السياسات الرسمية للحكومات



 

ترجمت السياسات الرسمية للحكومة الألمانية كل هذه الأفكار عقب اندلاع الحرب مباشرة تقريبًا؛ ففي وثيقة لم يُعثَر عليها في أرشيفات برلين إلا بعد عام ١٩٤٥، تحمل عنوان «برنامج سبتمبر»، وُضِعَتْ بالتفاصيل الأهداف القديمة للحكومة الألمانية. شكلت هذه الأهداف في حقيقتها خلاصة العديد من المذكرات المطروحة أمام العديد من الوزارات، وقد تنبأت بتدمير روسيا وإمبراطوريتها تمامًا في الشرق، وكذلك سحق فرنسا واحتلال بقاع كبيرة من الأراضي الفرنسية بالشرق بحيث لا تقوم لفرنسا قائمة مُجددًا كقوة صناعية، كما تنبأت باحتلال بلجيكا احتلالًا دائمًا بهدف تأسيس قواعد بحرية ضخمة على بحر المانش بحيث تمثل تهديدًا لإنجلترا.
أما هولندا، فبوصفها دولة من الدول الجرمانية تمتلك أراضي تابعة لها خارج البلاد فسيربطها علاقة خاصة بألمانيا، بالتحديد كانت ستتيح أمام القوات البحرية الألمانية أراضي مستعمرة الهند الشرقية الهولندية - أو إندونيسيا حاليًّا - لتأسيس قواعد بحرية قوية تسيطر ألمانيا من خلالها على المستعمرات ذاتية الحكم التابعة لبريطانيا في المحيط الهادي، بالإضافة إلى الهند. وتذكر الوثيقة أن كلًّا من فرنسا وبلجيكا والبرتغال ستتنازل لبرلين عن مستعمراتها في أفريقيا - فيما يُعرَف بخطة وسط أفريقيا - والأمر نفسه ينطبق على المستعمرات الفرنسية في منطقة غرب المحيط الهادي.
من المهم أن نتذكر أن مخطط ألمانيا الكبير لمنطقة «أوروبا الوسطى» جرى تنفيذه على أرض الواقع لفترة بعد هزيمة روسيا عام ١٩١٨، وتمثَّل ذلك في معاهدة برست ليتوفسك؛ بفضل تروتسكي ولينين والثورة البلشفية، فاحتلت ألمانيا جميع الأراضي من بحر البلطيق حتى البحر الأسود، لتجرِّد بذلك روسيا من مستعمراتها الغربية؛ كمقاطعة كورلاند وبولندا وأوكرانيا. وقد تقرر تنصيب أمير على عرش هذه الدول من الأسر المالكة العديدة التي تحكم إمارات ألمانيا الشرقية. وتُعَد هذه المعاهدة ذات أهمية تاريخية؛ لأنها تمنحنا صورة حية لما كان يمكن أن يكون عليه مستقبل أوروبا في حال نجحت خطط ألمانيا الحربية وأتت بثمارها.

مجازفة لودندورف الأخيرة

كانت فرحة النخبة الألمانية الحاكمة بعد معاهدة برست ليتوفسك عارمة؛ فلم يتبقَ أمامها إلا هزيمة قوات الحلفاء في الغرب؛ الأمر الذي يفسر الهجمات الهائلة التي شنتها بدءًا من ربيع عام ١٩١٨، عندما بدأت التعزيزات الضخمة القادمة من الشرق للانتشار بالجبهة الغربية في التحرك، وكادت جهودها أن تُكلَّل بالنجاح. في ٢١ مارس عام ١٩١٨، هاجم جيش ألماني قوامه مليون و٦٠٠ ألف جندي دفاعات قوات الحلفاء في خمس هجمات منفصلة على جبهة تمتد لأربعين ميلًا، وذلك بعد قصف قصير نسبيًّا امتدَّ لخمس ساعات - مقارنة بهجمات القصف التي اعتادت ألمانيا شنها لخمسة أيام.
ونجح الجيش الألماني في اختراقها بالفعل، فتقدمت بعض وحدات الجيش الألماني في غضون خمسة أيام لأكثر من أربعين ميلًا، وشنَّت هجمة ناجحة مكمِّلة في الإقليم الفلامندي. لقد دفعت القوات الألمانية القوات البريطانية والفرنسية إلى التقهقر حتى بحر المانش تقريبًا. حُوصِرَتْ قوات الحلفاء تمامًا، وكان موقفها صعبًا بمعنى الكلمة، لكن ما حدث بعد ذلك كان متوقعًا، بل وتوقعه الكثيرون بالفعل؛ فقد بدأ الألمان يستنفدون من جديد غطاءهم وإمداداتهم، وبدأت القوات الألمانية تواجه مقاومة شديدة في كل موقع من المواقع الخمسة التي هاجمتها. ولأن الجنرال إريك فون لودندورف كان يدرك أن هذه على الأرجح هي الفرصة الأخيرة لألمانيا للفوز بالحرب، فقد أمر بشن هجمة يائسة أخيرة على قوات الحلفاء في يوليو فيما عُرِف بمعركة المارن الثانية، لكن تم التصدي للهجمة، وشن الفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون - الذين شاركوا في الحرب في أبريل عام ١٩١٧ - هجومًا مضادًا؛ مما أحبط مخطط لودندورف بشن هجوم هائل على الإقليم الفلامندي، ووضع في الوقت نفسه زمام المبادرة في الشهور القادمة في يد القائد العام الجديد لقوات الحلفاء بفرنسا فرديناند فوش.
سعى الألمان في محاولة أخيرة لم تُجْدِ نفعًا إلى اقتحام مقر تمركز قوات الحلفاء في فرنسا في معركة أميان، حيث تمَّت الاستعانة بالأستراليين لتنفيذ هجمات الاختراق الرئيسية بمنطقة سان كوينتين؛ مما جعل الثامن من أغسطس من ذاك العام أصعب يوم واجهه الجيش الألماني. وبدءًا من ذلك الوقت، بدأ تقهقر الجيش الألماني حتى دعا جنرالات الجيش في نهاية المطاف إلى إبرام هدنة تم التوقيع عليها في ١١ نوفمبر عام ١٩١٨ في الحادية عشرة صباحًا. لم يكن الفوز بالحرب ممكنًا، رغم قرار البحرية الألمانية بعد إبرام الهدنة باجتياح بحر المانش لوقف وصول التعزيزات القادمة من إنجلترا؛ وذلك في إطار اعتقادهم أن الجيش الألماني سيكون قادرًا على الاحتفاظ بالأراضي التي ظل محتلًّا لها في بلجيكا وفرنسا. وقد أشعلت هذه الخطوة التي أقدم عليها قادة البحرية الألمانية فتيل الثورة الألمانية في ١٥ نوفمبر.
كانت القوات الألمانية قد فاض بها الكيل، وانتهى بها الأمر إلى أن رفضت أن تجري التضحية بها في سبيل تحقيق الأحلام المستحيلة التي تراود قادة الجيش والنخبة الألمانية الحاكمة، ومن ثم اندلعت «ثورة نوفمبر» التي دفعت قيصر ألمانيا وأمراءها إلى التخلي عن العرش. وهكذا أدت الثورة إلى الدعوة لإقامة انتخابات أُجْرِيَتْ في يناير عام ١٩١٩، بعد مفاوضات طويلة منهكة خاضتها الأحزاب المختلفة. وأُجبِرَت الحكومة الجديدة بموجب دستور جمهوري على توقيع معاهدة فرساي في ٢٨ يونيو عام ١٩١٩؛ أي في الذكرى السنوية الخامسة لذاك اليوم المصيري في سراييفو.

عالم آمن للديمقراطية

افتقرت الحرب العالمية الأولى في سنواتها الأولى بلا شك لقواعد ومبادئ أساسية تحكمها؛ فشعر البريطانيون بالحيرة إزاء السبب الذي يدفعهم لخوض حرب مع ألمانيا، فأعرب رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج عام ١٩٠٨ عن وجهة النظر السائدة في بريطانيا تجاه ألمانيا قائلًا: ها هي ألمانيا في وسط أوروبا، تناوئها فرنسا وروسيا على جانبيها، وجيشاهما معًا أعظم من جيشها … أفلا نخشى ذلك؟! أفلا نحشد إذن؟! أفلا نتسلح؟!
عندما خاضت بريطانيا الحرب كان ذلك - من الناحية الفنية - ردًّا على انتهاك ألمانيا لحياد بلجيكا، رغم أن معاهدة لندن الأصلية (بروتوكول لندن) لعام ١٨٣٩ تركت لمُوقِّعيها حرية اختيار الإجراء الذي يرغبون فيه. ومن ثم، تحرِّيًا للدقة، لم تكن بريطانيا حقيقةً مضطرة لخوض حرب مع ألمانيا، مع أن خيار خوض الحرب كان مشروعًا، بيد أنه حتى هذا السبب ليس بالمبرر الكافي لإشعال حرب عالمية. ولما كان لويد جورج يعي هذا جيدًا، حاول أن يجعل أهداف الحرب تتسع لتشمل استقلال بولندا، وتحقيق الحكم الذاتي للدول التي كانت ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية.
وفوق كل شيء، كان على الحرب أيضًا أن تضمن تحقيق سلام عادل ودائم، إلا أن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، كان هو من أوجد المبادئ السامية والأهداف النبيلة التي حشدت قوات الحلفاء لخوض الحرب؛ فشرح بوضوح في خطابه عن الحرب أمام كونجرس الولايات المتحدة في أبريل عام ١٩١٧ الأساس المنطقي لخوض الحرب قائلًا: الآن وقد أصبحنا نرى الحقائق واضحة من دون ستار من الادعاءات الزائفة تحجبها، فإننا سعداء أننا نحارب إحلالًا للسلام المطلق في العالم، وتحريرًا للشعوب - بما فيهم الشعب الألماني - ودفاعًا عن حقوق الأمم الكبيرة والصغيرة، وحق الإنسان في كل مكان في اختيار نهج حياته وولائه. يجب أن يصبح العالم مكانًا آمنًا للديمقراطية. ليس لنا مصالح ذاتية نسعى لتحقيقها، ولا نطمع في غزو أو سيطرة … لسنا سوى مدافعين عن حقوق الإنسان.
ليس هذا فحسب، بل كان في جعبته المزيد.
رأى ويلسون - انطلاقًا من وعي قوي بالمنحى الجديد الذي يسلكه التاريخ - بزوغ فجر عهد جديد؛ عهد من المسئولية والحرية، وقبل كل شيء، عهد من السلام. وكانت عصبة الأمم ستصبح الأداة الجديدة لهذا العهد الجديد؛ فتُشَكِّل - بوصفها شراكة من الدول الديمقراطية - عصبة مناصرة للشرف، وشراكة في الرأي، غير أن ويلسون لم يكن غير مبالٍ بالتضحيات التي ستتطلبها الحرب: إنه لشيء مخيف الزج بهذا الشعب العظيم إلى الحرب، بل إلى أبشع الحروب وأشدها وبالًا؛ فتبدو الحضارة الإنسانية نفسها على المحك، لكن إعلاء الحق أثمن من السلم …
وكان لهذا التغير الكبير في السياسة الدبلوماسية الأمريكية ثمنه.

المبادئ الأربعة عشر

كَلَّلت «مبادئ ويلسون الأربعة عشر» - التي عُرِضَتْ على الكونجرس في يناير عام ١٩١٨ - أهداف قوات الحلفاء في الحرب. ومن بين الموضوعات التي شددت عليها هذه المبادئ: الشفافية الدبلوماسية في إبرام المعاهدات، وحرية الملاحة البحرية، والمساواة في الشروط التجارية، وتقليص حجم التسليح، وتسوية المطالب الاستعمارية، والجلاء عن روسيا وبلجيكا ومنطقة الألزاس واللورين ورومانيا وصربيا، وتأسيس دولة بولندية مستقلة تتمتع بمنفذ على البحر. إلا أن أهم مبدأ من تلك المبادئ هو المبدأ الأخير الذي نصَّ على تشكيل عصبة الأمم لضمان استقلال الدول. طرح ويلسون هذه المبادئ بهدف تحديد شروط إرساء السلام بقدر ما طرحها لتحديد أهداف الحرب. وبينما قبلت بها ألمانيا لدى الموافقة على عقد هدنة، فإن قوات الحلفاء لم تقبل بها؛ فرفضت بريطانيا مبدأ حرية الملاحة البحرية، فيما طالبت فرنسا بتعويضات عن الخسائر. وفي الوقت نفسه، تلقى ويلسون ضربة موجعة داخل الولايات المتحدة في نوفمبر ١٩١٨، عندما أحرز الجمهوريون عدة انتصارات في انتخابات الكونجرس في مختلف أنحاء البلاد.
شعر ويلسون - في ظل الهجوم الذي تعرض له من الداخل والخارج - أنه مضطر لتقديم بعض التنازلات كحلٍّ وسط؛ فسمح على سبيل المثال لإيطاليا بالاستيلاء على ولاية تيرول النمساوية (رغم أنه عارض مطالبة إيطاليا بمقاطعة فيومي، وهي تُعرَف حاليًّا باسم رييكا، وتقع في كرواتيا)، ومنح سيليزيا ومنطقة الممر البولندي لبولندا، وسمح لليابان بالاستيلاء على أراضٍ تابعة لألمانيا في مقاطعة شاندونغ. وبينما تصدى من جهة لاستيلاء فرنسا بصورة دائمة على نهر الراين، غَضَّ الطرف عن معاهدات سرية تقسم الغنائم المستحوذ عليها من الإمبراطورية الألمانية. فكان ويلسون - على ما يبدو - على استعداد للتضحية بأحكام المبادئ الأربعة عشر التي طرحها ليضمن تشكيل عصبة الأمم، وكان موقنًا بأن أي أخطاء ارتُكِبَتْ في توقيع معاهدة فرساي يمكن لعصبة الأمم معالجتها. لكن المفارقة أن الحكومة الأمريكية نفسها - ممثلة في مجلس الشيوخ الأمريكي - كانت في نهاية المطاف هي من قضى على المشاركة الأمريكية في عصبة الأمم؛ وقضت بذلك على آمال ويلسون في عهد جديد من السلام الدائم القائم على مبادئ عالمية تكون بديلًا لألاعيب القوى العظمى.
رضخ لويد جورج هو الآخر لضغوط الشعب الإنجليزي لمعاقبة ألمانيا، وقد ذكر ونستون تشرشل موقف لويد جورج فيما بعدُ، وقال عنه: دُهِش رئيس الوزراء ومساعدوه الرئيسيون، بل وسيطر عليهم - إلى حد ما - ما لقوه من حماسة عاطفية في الدوائر الانتخابية. كان جنود الحرب الشجعان الذين لم يفلح في ترهيبهم شيء قد ذاقوا الكثير والكثير من المعاناة، وأذكت الصحافة الشعبية مشاعرهم المكبوتة لتتحول إلى غضب عارم، وخيَّمت سحب الاكتئاب على الشوارع من أثر الجنود المقعدين والمشوهين، وعاد الأسرى ليَرْوُوا قصصًا مؤلمة عن الأسر والحرمان؛ فكان في كل منزل فقيد، وجاشت قلوب الملايين المكلومة بكراهية العدو الذي هزمناه، وبرغبة متعطشة في إنزال العقاب العادل به.
لم يحمل جورج للألمان نفس تعاطف ويلسون، فقد تكبَّدَتْ بريطانيا في نهاية الأمر خسائر بشرية رَبَتْ على الثلاثة ملايين شخص (لقي منهم قرابة مليون شخص مصرعهم)، فيما تكبدت الولايات المتحدة خسائر بشرية قوامها ٣٠٠ ألف تقريبًا (من بينهم ١١٥ ألف قتيل). تحدَّتْ كلٌّ من بريطانيا والمستعمرات ذاتية الحكم في المحيط الهادي وفرنسا دعوة ويلسون حول حق تقرير المصير، فتقاسموا المستعمرات الألمانية فيما بينهم بعد الحرب، وكان أقصى ما استطاع ويلسون انتزاعه هو وضع نظام انتداب على المستعمرات تُقدِّم فيه القوى الاستعمارية تقريرًا سنويًّا لعصبة الأمم.
لكن من الجدير بالاهتمام أن لويد جورج لم يذهب به الأمر إلى ما طالب به الفرنسيون، ففي خطاب للقيادات الأمريكية والفرنسية - فيما يُعرف باسم «مذكرة فونتينبلو» - رغم أنه كان موجهًا للقيادة الفرنسية، حذر لويد جورج من تأسيس دول جديدة تضم عددًا كبيرًا من الألمان، وعارض استمرار دفع التعويضات إلى ما بعد جيل الحرب، فنوَّه لذلك قائلًا: قد تكون شروطنا صارمة، وقاسية، بل ولا تعرف الرحمة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون على درجة من العدل حتى إن الدولة التي نفرضها عليها ستشعر في قرارة نفسها بأنها لا تملك حق الشكوى، غير أن الظلم والغرور اللذين رأيناهما ساعة النصر لن يجدا طريقهما إلى النسيان أو الغفران.
ورغم ذلك، ثمة شك في أن كلماته قد أثرت على التوجه الفرنسي.

الانتقام الفرنسي

كان الفرنسيون - يمثلهم «النمر» جورج كليمنصو - الأكثر سعيًا للانتقام بين القوى المُمثلة في مؤتمر باريس للسلام؛ إذ كان قَدْر الدمار والخراب الذي نزل بها في الحرب يَفُوق ما نزل بالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وإيطاليا، فتكبدت من الخسائر البشرية أربعة ملايين شخص، منهم مليون و٣٨٥ ألف شخص لقي مصرعه، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض فيها فرنسا للهجوم مِنْ قِبَل ألمانيا. كما كان الفرنسيون لا يزالون يتجرعون مرارة الألم من أثر الحرب الفرنسية البروسية (١٨٧٠-١٨٧١) التي تعرضت فيها فرنسا لهزيمة ساحقة، علاوة على أن فرنسا ظلت تذكر جيدًا أن ألمانيا طالبتها في معاهدة السلام التي تلت تلك الحرب بدفع تعويضات حرب هائلة (خمسة مليارات فرنك ذهبي)، وبالتخلي عن الإقليم الحدودي الألزاس واللورين. ومن ثم، سعى كليمنصو في أعقاب انتصار فرنسا في الحرب العالمية الأولى إلى شلِّ ألمانيا عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا؛ وذلك بهدف الانتقام ومنع ألمانيا من تهديد فرنسا مجددًا.
كان الفرنسيون في نهاية المطاف هم الطرف الذي مارس أقوى نفوذ في معاهدة فرساي التي استعادوا بموجبها إقليم الألزاس واللورين، وحازوا السيطرة الاقتصادية على إقليم السار الغني بالفحم، رغم أن عصبة الأمم احتفظت بالسيطرة السياسية على هذا الإقليم الذي كان تابعًا لألمانيا في السابق إلى أن أُجْرِيَ استفتاءٌ عامٌّ سنةَ ١٩٣٤. كذلك احتلت فرنسا لخمسة عشر عامًا منطقة الراينلاند - وهي منطقة صناعية تمتد على الحدود الفرنسية - فيما مُنِحَتْ ثلاث مقاطعات غالبية سكانها من البولنديين والألمان إلى دولة بولندا التي أُعِيدَ تشكيلها من جديد، واستولت قوات الحلفاء أيضًا على أراضٍ تابعة لروسيا - التي انشقت عن قوات الحلفاء وأعلنت عقد معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا - لتكوين دول جديدة. وعلى أي حال، كانت الأطراف المشاركة في المعاهدة تستجيب بصفة خاصة لمطالب المجموعات العرقية في مختلف المناطق لمنحها حق تقرير مصيرها.
لكن لم يقم اعتبار مماثل للألمان المنهزمين، ففصلت المعاهدة ميناء دانزيج عن ألمانيا وحوَّلته إلى «مدينة حرة» تابعة لعصبة الأمم؛ حتى يكون لبولندا منفذًا على البحر، وحظرت صراحة على النمسا - أو ما تبقى منها بعد تفسخ إمبراطورية هابسبورغ - الاتحادَ مع ألمانيا، وجرَّدت ألمانيا المهزومةَ من كل مستعمراتها، وحُظِر عليها تملك أسلحة ثقيلة، أو تكوين قوات جوية، أو أي جيش يربو عدده على ١٠٠ ألف رجل. وفي نهاية الأمر، فرضت فرنسا وبريطانيا على ألمانيا تعويضات تغطي تكاليف الحرب بأكملها، بل وشملت أيضًا نفقات ثانوية مثل معاش للمشاركين في الحرب، وهو الأمر الذي أثار جدلًا آنذاك، ثم أثار جدلًا محتدمًا في المستقبل. ولما كانت التكلفة التقديرية للحرب لا سبيل لحصرها، تركتها قوات الحلفاء غير محددة، لكن لم يكن ثمة شك في أن ألمانيا ستتحمل ضرائب ثقيلة تضطر بموجبها بادئ ذي بدء إلى تسليم أسطولها التجاري بالكامل، وجميع ممتلكات مواطنيها الخاصة في الدول الأجنبية لقوات الحلفاء، إضافة إلى مبالغ طائلة من النقود نقدًا وذهبًا.

أوزار الحرب

أدرجت قوات الحلفاء في المعاهدة فقرة عن معاقبة ألمانيا كمبرر للتعويضات الهائلة التي حكمت بها على ألمانيا. وتحسبًا لإغفال أي طرف لسبب هذه التعويضات؛ جاءت الفقرة ٢٣١ من المعاهدة كالتالي: تؤكد قوات الحلفاء وحكومات الدول المشاركة، وألمانيا توافق، على مسئولية ألمانيا وحلفائها عن التسبب في كافة الخسائر والأضرار التي تكبدتها دول الحلفاء والدول المشاركة والمواطنون التابعون لها نتيجة للحرب التي فرضها عليها عدوان ألمانيا وحلفائها.
وكان هذا يعني أن الشعب الألماني تحمَّلَ وحده - ووحده تمامًا - المسئولية عن الحرب الأكثر دمارًا في التاريخ، رغم الأسباب المختلفة التي أدَّتْ إلى نشوب الحرب، ورغم تبرؤ الشعب الألماني من القيصر وتأسيس ديمقراطية برلمانية.
حتى قبل التوقيع على معاهدة فرساي، كانت ثمة اعتراضات عليها في بريطانيا مِنْ قِبَل قلة من المنشقين. فانتقدت الأحزاب المعارضة للحكومة - حزب العمال والحزب المستقل - وثيقةَ المعاهدة بوصفها وثيقة سياسية بصورة شرسة؛ إذ كان لعدد من أعضاء حزب العمال البريطاني علاقات بالطبقة الألمانية العاملة، ومن ثم أدانوا المعاهدة التي ارتأوا أنها معاهدة عقوبية بالأساس. والأكثر أهمية من ذلك النقدُ البليغ اللاذع للمعاهدة الذي نشره عام ١٩١٩ رجل الاقتصاد جون ماينارد كينز، مسئول الخزانة البريطانية السابق والعضو الممثل لبريطانيا في مؤتمر باريس للسلام، والذي استقال احتجاجًا على شروط المعاهدة الاقتصادية. فندَّد كينز في كتابه «العواقب الاقتصادية للسلام» بالمعاهدة وصانعيها، وقد كان نقده أقل حدة على الإطلاق مع رئيس الوزراء لويد جورج، الذي رأى أنه تأخر كثيرًا في توجهه نحو الاعتدال، بينما وصف ويلسون بأنه رجل مثير للشفقة «يفتقر إلى المعلومات، بطيء الاستجابة، غير قادر على التكيف مع تغير الظروف.» وأضاف كينز أن ويلسون «لم تكن لديه خطة، أو برنامج، أو أي أفكار بنَّاءة من أي نوع لتجسيد الوصايا التي ظلَّ يَصْدع بها في البيت الأبيض.» أما الجزء الأكبر من تهكمه، فوجَّهه إلى كليمنصو، الذي كان يعتبر الشئون الأوروبية وكأنها «مباراة ملاكمة محترفين لا تنتهي؛ فازت فرنسا بهذه الجولة منها، لكنها بالطبع ليست الجولة الأخيرة.» وفقًا لكينز، لم يقتصر مسعى رئيس الوزراء الفرنسي على الثأر من عدو حربٍ فحسب، بل سعى إلى تدمير منافس سياسي واقتصادي تدميرًا فعليًّا؛ فكان «ينظر للمسألة كشأن خاصٍّ بين فرنسا وألمانيا، لا كقضية إنسانية وقضية تتعلق بصراع الحضارة الأوروبية لإرساء نظام عالمي جديد.» ومن ثم - من منظور كينز - كان مستقبل أوروبا بأسرها - وليس أقل من ذلك - على المحك.
تركَّزَتْ قوة هجوم كينز تحديدًا على الفقرات المتصلة بتعويضات الحرب من المعاهدة؛ إذ عارض عدم تحديد قيمة للتعويضات يتم الاتفاق عليها، وقال في ذلك إنه لم تكن هناك قط معاهدة تمنح طرفًا فيها سلطة التصرف المطلق: من الواضح أن ما تمتعت به ألمانيا قبل الحرب من قدرات مادية تكفي لسداد إتاوة سنويًّا للخارج؛ قد تأثرت بخسارتها شبه الكاملة لمستعمراتها وصلاتها بالخارج، وبضياع أسطولها التجاري وأملاكها الخارجية، وبتنازلها عن عشرة بالمائة من أراضيها وسكانها، وعن ثلث مناجمها من الفحم، وثلاثة أرباع مناجمها من الحديد الخام، وبخسارة مليونين من أبنائها في مقتبل العمر ما بين جريح وقتيل، وبتجويع شعبها لأربع سنوات، وبأعباء ديون الحرب الهائلة، وبانخفاض قيمة عملتها إلى أقل من سُبع قيمتها السابقة، وبتمزق حلفائها وتشتت أراضيهم، وباندلاع ثورة داخل أرضها، وتهديد البلشفية لها على حدودها، وبدمار قوتها الذي لا يُعَد ولا يُحصى، وبأربع سنوات من الأمل في الانتصار بحرب ابتلعت كل شيء مُنِيَتْ فيها بالهزيمة في النهاية.
وقال كينز بأن أغلب تقديرات حجم التعويضات الهائلة المفروضة على ألمانيا قامت على افتراض خاطئ بأن ألمانيا ستكون مستقبلًا في موقع لإدارة تجارة أكبر من أي وقت مضى.
وكان مما أثار قلق كينز أيضًا، أن بريطانيا لم يسبق لها مِنْ قَبْل أن فرضت تعويضات واسعة المدى كهذه؛ إذ وفقًا للاتفاقية، خُوِّل للجنة التعويضاتِ الحصول على خمسة مليارات دولار أمريكي من ألمانيا في أي صورة (نقود سائلة، أملاك، مواد خام) بحلول مايو من عام ١٩٢١. وكما قال كينز معترضًا «فإن هذا الشرط أوكل إلى لجنة التعويضات سلطات ديكتاتورية للفترة سالفة الذكر تتحكم بها في جميع أملاك ألمانيا بأي صورة كانت.» لكن تبيَّن أن هذا ليس إلا أول فاتورة تدفعها ألمانيا من قائمة ديون ضخمة وغير واقعية تدين بها لقوات الحلفاء، كما توقَّع كينز أن تشهد ألمانيا فترة كساد اقتصاديٍّ كبير نتيجة للمعاهدة، يفقد على أثرها الكثيرون وظائفهم، ويهلك بسببها الكثيرون بما سببته خطط قوات الحلفاء للسلام من تضييق للخناق على اقتصاد جمهورية فايمار.
بدا بالفعل لكينز أن صانعي السلام قد سعوا عامدين إلى تدمير ألمانيا، فيقول: «البنود الاقتصادية بالمعاهدة شاملة، ولم يُغَض الطرف بها عن أي شيء قد يتسبب في إفقار ألمانيا في وقتنا الراهن أو يعرقل تقدمها في المستقبل.» وفي النهاية نوَّه كينز إلى أن مصير ألمانيا مرتبط بمصير أوروبا، ومع تعجيزها بالديون سيعاني الاقتصاد الأوروبي بأسره. لقد كانت نظرته المستقبلية الرسمية شديدة التشاؤم؛ إذ قال: «نحن بصدد أن نشهد أوروبا وهي في حالة من العجز تنتشر فيها البطالة والفوضى؛ تمزقها النزاعات الداخلية والكراهية بين دولها، ويسودها الحروب والجوع والسلب والنهب والكذب.»

خطأ

رغم أن طرح كينز اتسم بالمغالاة وخضع للمراجعة في وقت لاحق، فإنه استطاع أن يغير من اتجاه الرأي العام في بريطانيا، فهدم كتابُه في نهاية المطاف إيمانَ البريطانيين بالمعاهدة وبنزاهة الحرب في حد ذاتها، وأطلق عاصفة من المعارضة لشروط السلام. وبعدما كان البريطانيون في أوج فرحتهم بالنصر وشعورهم بنشوة الثأر، تولد لدى الشعب البريطاني شعور بالخوف والذنب مما صنعته أيديهم، وساد شعور بالخوف من أن تواجه بريطانيا نفسها مصاعب اقتصادية بسب شروط المعاهدة. كما أن لندن آنذاك كان لديها مخاوف من عدو جديد يُحتمَل أن يفوق ألمانيا خطورة؛ ألا وهو الاتحاد السوفييتي، بل وتخوفت بريطانيا من أن يدفع فرضُ المعاهدة ألمانيا إلى اللجوء إلى البلشفيين. كما ساور العديدَ من الإنجليز شعورٌ بتأنيب الضمير حيال المعاهدة، بعدما بث فيهم كينز مخاوف حيال الاستيلاء على أراضٍ تابعة لألمانيا مع مطالبتها بتعويضات عن تكاليف الحرب؛ فهل كان يصح فرض هذه الصعوبات على بلد دمرته الحرب بالفعل؟ لقد كان البريطانيون قديمًا بطبعهم أكثر تسامحًا، كما دفعت رغبةُ الفرنسيين الانتقامية الشديدة الكثيرَ من البريطانيين إلى التعاطف مع ألمانيا، وبالطبع سعت ألمانيا إلى استغلال هذا التعاطف بإطلاق حملة دعائية هائلة في بريطانيا العظمى، لم تؤدِّ - رغم أنها أحدثت أثرًا - إلَّا إلى زيادة الشكوك القوية بالفعل حيال أخلاقية شروط معاهدة السلام. وخلال جيل من الزمن توصَّل العديد من الفرنسيين إلى النتيجة ذاتها.
وبعيدًا عن تلك الأحكام على وجه الخصوص، بدأ استياء البريطانيين يتزايد من المبدأ الرئيسي الذي قامت عليه معاهدة السلام، وهو أن ألمانيا كانت المسئول الوحيد عن اندلاع الحرب؛ حيث رأى الكثيرون أن ألمانيا أو أي دولة أخرى لم تكن هي المتسبب في الحرب، بل كانت الحرب وليدة فعل غير مخطط له مسبقًا مِنْ قِبَل جميع المتورطين بها. وقد قال ديفيد لويد جورج - بعد أربعة عشر عامًا من الجلوس على مائدة المفاوضات حول شروط معاهدة فرساي - بأن الحرب العالمية الأولى كانت خطأً، فيقول: بعد دراسة جميع الوثائق المتاحة من كل الأطراف بإمعان وعناية، توصلت إلى يقين بأن قيصر ألمانيا لم تكن لديه أدنى فكرة أنه ينجرف - أو يُستدرَج إلى الانجراف - في حرب أوروبية … ولم يتوقع خوض حرب باهظة الثمن، بل توقع نصرًا دبلوماسيًّا زهيدًا.
وفي النهاية، فشلت المفاوضات بسبب جميع الأطراف التي شاركت في توجيهها، وكما قال ديفيد لويد جورج: «إن الحرب كان يجب تلافيها، وكان ذلك ممكنًا.» وبحلول عام ١٩٣٧، لم يَعُدْ يخالفه الكثيرون الرأيَ في أوروبا، بل وحتى في أمريكا.
منبع مقاله : راسخون2017