبره» (8).
هرب عيسى من المهدي ، واختبأ في الكوفة في دار بعض الشيعة ، وهوعلي بن صالح ، ثم رأى أن يتخذ عملاً يعتاش منه ، ولا يكون كلاً على أحد ، وكان أهل الكوفة ينقلون الماء من الفرات إلى بيوتهم على الجمال وسائر الحيوانات فاتفق عيسى مع صاحب جمل على أن يستقي على الجمل ، ويدفع له كل يوم أجرا معينا ، ويتقوت هو بما يبقى ، وهكذا بقي أمدا طويلاً ، وهو متنكر ، وتزوج امرأة من فقراء الكوفة لا تعرفه هي ولا أهلها.
وكان لعيسى أخ اسمه الحسين بن زيد ، وله ولد يدعى يحيى ، فقال يحيى يوما لأبيه : يا أبه ، إنى أشتهي أن أرى عمي عيسى؛ فإنّه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه. فقال له : إن هذا الأمر يثقل عليه ، وأخشى أن ينتقل من منزله كراهية للقائك إياه ، فتزعجه ، فما زال يحيى يلح على أبيه ، حتى طابت نفسه ، فأعطاه صفته وصفة مكانه.
قال يحيى : ذهبت إلى الكوفة ، وفعلت ما أمرني به أبي ، وحين عانقت عمي عيسى ذعر مني كما يذعر الوحش من الانس ، فقلت : يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد ، أنا ابن أخيك! فضمني إليه وبكى ، ثم أناخ جمله ، وجلس معي ، فجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً ، وامرأة امرأة ، وصبيا صبيا ، وأنا أشرح له أخبارهم ، وهو يبكي ، ثم قال : يا بني ، أنا أستقي على هذا الجمل الماء ، فأصرف ما أكتسب من أجرة الجمل إلى صاحبه ، وأتقوت باقيه ، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء ، فأخرج إلى البرية ، فألتقط ما يرمي الناس به من البقول ، فأتقوته.
وقد تزوجت إلى رجل ابنته ، وهو لايعلم من أنا إلى وقتي هذا ، فولدت مني بنتا ، فنشأت وبلغت ، وهي أيضا لاتعرفني ، ولا تدري من أنا! فقالت لي أمها : زوّج ابنتك بابن فلان السقاء! وهو رجل من جيراننا ، فإنّه أيسر منا ، وقد خطبها ، ألحت عليّ ، فلم أقدر على إخبارها بأنها بنت رسول اللّه ، فجعلت تلح عليّ ، فلم أزل استكفي اللّه أمرها ، حتى ماتت البنت بعد أيام! فلم أجدني آسى على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ، ولم تعلم بموضعها من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله !
قال يحيى : ثم أقسم عليّ عمي أن انصرف ، ولا أعود إليه ، وودّعني (9).
الهادي : وفي عهده كان واليه على المدينة شديد الحنق على الطالبيين؛ أساء إليهم وسامهم صنوف العذاب ، فحجر عليهم أن يخرجوا من المدينة ، وطالبهم أن يعرضوا عليه أنفسهم كل يوم! وكان يلصق بهم تهمة معاقرة الخمرة زورا وبهتانا ، ويقيم عليهم الحد ، ويشهّر بهم! وأرسل يوما في طلب الحسين بن علي بن الحسن ، وأسمعه كلاما قاسيا ، وتهدده وتوعده مما أدى إلى خروجه ، فقتُل هو وأكثر من كان معه بمكان يسمى (فخّ) على بعد ستة أميال من مكة المكرمة ، وأقام القتلى ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير ، ومن أُسر منهم قُتل صبرا (10).
وبالرغم من قصر أيامه فقد استطاع أن يقوم بعمل تاريخي ، ويسجل إسمه مع جلادي الشعوب ، وقتلة أولاد الأنبياء.
قال الاصفهاني في مقاتل الطالبيين : ان أم الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، قتل المنصور أباها وأخاها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن ، ثم قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين ، وكانت تلبس المسوح على جسدها ، لا تجعل بينها وبينه شيئا ، حتى لحقت باللّه عز وجل (11).
الرشيد : تولى الرشيد الحكم بعد أخيه الهادي سنة ١٧٠ ، ومات سنة ١٩٣ هـ. ولم يشتهر أحد من العباسيين شهرة الرشيد وابنه المأمون ، فلقد كانا من أعظم ملوك العالم شأنا ، وأسماهم مكانة ، ولم يبزّهما عباسي ولا أموي في تشجيع العلوم والآداب ، ولعبت قصص ألف ليلة وليلة دورا كبيرا في شهرة هارون الرشيد ، وألبسته أساطيرها ثوبا فضفاضا من العظمة والجلال ، أما شهرته في إدارة الملك وما إليها من بناء المساجد والمدارس والمستشفيات والمنازل والقناطر والطرق المعبدة وشبكة الجداول ، فلم تُعرف لغيره مثلها.
ستون شهيدا :
قال حميد بن قحطبة الطائي الطوسي : طلبني الرشيد في بعض الليل ، وقال لي فيما قال : خذ هذا السيف ، وامتثل ما يأمرك به الخادم. فجاء بي الخادم إلى دار مغلقة ، ففتحها ، وإذا فيها ثلاثة بيوت وبئر ، ففتح البيت الأول ، وأخرج منه عشرين نفسا عليهم الشعور والذوائب ، وفيهم الشيوخ والكهول والشبان ، وهم مقيدون بالسلاسل والاغلال ، وقال لي : يقول لك أمير المؤمنين اُقتل هؤلاء! وكانوا كلهم من ولد علي وفاطمة! فقتلتهم الواحد بعد الواحد ، والخادم يرمي بأجسامهم ورؤوسهم في البئر. ثم فتح البيت الثاني ، وإذا فيه أيضا عشرون من نسل علي وفاطمة ، وكان مصيرهم كمصير الذين كانوا في البيت الأول ، ثم فتح البيت الثالث ، وإذا فيه عشرون ، فألحقهم بمن مضى ، وبقي منهم شيخ ، وهو الأخير ، فقال : تبا لك يا ميشوم ، أي عذر لك يوم القيامة عند جدنا رسول اللّه! فارتعشت يدي ، وارتعدت فرائصي ، فنظر إليّ الخادم مغضبا ، وهددني ، فقتلت الشيخ ، ورمى به في البئر (12)!
الاسطوانات : نقل صاحب (مقاتل الطالبيين) عن إبراهيم بن رياح : أن الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبداللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب بنى عليه اسطوانة ، وهو حي! وقد ورث الرشيد طريقة البناء على الأحياء من جده المنصور (13).
وقال صاحب (أخبار عيون الرضا) : لما بنى المنصور الابنية ببغداد جعل يطلب العلوية طلبا شديدا ، ويضع من ظفر به منهم في الاسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر. فظفر ذات يوم بغلام حسن الوجه ، وله شعر أسود ، وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ، فسلمه إلى الباني الذي كان يبني له ، وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة ، ويبني عليه ، ووكل عليه من يراعي ذلك ، وحين أراد الباني أن يدخله حيا في الاسطوانة أخذته الرقة والرحمة ، فترك في الاسطوانة فرجه يدخل منها الريح ، وقال للغلام : لا بأس عليك فاصبر فاني سأخرجك في جوف الليل إذا جنّ.
ولما دخل الليل أتاه ، وأخرجه من الاسطوانة؛ وقال له اتق اللّه في دمي ودم الفعلة الذين معي ، وغيب شخصك ، فاني أخرجتك خوفا أن يكون جدك خصمي يوم القيامة. فقال له الغلام : سأفعل ، ولكن لي اُم ، وهي في مكان كذا ، فاذهب إليها ، وعرفها أني قد نجوت ، وأن عودي إليها غير ممكن. قال الباني : ذهبت إلى الموضوع الذي دلني عليه ، فسمعت دويا كدوي النحل من البكاء فعلمت أنها أمه ، فدنوت منها ، وعرفتها الخبر ، وأعطيتها شيئا من شَعره ، وانصرفت (14).
ويحيى بن عبد اللّه بن الحسن : هو الآخر مات خنقا في سجن هارون الرشيد ، وقيل بل بنى عليه اسطوانة وهو حيّ أيضا (15).
وحبس الرشيد محمد بن يحيى بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب ومات في محبسه (16).
وضرب الحسين بن عبداللّه بن إسماعيل بن عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب ، ضربه بالسوط ضربا مبرحا ، حتى مات (17).
ومات في حبسه إسحاق بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (18).
ودخل عليه العباس بن محمد بن عبداللّه بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقال له هارون : يا ابن الفاعلة! فقال العباس : تلك أمك. فأمر به ، فضرب بعامود من حديد ، فمات (19).
الإمام الكاظم عليه‌السلام والرشيد : جاء في (عيون أخبار الرضا) : أن المأمون قال : ما زلت أحب أهل البيت ، وأظهر للرشيد بغضهم تقربا إليه ، فلما حج الرشيد كنت معه ، ولما كان بالمدينة دخل عليه الإمام موسى بن جعفر ، فأكرمه ، وجثى على ركبتيه ، وعانقه يسأله عن حاله وعياله ، ولما قام الإمام نهض الرشيد وودعه باجلال واحترام ، فلما خرج سألت أبي ، وقلت له : من هذا الذي فعلت معه شيئا لم تفعله بأحد سواه؟ فقال لي : هذا وارث علم النبيين ، هذا موسى بن جعفر ، فإن أردت العلم الصحيح فعند هذا (20).
ولكن بعد حين أرسل الرشيد جلاوزته إلى الإمام موسى بن جعفر ، وكان يتعبد عند قبر جده ، فأخرجوه منه ، وقيدوه ، وأرسله الرشيد إلى البصرة ، وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور ، فحبسه عنده سنة ، ثم كتب عيسى إلى الرشيد أن خذه مني ، وسلمه إلى من شئت ، وإلاّ خليت سبيله ، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك. فحبسه ببغداد عند الفضل بن الربيع ، ثم عند الفضل بن يحيى ثم عند السندي بن شاهك (21).
قال ابن الأثير : وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان من سنة تسع وسبعين ومائة ، فلما عاد إلى المدينة على ساكنها الصلاة والسلام ، دخل إلى قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يزوره ومعه الناس ، فلما انتهى إلى القبر ، وقف فقال : السلام عليك يا ابن عم ، إفتخارا على مَن حوله ، فدنا موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا ابتِ فتغير وجه الرشيد وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن جدّا ، ثم أخذه معه إلى العراق فحسبه عند السندي بن شاهك. وأخيرا تخلص منه بالسم ، وقيل : ان السندي لفه على بساط ، وقعد الفراشون على وجهه ، فانتقل إلى ربه خنقا (22).
الإمام الرضا عليه‌السلام والرشيد : بعد وفاة الإمام الكاظم أرسل الرشيد أحد قواده إلى المدينة ، وهو الجلودي ، وأمره أن يهجم على دور آل أبي طالب ، ويسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوبا واحدا ، فامتثل الجلودي ، حتى وصل إلى دار الإمام الرضا ، فجعل الإمام النساء كلهن في بيت واحد ، ووقف على باب البيت ، فقال الجلودي : لابد من دخول البيت ، وسلب النساء! فتوسل إليه ، وحلف له أنه يأتيه بكل ما عليهن من حلي وحلل ، على أن يبقى الجلودي مكانه ، ولم يزل يلاطفه حتى أقنعه ، ودخل الإمام ، وأخذ جميع ما على النساء من ثياب ومصاغ وجميع ما في الدار من أثاث ، وسلمه إلى الجلودي ، فحمله إلى الرشيد. وحين ملك المأمون غضب على هذا الجلودي ، وأراد قتله ، وكان الإمام الرضا حاضرا ، فطلب من المأمون أن يعفو عنه ، ويهبه له ، فظن الجلودي أن الإمام يحرض المأمون على قتله ، لما سبق من إساءته. فقال الجلودي للمأمون : أسألك باللّه أن لا تقبل قوله فيَّ. فقال المأمون : واللّه لا أقبل قوله فيك ، اضربوا عنقه ، فضربت (23).
وهناك مظالم أخرى للرشيد مع العلويين وشيعتهم نتركها خوف الاطالة ، ولأن الشاهد يدل على الغائب ، وهو كافٍ وافٍ للتعبيرعن حقيقة الرشيد وسياسته ، وحقيقة مالقي أهل بيت النبي من الظلم والجور الذي لم تلق مثله أسرة في التاريخ ..
الأمين : مات هارون الرشيد بطوس سنة ١٩٣ هـ ، وفيها بويع لابنه الأمين ، قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم ، لتشاغله بما كان فيه من اللهو والادمان له ، ثم الحرب بينه وبين المأمون ، حتى قتل ، فلم يحدث على أحد منهم ـ أي من آل أبي طالب ـ في أيامه حدث بوجه ولا سبب (24).
المأمون : قتل المأمون أخاه الأمين ، واستقام له الأمر ، وانبسط التشيع في عهده وعهد أبيه ، وانتشر في كل بقعة من بقع الاسلام ، حتى امتدت جذوره إلى البلاط الملكي ، إثر دخول الإمام الرضا عليه‌السلام البلاط وليا للعهد ، ولو عن كره منه. لقد أدرك مبكرا أن المأمون يدبّر لأمر خطير حين كان يصرّ عليه بقبول ولاية العهد ، أهون ما فيه أن يظهر للناس أن الرضا ما زهد في الدنيا إلاّ بعد أن زهدت فيه؛ وامتنعت عنه ، ولو وجد السبيل إليها لتقبلها بغبطة وسرور. وما زال المأمون يصرّ عليه بقبول ولاية العهد ويهدده بالقتل إن هو أبا ، حتى قبل ذلك ، ولكن على شرط ارتضاه المأمون ، وهو قول الإمام الرضا عليه‌السلام : «أقبل على أن لا آمر ، ولا أنهى ، ولا أقضي ولا أغير شيئا». فأجابه المأمون إلى ذلك (25).
ولمّا أعيت المأمون الحيل في أمر الرضا اغتاله بالسم (26).
كما سعى هذا الداهية هو وحاشيته إلى النَّيل من الإمام الجواد عليه‌السلام ـ بعد أن زوّجه ابنته أم الفضل ليكون تحت رقابتها الدائمة ـ وإسقاطه في أعين الناس ، حيث وصل به خبث السريرة إلى أنّهم أرادوا تقييد الإمام وشدّ وثاقه وسقيه خمرا إلى حدّ الإسكار ، ثمّ إخراجه ـ بعد فكّ وثاقه ـ إلى الناس على تلك الحالة ، ولكنّ اللّه أبطل كيدهم قبيل تنفيذ جريمتهم فزرع في قلوبهم الرعب فامتنعوا عن ذلك خشية من عواقب هذا الأمر على دولتهم في حال انكشاف حقيقته أمام الناس (27).
المعتصم والواثق : مات المأمون سنة ٢١٨ هـ ، وفيها بويع لأخيه
المعتصم (ت / ٢٢٧ هـ) ، وكانت خلافته ثماني سنين وأشهرا ، وقام بعده الواثق ، وكانت خلافته خمس سنوات؛ وبويع لأخيه المتوكل ، وبقي في الحكم أربع عشرة سنة وأشهرا.
قال صاحب مقاتل الطالبيين : خرج محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن أبي طالب ، في أيام المعتصم ، فتغلب عليه وسجنه ، ثم فر من السجن (28).
وامتنع عبداللّه بن الحسين بن إسماعيل بن عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب عن لبس السواد ، شعار العباسيين ، فسجنه المعتصم ، حتى مات (29).
ومن جرائم المعتصم أنّه أمر واليه على المدينة محمد بن عيسى الزيّات سنة ٢١٩ هـ بحمل الإمام الجواد عليه‌السلام وزوجته أمّ الفضل بنت المأمون إلى بغداد ، ولمّا وصل الإمام إلى بغداد أخذ المعتصم يدبّر أمر اغتياله وذلك عن طريق أمّ الفضل زينب بنت المأمون زوجة الإمام بعد أن وقف على انحرافها عنه عليه‌السلام ، وقد روى العياشي تحريض قاضي القضاة ابن أبي دؤاد للمعتصم على التخلّص من الإمام الجواد الأمر الذي أدّى إلى استدعائه إلى مجلسه وسقيه السم (30).
ويظهر من خلال جميع الروايات الواردة في تصفية السلطة للإمام الجواد عليه‌السلام اشتراك ثلاثة في ذلك وهم زوجة الإمام بنت المأمون ، وأخوها جعفر بن المأمون ، وعمّهم المعتصم بن هارون (31).
وأمّا عن شيعة الإمام عليه‌السلام فقد كان بعضهم طعمة للسباع التي جعلها المعتصم في بركته المعروفة ببركة السباع (32).
أما الواثق فقد أكرم العلويين ، وأحسن إليهم وتعهدهم بالأموال (33).
المتوكل : أما المتوكل فقد كان معروفا في اللهو والمجون ومعاقرة الخمر ، قال المسعودي : هو أول خليفة من بني العباس ظهر في مجلس اللعب والمضاحك والهزل (34).
وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظا في جماعتهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظن والتهمة لهم ... فشدّد عليهم ، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ، ثم يرقعنه ، ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات (35).
لقد تفرق العلويون أيام المتوكل «نيرون العرب» كما أسماه بعض المؤرخين ، فمنهم من توارى ، فمات في حال تواريه ، كأحمد بن عيسى ، وعبداللّه بن موسى الحسيني. ومنهم من ثار من الضغط والجور ، كمحمد بن صالح ، ومحمد بن جعفر.
ولم يكتف المتوكل بتنكيل الأحياء ، حتى اعتدى على قبور الأموات ، فهدم قبر الحسين عليه‌السلام وما حوله من المنازل والدور ، ومنع الناس من زيارته ، ونادى مناديه : من وجدناه عند قبر الحسين حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر :
تاللّه إن كانت أميةُ قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه مثلها *** هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا *** شايعوا في قتله فتتبعوه رميما (36)
وكان ابن السكيت من كبار العلماء والأدباء في زمانه ، وقد ألزمه المتوكل تعليم ولده المعتز ، فقال له يوما : أيهما أحب إليك ابناي هذان : المعتز والمؤيد ، أو الحسن والحسين؟
فقال ابن السكيت : واللّه أن قنبرا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك!
فقال المتوكل للاتراك : سلّوا لسانه من قفاه! ففعلوا ، فمات (37).
وكان عند المتوكل مخنث يدعى عبادة ، فيشد على بطنه مخدة ، ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون : أقبل البطين خليفة المسلمين! وهم يعنون عليا أمير المؤمنين ، والمتوكل يشرب ويضحك ، وفعل ذلك يوما وابنه المنتصر حاضر ، فقال لأبيه : إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك ، وشيخ أهل بيتك ، وبه فخرك ، فكل أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله ، فقال المتوكل للمغنين : غنوا :
غار الفتى لابن عمه *** رأس الفتى في حِرّ أُمه
وسمعه يوما يشتم فاطمة بنت الرسول ، فسأل أحد الفقهاء ، فقال له : قد وجب عليه القتل ، إلاّ أن من قتل أباه لم يطل عمره ، فقال المنتصر : لا أُبالي إذا أطعت اللّه بقتله أن لا يطول عمري ، فقتله ، فعاش بعده سبعة أشهر (38).
ومن جرائم المتوكّل إشخاصه الإمام الهادي عليه‌السلام إلى عاصمة ملكه سامراء ليكون تحت رقابته بعديدا عن قاعدته في المدينة معزولاً عن شيعته ومواليه بعد أن سعى عماله في المدينة ومنهم عبداللّه بن محمد بن داود بأبي الحسن الهادي عليه‌السلام إلى المتوكّل ، هذا فضلاً عن حقد المتوكّل وبغضه لأهل البيت عليهم‌السلام ، قال سبط ابن الجوزي : «إنّما أشخصه المتوكّل إلى بغداد ، لأنّ المتوكّل كان يبغض عليّا عليه‌السلام وذريّته ، فبلغه مقام علي عليه‌السلام بالمدينة وجعل الناس إليه فخاف منه» (39).
وقد تحمّل الإمام الهادي عليه‌السلام في سامراء من المتوكّل وزبانيته أنواع الأذى والمضايقات بتفتيش داره بين حين وآخر ، ثمّ حبسه واعتقاله أكثر من مرّة.
إلى غير ذلك من المآسي التي يعجز القلم عن تسطيرها فضلاً عن إساءة الأدب مع الإمام العظيم يوم أحضره إلى مجلس شربه ولهوه وناوله كأسه الذي في يده!
فأجابه عليه‌السلام : ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه ، فعفاه طالبا أن ينشده شعرا ، فصفعه الإمام بعظته البالغة التي نزلت على أسماعه وأسماع ندمائه كالصاعقة ، وأوّلها :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزٍّ عن معاقلهم *** وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا *** أين الأسرّة والتيجان والحلل
إلى آخر الأبيات (40).
وإلى هذه القصّة يشير الشاعر بقصيدته التي مطلعها :
وكم أساء المتوكّل الأدب *** أحضره عند الشراب والطرب
وهو من السُّنّة والكتاب *** منزلة اللب من اللباب (41)
وقد حاول المتوكّل من خبثه ونصبه قتل الإمام عليه‌السلام لكنّ اللّه عجّل بهلاك المتوكّل قبل أن يتمّ له ذلك (42).
وحين جاء المستعين الذي بويع بالخلافة بعد موت المنتصر سنة ٢٤٨ هـ ، فلم يدم حكمه طويلاً إذ قُتل سنة ٢٥٢ هـ ، وفي فترة حكمه طالب العلويون برفع الظلم والحيف عنهم لكنّه واجه ذلك بقسوة بني العباس المعهودة ، فقتل جملة من الطالبيين (43).
ولمّا جاء بعده المعتزّ للسلطة سنة ٢٥٢ هـ تعرض الكثير من الطالبيين إلى المطاردة والحبس والتنكيل ، فقد حُمل في أيّامه من الري علي بن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر الصادق عليه‌السلام ، ومات في حبسه (44) ، كما قتل آخرين من الحسنيين والحسينيين (45).
وقد نقل كثير من المؤرّخين والمحدّثين أنّ الإمام الهادي عليه‌السلام استشهد مسموما ، منهم : المسعودي ، وسبط بن الجوزي ، وابن الصبّاغ وغيرهم (46) ، وإنّ الذي سمّه هو المعتزّ (47).
ما فعل المعتز العباسي بالإمام العسكري عليه‌السلام :
رافق الإمام العسكري عليه‌السلام أباه الإمام الهادي عليه‌السلام في انتقاله بأمر السلطة العباسية بقيادة المتوكّل من المدينة إلى سامرّاء مع أهل بيته وبعض مواليه كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم ، ولمّا آل الأمر إلى المعتزّ سار على نهج أسلافه في الضغط على البقية الباقية من أهل البيت عليهم‌السلام المتمثّلة بالإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ، وأوّل فعل فعله مع الإمام أنّه أودعه في سجن صالح بن وصيف التركي ، وكان العباسيون يوصون صالح بن وصيف بالتضييق على الإمام (48) كما سجن جملة من أقرب شيعة الإمام إليه معه في السجن نفسه ، كأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري ، والحسن بن محمد العقيقي ، ومحمد بن إبراهيم العمري وغيرهم (49).
وقد عزم المعتز على قتل الإمام العسكري عليه‌السلام حيث تقدّم إلى سعيد بن حاجب : أن أخرج أبا محمد إلى الكوفة ، ثمّ اضرب عنقه في الطريق ، لكن المعتزّ خُلع بعد ثلاث ليال ثمّ قتل قبل تنفيذ خطّته بقتل الإمام عليه‌السلام (50).
المهتدي والمعتمد العباسيان :
وصل المهتدي (محمد بن الواثق بن المعتصم) إلى السلطة بعد هلاك المعتزّ سنة ٢٥٥ هـ ، وحين قتله الأتراك شرّ قتلة سنة ٢٥٦ جاء بعده إلى السلطة المعتمد (أحمد بن المتوكّل بن المعتصم ، ٢٥٦ ـ ٢٧٩ هـ).
أمّا المهتدي فيكفي دليلاً على سوء سيرته أنّه تعرّض خلال مدّة حكمه القصيرة ـ وهي سنة واحدة ـ أكثر من عشرين علويا للقتل صبرا أو الأسر أو السجن (51).
وكم حاول المهتدي وبشتى الوسائل القضاء على الإمام العسكري عليه‌السلام كما دلّت عليه ذلك جملة من الروايات المتظافرة (52) لكنّ اللّه قصف عمره فقُتل بعد هوان واستخفاف (53).
وأمّا المعتمد فقد استفتح أيّام سلطته بإيغاله في دماء الطالبيين ، ومع حبس العشرات منهم والتنكيل بهم (54) وكان له موقف خسيس من الإمام العسكري عليه‌السلام حيث اعتقله عدّة مرّات ، فتارة يسلّمه إلى سجّانه نحرير (55)
وأخرى إلى ابن جرين (56) ، وهكذا إلى أن انتهت مسألة صراع الإمام مع السلطة بشهادته مسموما من قبل المعتمد ظنّا منه أنه سيقطع نسل آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وتنقطع الإمامة بعد شهادة العسكري عليه‌السلام وهو ما صرّح به الإمام العسكري عليه‌السلام قبيل شهادته مشيرا إلى خشيتهم من المولود الثاني عشر حيث علموا بأنّه هو المؤمّل المرتجى لإزالة الظلم وبسط العدل فأرادوا قتل الإمام قبل ولادة ابنه المهدي عليه‌السلام ولم يعلموا بولادته عليه‌السلام للتدابير التي اتّخذها الإمام العسكري عليه‌السلام في إخفاء خبر ولادته عن السلطة وعيونها (57).

المصادر :
1- تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٢٠٠.
2- تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٢٠٢.
3- كشف الغمة ٢ : ٤٢٧ ، مستدرك الوسائل ٢ : ٤٢٧ / ١٤١٦١.
4- مقاتل الطالبيين : ١٨٥ ـ ١٨٦.
5- النزاع والتخاصم : ٧٦.
6- العقد الفريد ١ : ٢٤٥.
7- مقاتل الطالبيين : ٣٤٢ / ٣٤.
8- مقاتل الطالبيين : ٣٤٥.
9- مقاتل الطالبيين : ٣٤٥ ـ ٣٤٧.
10- تاريخ الطبري ٨ : ١٩٢ ـ ٢٠٣ حوادث سنة ١٦٩ ، مروج الذهب ٣ : ٢٣٧ ـ ٢٣٨ ، الكامل في التاريخ ٥ : ٢٦٥ ـ ٢٦٨ ، البداية والنهاية ١٠ : ١٥٧.
11- مقاتل الطالبيين : ٣٦٤.
12- عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ٨٨ ـ ٩٠ / ١ باب ٩.
13- مقاتل الطالبيين : ٤٠٢ ـ ٤٠٣.
14- عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ٩٠ ـ ٩١ / ٢ باب ٩.
15- مقاتل الطالبيين : ٤٠٣.
16- مقاتل الطالبيين : ٤١١.
17- مقاتل الطالبيين : ٤١٢ / ٤٤.
18- مقاتل الطالبيين : ٤١٨ / ٤٧.
19- مقاتل الطالبيين : ٤١٣ / ٤٥.
20- عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ٧٥ ـ ٧٦ / ١٢.
21- مقاتل الطالبيين : ٤١٥ ـ ٤١٦ ، الإرشاد ٢ : ٢٣٩ ـ ٢٤٢.
22- مقاتل الطالبيين : ٤١٧.
23- أعيان الشيعة ٢ : ٥٦٤.
24- مقاتل الطالبيين : ٤٢٠.
25- علل الشرائع ١ : ٢٧٧ ـ ٢٧٨ / ١ باب ١٧٣ ، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ١٣٨ / ٣ باب ٤٠.
26- مقاتل الطالبيين : ٤٥٧.
27- رجال الكشي : ٥٦٠ / ١٠٥٨ في ترجمة محمد بن أحمد المحمودي.
28- مقاتل الطالبيين : ٤٦٤ ـ ٤٧٢ / ٥٧.
29- مقاتل الطالبيين : ٤٧٣ / ٥٨.
30- تفسير العياشي١ : ٣٢٠ / ١٠٩.
31- إثبات الوصية / المسعودي : ١٩٢ ، ودلائل الإمامة / الطبري : ٣٩٥ ، ومناقب ابن شهرآشوب٤ : ٣٨٤.
32- مروج الذهب٤ : ١٦٠.
33- الفخري في الآداب السلطانية : ٢٢٧.
34- مروج الذهب ٤ : ٣٦٢.
35- محمد جواد مغنية / الشيعة والحاكمون : ١٧٠.
36- أمالي الطوسي : ٣٢٩ / ٦٥٧ المجلس الحادي عشر ، الكامل في التاريخ ٦ : ١٠٨ سنة ٢٣٦.
37- الكامل في التاريخ ٦ : ١٣٣ سنة ٢٤٥ ، تاريخ الخلفاء السيوطي : ٢٦٩.
38- أصول الكافي١ : ٤٩٩ / ٤ باب مولد أبي الحسن الهادي عليه‌السلام ، والإرشاد٢ : ٣٠٣ ، والثاقب في المناقب : ٥٣٩.
39- معاني الأخبار : ١٢٣ ، والخصال : ٣٩٤ / ١٠٢ ، ومناقب ابن شهرآشوب٤ : ٤٣٩.
40- مروج الذهب٤ : ٣٦٧ ـ ٣٦٨ ، والبداية والنهاية١١ : ١٥ ، ووفيّات الأعيان / ابن خلّكان٣ : ٢٧٢.
41- الأنوار القدسية / الشيخ محمد حسين الأصفهاني : ١٠٠.
42- كشف الغمّة٣ : ١٨٤.
43- مروج الذهب٤ : ٤٢٩.
44- مروج الذهب٤ : ٤٢٩.
45- لمعرفة أسمائهم ينظر : مقاتل الطالبيين : ٤٣٣ ، والكامل في التاريخ٦ : ١٨٧.
46- مروج الذهب٤ : ٤٢٣ ، وينظر : الإمام علي الهادي عليه‌السلام سيرة وتاريخ / الأستاذ علي موسى الكعبي : ١٠٤ ، إصدار مركز الرسالة.
47- بحار الأنوار٥٠ : ١١٧ والإمام علي الهادي عليه‌السلام سيرة وتاريخ : ١٠٤.
48- أصول الكافي١ : ٥١٢ / ٢٣ ، والإرشاد٢ : ٣٣٤.
49- الثاقب في المناقب : ٥٧٧ / ٥٢٦ ، والخرائج والجرائح٢ : ٦٨٢ / ١ و ٢.
50- مناقب ابن شهرآشوب٤ : ٤٦٤ ، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي : ٢٠٨ / ١٧٧ ، وينظر أصول الكافي١ : ٣٢٩ / ٥ باب الإشارة والنصّ إلى صاحب الدار عليه‌السلام (يعني الإمام المهدي عليه‌السلام).
51- ينظر تفصيل أسماء من قتلوا في عهده من العلويين في مروج الذهب٤ : ٤٢٩ ، ومقاتل الطالبيين : ٤٣٥ ـ ٤٣٩.
52- إثبات الوصية : ٢٥٢ ، والإمام الحسن العسكري عليه‌السلام سيرة وتاريخ / الأستاذ علي موسى الكعبي : ٨٥ ـ ٨٦.
53- أصول الكافي١ : ٥١٠ / ١٦.
54- مقاتل الطالبيين : ٤٤٠ ـ ٤٤٣.
55- أصول الكافي١ : ٥١٣ / ٢٦ باب مولد أبي محمد الحسن العسكري عليه‌السلام.
56- إثبات الوصية : ٢٥٣.
57- راجع في هذا الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام سيرة وتاريخ الفصل السابع : ١٩١ وما بعدها.