الطائفية والمواطنة في لبنان



 

شغل موضوع المشاركة السياسية جدلاَ واسعاَ في الأوساط الفكرية والثقافية والاجتماعية على الصعيد العالمي بالترافق مع صعود حركة حقوق الإنسان ومقولة المجتمع المدني, إلى المطالبة بالمساواة والحق في المشاركة السياسية والاجتماعية وغير ذلك من المقولات, وكذلك ترك هذا الموضوع سجالاًَ واسعاَ على المستوى العربي والإسلامي بعد تقسيمهما إلى كيانات سياسية ذات أطر وحدود جغرافية مرسومة, ما ترك إشكاليات كثيرة حول مفهوم الوطن والمواطنة, وكيفية المشاركة في مجتمعات تحكمها أديان وإثنيات واتجاهات ثقافية متعددة.
وبات السؤال الأكثر إلحاحاًَ حول إمكانية إقتراب فكرة المواطنة من المشترك الإنساني ببعدها الكوني والحقوقي, خصوصاً في عصر العولمة حيث تسعى الشعوب إلى تجاوز الحدود الجغرافية باعتبارها أمراً اعتبارياً لا يصمد أمام ما تفرضه الإتفاقيات بين الدول أو أمام الغزو الثقافي لأصحاب التسلط والهيمنة, ما يطرح إشكالية مزدوجة , فهل من الممكن الحفاظ على مفهوم المواطنة في خصوصيات الثقافات والكينونات والطوائف ضمن الإقليم الواحد ؟ وهل بات من الممكن أيضاً الحفاظ على هذا المفهوم الضيق للمواطنة ضمن الإقليم الواحد بينما أن نفس هذا المفهوم آخذ بالتوسع والتشكل بما يتلاءم مع مفهوم المواطنة العالمي؟
ثم إذا نظرنا إلى المواطنة باعتبارها فكرة متطورة عبر الزمان, من أبسط ما تعنيه هذه المفردة ـ الولاء للمكان الذي ولد وعاش فيه الإنسان ـ إلى المعنى الجديد الذي ارتبط بقيام الدولة الحديثة ـ , وحاولنا التوفيق بين مقتضيات المواطنة وشرعنة هذا المفهوم، سنجد وللوهلة الأولى أنه يتعارض مع مفاهيم دينية أصيلة كمفهوم الانتساب إلى الأمة ومقتضيات ذلك من مسؤولية الإنسان في حمل آمال وهموم المسلمين والمستضعفين في العالم انتهاء بالاستخلاف الإلهي في الأرض.
كل ما تقدم يطرح الأسئلة التالية :
ما هو موقف المسلمين من المشاركة السياسية بعد بروز كيانات سياسية جديدة ؟
هل يمكن إقامة المواطنة في مجتمع تعددي كلبنان ؟
ما مدى قدسية مفهوم المواطنة في لبنان؟ وما هي المنطلقات التي يستند إليها المفكرون في تبرير تأييد فكرة تطبيق مبدأ المواطنة أو عدمها؟
انطلاقاً من أهمية الموضوع ارتأى منتدى الفكر اللبناني أن يقدم مجموعة من المقالات البحثية بأقلام نخبة من المفكرين والباحثين والتي تسلط الضوء على أسئلة شديدة الإلحاح في الساحة الفكرية والثقافية.
وإذ يشكر منتدى الفكر اللبناني المفكرين والباحثين الذين أثروا بأقلامهم هذا الموضوع, وكل الذين ساعدوا في انجاز هذا الكتاب, يأمل أن يكون قد ساهم بتواضع في تقديم إجابات عن الأسئلة المطروحة.
يمكن تعريف المواطنية بأنها حالة يضمنها العرف والقانون يحق بموجبها لأعضاء المجتمع تسيير الشأن العام على قدم المساواة وفي كنف الحرية.
ولو تتبعنا تاريخ فكرة المواطنية لرأينا أنها عُرفت في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد لتشكل أرستقراطية مدنية، لأنها كانت تستثني النساء والعبيد والأجانب والأطفال أي أغلبية المجتمع. لقد أُسند مفهوم المواطنية إلى قيم وحُددت له غايات. فقد كانت أثينا القديمة تسنده إلى الآلهة والأساطير وروما القديمة إلى روح القانون وجوهره وتعيده دويلات القرون الوسطى إلى متطلبات الحريات الجديدة والثورة الفرنسية إلى قيم ثلاث: "الحرية، المساواة، الإخاء". ولم تكن المواطنية حقوقاً تُمنح للمواطنين وواجبات تقع على عاتقهم إلا لأنهم يشعرون بأنهم أعضاء في مجتمع توجهه قيم مشتركة، حتى وإن كانت غير مجمع عليها.
وظل وتميّزت المواطنية بالحركة والتطوّر. وهذا ما يتبين من مسيرتها التاريخية التي تشير إلى أن كل مرحلة قدمت مساهمة أغنت مفهومها رغم وجود فترات شهدت فيها انحسار هذا المفهوم. كما شهدت تناقضات ناشئة عنه. نذكر هنا تفجّر التناقضات الاجتماعية وبأشكال عنيفة في فترة الثورة الفرنسية في الوقت نفسه الذي عرف فيه مفهوم المواطنية تألقه وشموله.
لذا كتب جان جاك روسو: "يأخذ المشاركون (في المجتمع) كمجموعة اسم الشعب ويسمى المشاركون في السلطة السياسية مواطنين ويسمون رعية لخضوعهم لقوانين الدولة. هذه الكلمات رعية، سيد، مواطن هي واحدة".
ويرى بعضهم أن المواطنية مثل الديمقراطية والمجتمع نتاج المتناقضات والتسويات، المنازعات والتوافق، قيم مشتركة ومجابهات، أفكار تتكافل وتتعارض.
ومع ذلك يبقى تعريف المواطنية عملاً يبتعد عنه غالبية الكتاب معتبرين أن كل التعاريف أو المقاربات أكانت قانونية أم سياسية أم اجتماعية أم تاريخية أم فلسفية تواجه إشكاليات تتعلق بخصائص هذا المفهوم.
فمن المنظور السياسي ليست المواطنية مجرد ممارسة لحق الانتخاب، فالمواطن بمقتضى المواطنية يتمتع بحقوق تخوله ممارسة أفعال سياسية مثل حق الإضراب الذي اعتبره المجلس الدستوري الفرنسي حقاً له الصفة الدستورية مثل مبدأ استمرارية الخدمة العامة، والتظاهر وتشكيل أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات. لذا يعتبر العمل النقابي على أنه المواطنية في المشاريع كما النشاطات الاجتماعية – السياسية الذي يعبر عن آرائه بكل الوسائل التي تندرج تحت مبدأ الحريات العامة والخاصة.
من المنظور العام ليست المواطنية محصورة في المجال السياسي وممارسة الحقوق الوطنية فهي تشمل كل المجالات التي تخصّ الحياة الاجتماعية ومنها علاقات العمل التي أخذت أبعاداً جديدة بعد ازدياد أعداد العمال والمواطنين، فالاختيارات التي تطال السياسة الاقتصادية تؤثر تأثيراً واضحاً في المواطنية.
كما أن اتساع اللامساواة والفوارق الاجتماعية وظاهرة تهميش أعداد كبيرة جداً من المواطنين تجعل مفهوم المواطنية بلا معنى بالنسبة لهؤلاء. ونذكر هنا تهميش المواطنين الفرنسيين من أصول مهاجرة وما يترتب على ذلك من صعوبات في الاندماج في المجتمع وفي مشاكل متفجرة تنتظر الفرص المناسبة للتعبير عنها وتصل غالباً إلى مجابهات عنيفة ومطالبات مستمرة بالمواطنية الكاملة وصولاً إلى المشروعية الديمقراطية السلطة السياسية ومركز النشاط الاقتصادي وتخصصه.

التطوّر التاريخي للكيان اللبناني

لا يمكننا الكلام عن المواطنية في لبنان دون إبراز التطور التاريخي للكيان اللبناني انطلاقاً من صورة فخر الدين في المخيلة التاريخية الجماعية لدى جماعة من اللبنانيين كأسطورة تأسيسية للبنان الحديث.
بينما الواقع هو أن الأمير في توسعه لم يطمح إطلاقاً إلى تحقيق مخطط معين لجمع المناطق اللبنانية في دولة موحدة بل كان فقط يستغل ضعف الدولة العثمانية للانطلاق إلى أماكن من المناطق الشامية النائية كعنجر مثلاً.
ولعل هذا الواقع الذي يتميز بتوسع العصبية المحلية انطلاقاً من قانون التغلب وولاية الأطراف هو الذي يفسح في المجال لتأويل مفتوح قادر على رؤية مشروع فخر الدين مشروعاً مطاطاً يتسع ويضيق في الإطار السلطوي العثماني. ويعد انهيار السلطنة العثمانية وتدخل الدول الكبرى تأثر لبنان بالانتداب الفرنسي الذي رسم مستقبل لبنان السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع ربطه بالاقتصاد الفرنسي عن طريق زراعة التوت لتأمين المواد الخام للمصانع الفرنسية في مدينة "ليون" الفرنسية. ومن الوجهة السياسية شجعت السلطة المنتدبة التعاون بين الطوائف لا سيما الموارنة والسنة وقيام تجربة ديمقراطية فريدة عانت وما زالت من التناقض الطوائفي ومن تجربة الديمقراطية التوافقية التي تشل المبدأ الذي تقوم عليه الممارسة الديمقراطية بين أكثرية وأقلية.
إذاً علام يقوم النظام اللبناني؟ هل هو نظام مواطنية، يقوم على مبدأ الحق الطبيعي، والعقد الاجتماعي والرابطة الوجودية أم هو، بالأحرى، نظام طائفي؟
إن السلطة في لبنان تقوم على نظام طوائفي، تعاقبي، دوري، يقوم على مبدأ العقد الطوائفي، ما يضرب الأساس الطبيعي للنظام الديمقراطي والإيديولوجيات الطائفية، في لبنان، مترسخة في التربية والاجتماع، فضلاً عن السياسة والاقتصاد كما لو كانت إيديولوجيات تكوينية، قدرية، بينما الفرد، أساس المواطنية، لا حضور له ولا وجود له إلا في إطار الجماعة الطائفية.
فما هي جذور الظاهرة الطائفية في لبنان؟ وعلاقتها به؟ والعوائق التي تخلقها لعدم بناء الدولة الحديثة، دولة المواطن؟
الجذور التاريخية للطائفية: بدأ بروز الطائفية في تاريخ لبنان الحديث بالترابط مع تصاعد الصراع الخارجي بين السلطنة العثمانية المسيطرة على لبنان والمنطقة، وبين تغلغل الدول الأوروبية التي بلغ التطور الرأسمالي فيها مرحلة متقدمة حملت معها الصراع للسيطرة على بلدان وشعوب وأسواق أخرى وإعادة اقتسام العالم. وفي هذا الإطار طرحت المسألة الشرقية: اقتسام تركة الرجل المريض المتمثل بالسلطنة العثمانية.
ألف- نظام القائمقاميتين: 1840-1860. كانت أولى نتائج هذا الصراع استخدام التعدد الطائفي وإثارة الحساسيات لطمس الصراع الطبقي الذي تجلى بالعاميات الشعبية الفلاحية ولإقامة نظام القائمقاميتين، واحدة يسيطر عليها الدروز على جنوب خط الشام، والأخرى للمسيحيين.
انتهت هذه المرحلة بمواجهة الثورة الفلاحية (طانيوس شاهين) بأحداث فتنة طائفية عام 1859-1860. وقد برزت أغراض التدخلات الخارجية وتصاعدها واستخدامها الطوائف والمذاهب داخلياً في بروتوكول 1861-1864.
ب- نظام المتصرفية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى: 1861-1919. أعطى الدول الأوروبية، بحجة حماية الطوائف، دوراً مباشراً في الداخل اللبناني. فرنسا ترعى الطائفة المارونية، روسيا الأورثوذكس، النمسا الكاثوليك، وانكلترا الدروز... الخ. وتبقى الطائفتان السنية والشيعية تحت رعاية وسلطة تركيا. وقد أُنشئت على هذا الأساس متصرفية جبل لبنان، مع لحظ مراعاة الطوائف في نظامها ومجلسه.
ج- مرحلة الانتداب الفرنسي: 1920-1943: تم تقسيم وتقاسم المنطقة وفقاً لاتفاق "سايكس بيكو".
ومع بدء الانتداب الفرنسي وإعلان لبنان الكبير بحدوده الراهنة عام 1920، برزت مراعاة الطوائف في تركيبة المجالس لكن دون اعتماد توزيع المواقع الرئيسة على طوائف محدّدة.
دستور 1926 لم يتضمن نصاً يحدد التوزيع الطائفي رغم تضمنه مسألة مراعاة الطوائف في المجالس. "كان شارل دباس الأرثوذكسي رئيساً للجمهورية، ثم أيوب ثابت الإنجيلي".
بالإضافة إلى تثبيت الطائفية في المجالس التمثيلية، قام الانتداب بتثبيت عناصر التبعية في البنية الاقتصادية - الاجتماعية.
د- مرحلة الاستقلال: كان التوافق الذي جرى عام 1943 بين ممثلي طوائف (الميثاق الوطني والصيغة)، والذي أوجد عرفاً (اتفاقاً غير مكتوب)، بتوزيع المناصب الرئيسة للسلطة على أساس طائفي، مرتبطاً بحالة ظرفية ومؤقتة بهدف نيل الاستقلال، وتمهيداً لبناء الدولة المستقلة، (كلمة رياض الصلح) لكن البقاء على البنية نفسها للسلطة، وترسيخها في النظام القائم، أبقى الدولة والاستقلال في دائرة الحالة الظرفية رغم الإقرار بسلبياتها الكبيرة على الدولة والوطن والمجتمع. (المادة 95 من الدستور نصّت على اعتبار أن الطائفية مؤقتة). (الحالة الظرفية تتمثل في موقف فريق من المسيحيين يتمسك ببقاء فرنسا، وبمناداة
فريق من المسلمين بالانضمام إلى سوريا، فكان الاتفاق على الميثاق والصيغة تحت عنوان طمأنة المسيحيين سبيلاً مسهلاً للاستقلال). كانت الكوتا الطائفية حتى عام 1989 (الطائف) على أساس إعطاء المسيحيين نسبة 7 على 6 للمسلمين في مؤسسات الدولة.
أحداث 1958 والحرب الأهلية 1975: لقد أدت الانقسامات التي جرى فيها استخدام الطائفية في ظل تصاعد أزمات النظام داخلياً واحتدام الصراع العربي الإسرائيلي وتقدم مشروع أيزنهاور الذي أجج الصراع الطائفي في عام 1958 والأحداث اللبنانية الفلسطينية عام 1969 ما أدى إلى إشعال الحرب الأهلية التي تفجّرت عام 1975، والتي تداخلت فيها العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية لزيادة طابعها التدميري. وقد كشفت هذه الحرب مدى الضرر والخطر الذي ينجم عن الطائفية على الشعب والوطن.
هـ - اتفاق الطائف 1989: أقر المناصفة بين ممثلي المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي والحكومة، وموظفي الفئة الأولى. رغم ما جاء في اتفاق الطائف الذي أصبح في صلب الدستور اللبناني، من ضرورة تشكيل هيئة وطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية، وضرورة انتخاب أعضاء المجلس النيابي الثاني خارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس شيوخ للطوائف، فإنه كرّس بالنص التقاسم الطائفي والمذهبي للمواقع الرئيسة للدولة. استتبع ذلك الممارسات السلطوية التي طغى عليها طابع المحاصصة الطائفية والفئوية، وترسيخ وتفشي الطائفية في الدولة والمجتمع. ولم يجرِ تشكيل الهيئة الوطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية، ولا انتخاب أعضاء المجلس النيابي الثاني بعد الأول القائم على المناصفة، خارج القيد الطائفي.
الايدولوجيا الطائفية: أدى تفشي الايدولوجيا الطائفية والانطلاق منها في النظر إلى تكوين الدولة ومؤسساتها وفي المجالات السياسية والتربوية والإعلامية وفي الموقف من الانتماء الوطني والقومي، بالإضافة إلى التنافس على المحاصصة ومواقع النفوذ، أدى إلى نشوء حالة من التناقض يستحيل معها تثبيت التوازنات الطائفية، وجعل الخلل هو السائد فيها منعكساً سلبياً على مجمل الحياة السياسية وعلى الاستقرار والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومكّن ويُمكّن من تحويل معظم القضايا والمشكلات التي يواجهها شعبنا وبلدنا إلى معضلات كثيراً ما تصل إلى تشنجات وانقسامات طائفية عمودية تهدد وحدة الشعب والوطن.
المصدر: راسخون 2017