تواجد المرأة في ميدان السياسة

سودة بنت عمار بن الأسك الهمداني قصتها من القصص المعروفة والخاصة في التاريخ ، كانت تتمتع بذكاء اجتماعي ، وكذلك كانت تعتبر المشاركة في ميدان السياسة وظيفتها . لم تكن تفكر في إخراج بساطها من الماء ، لم تكن
Wednesday, February 21, 2018
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
موارد بیشتر برای شما
تواجد المرأة في ميدان السياسة
 تواجد المرأة في ميدان السياسة

سودة بنت عمار بن الأسك الهمداني قصتها من القصص المعروفة والخاصة في التاريخ ، كانت تتمتع بذكاء اجتماعي ، وكذلك كانت تعتبر المشاركة في ميدان السياسة وظيفتها . لم تكن تفكر في إخراج بساطها من الماء ، لم تكن تفكر في الخوف من حكومة الأمويين ، أو تكتفي بحل مشكلتها خاصة وتقول : ما دمت وصلت المقصد فما شأني بالآخرين الذين ضلوا في الطريق . أساس هذه القصة ذكر بشكل مفصل في كتب التاريخ ، ونبينها هنا بصورة إجمالية حتى يتبين ان التفكير السياسي هذا والتواجد في المسائل الجماعية تنتفع به النساء أيضاً كما ينتفع به الرجال .
إن الاعلام بشأن الأشخاص مؤثر جداً . وسر ان أبا ذر ـ رضوان الله عليه ـ اشتهر من حيث الكفاح هو لأن كفاحه القولي والعملي مدون في الكتب ويطرح في المحاضرات ، وعرض عدة مرات بشكل افلام وغيرها ، كان هناك نساء كأبي ذر ، كان لهن تواجد في ساحة الحرب ويستعملن آيات من القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتشجيع القوات المقاتلة ، كان لديهن اطلاع جيد في آيات القرآن ويتلون الآيات في محلها ، ويستفدن منها كدليل وكن يتمتعن بحضور ذهني في القرآن بحيث كن يستفدن من الآيات ليس في زمن القوة فقط بل في زمن الضعف آيضاً ويعترضن مثل أبي ذر ، كما كن يدافعن عند الشجاعة مثل مالك الأشتر .
لو أن الأعمال التي قامت بها النساء على نمط أبي ذر في الحروب والميادين السياسية في لاإسلام ، قيلت عشرات المرات ، وتحولت في شكل فيلم اعلامي وكتبت عشرات الكتب في ذلك المجال ، لكان قد تحدد عند ذلك ان النساء كانت مثل أبي ذر ومالك الأشتر في تقدم المسائل العسكرية في صدر الإسلام .
إن مثل هذه النشاطات للنساء في صدر الإسلام كثيرة في حالات السراء والضراء ، حيث نشير في هذا القسم إلى بعض الأمثلة حتى يتبين النبوغ الفكري للنساء وتواجدهن في الميادين السياسية والدفاع .
ذكر في التاريخ ان مرأة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضت كلامها وأخذت نتيجة ، وان امرأة دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وأخذت نتيجة .
قضية حضورة سودة في بلاط معاوية :
استأذنت على معاوية بن أبي سفيان فاذن لها . دخلت عليه قال : هيه يا بنت الأسك ألست القائلة يوم صفين :
شعـر كفعـل أبيك يا ابن عمارة ***يــوم الطعـان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسيـن ورهطه ***واقصد لهنــد وابنهـا بهـوان
إن الإمـام أخــو النبـي محمد ***علـــم الهـدى ومنارة الايمان
فقـد الجيوش وسر أمام لوائه *** قــدمـاً بأبيـض صارم وسنان
قالت : أي والله ما مثلي من رغب عن الحق واعتذر بالكذب ، قال لها : فما حملك على ذلك ؟ قالت : حب علي عليه السلام واتباع الحق ، قال فوالله لا أرى عليك من أثر علي عليه السلام . قالت أنشد الله يا أمير المؤمنين واعادة ما مضى وتذكر ما قد نسي : قال هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك قالت : صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء :
وان صخرا لتــأتـم الهــداة بــه ***كــأنــه علـم في رأســه نــار

قال : صدقت لقد كان كذلك ، قالت مات الرأس وبتر الذنب وبالله أسال أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه . قال قد فعلت فما جاجتك ؟ قالت : إنك أصبحت للنسا سيداً ولأمرهم متقلداً والله سائلك من أمرنا ما افترض عليك من حقنا ولا يزال يقدم علينا من بنوء بعزك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ويسومنا الخسيسة ويسلبنا الجليلة .
هذا بسر بن أرطأة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي . يقول لي : فوهي بما استعصهم الله منه والجأ إليه فيه ( لعل المراد سب علي عليه السلام ) ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته عنا فشكرناك ، وإما لا فعر فناك . فقال معاوية : اتهدديني بقومك لقد هممت ان أحملك على قتب أشرس فاردك إليه ينفذ فيك حكمه . فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول :
صلّى الإلــه على جسم تضمـه *** قبر فـأصبح فه العـدل مـدفـوناً
قد حالف الحق لا يبغي بـه بـدلاً *** فصار بالحـق والايمان مقـرونـا
قال لها ومن ذاك : قالت : علي بن أبي طالب ، قال : وما صنع بك حتى صار عندك كذلك ؟ قالت : قدمت عليه في رجل ولاء صدقتنا مكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين ، فأتيت علياً لاشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائماً يصلي فلما نظر إلى انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف : الك حاجة ؟ فأخبرته الخبر فبكى ثم قال : اللهم إنك أنت الشاهد عليّ وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الل خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ .
إذا قرآت كتابي فاحتفظ بما في يديك من علمنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام . فأخذته منه ، فوالله ما حتمه بطين ولا خزمه بخزام ، فقرأته . فقال لها : لقد لمظلكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئاً ما تفطمون . اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها قالت إلي خاصة أم لقومي عامة ؟ قال : ما أنت وقومك ؟ قالت : هي والله إذن الفحشاء ان كان عدلاً شاملاً وإلا فأنا كسائر قومي . قال : اكتبوا لها ولقومها .
يستفاد من هذا النموذج : أنه كما أنه حضور المرأة في محضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أثمر ثماراً كثيرة فان حضور المرأة في محضر أمير المؤمنين عليه السلام تضمن هذه الثمار أيضاً . وثانياً : أن تواجد المرأة في المسائل الاجتماعية والسياسية هو مثل الرجل ، وثالثاً : ان المرأة تستطيع مراجعة محاكم حكام الجور من أجل استحقاق الحق الضائع وتستطيع ان تكون حامي حقوق الآخرين ، بل هي موظفة أن تعتبر الدفاع عن حقوق الآخرين معروفاً والدفاع عن حقوق الأشخاص بمعزل عن حقوق المجتمع بمثابة منكر . إذا اعتبر تواجد جميع الرجال المؤمنين في الساحة لازماً في الآية :
( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) (1) .
فإن إطلاق وسياق هذه الآية وتنقيح مناطها ، يدين المرأة والرجل معاً ويعتبر هذا الحكم قابلاً للتنفيذ لكليهما .
بناء على هذا ، كان النموذج الأول ، تواجد المرأة في ميدان الشهادة ، والنموذج الثاني تواجد المرأة في ميدان السياسة والتضحية . الكلام الذي يقوله القادة الإلهيون لم يصدر للرجال فقط ولا أن قبوله خاص بالرجال ، وفي صدر الإسلام لم يكن الرجال سابقين في هذا النوع من المسائل .
وفي ما يتعلق بالحوادث التي وقعت للثورة الإسلامية ، نتذكر هذا الموضع من كلام الإمام ـ رضوان الله عليه ـ . ومن كلام سائر المسؤولين لأن رسالة الدين هي ان التواجد في الساحة السياسية ، الاجتماعية يكون وظيفة مشتركة للمرأة والرجل ، ومع هذه الرؤية والتفكير ، لا يقول شخص : يجب أن لا تراجع المرأة جهاز المسؤولين وتسترد حقوق المجتمع لأن إيمانها قليل ، أو عقلها ناقص .
عمة رسول الله والتواجد في الساحة :
كانت عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنت عبد المطلب بن هاشم تشجع اينها في نصرة دين الله ، علاوة على أنها آمنت كما آمن أخوها حمزة ، وكانت تتمتع بأدبيات رفيعة حيث نظمت شعراً وقطعة أدبية جيدة في رثاء أبيها وعاشت عمرها بكرامة ، حتى توفيت في عهد عمر (2) .
إن خلاصة حياة هذه المرأة تدل على انها كانت ترى نفسها مسؤولة مثل حمزة سيد الشهداء ولم تكتف بإسلامها فقط ، فإذا كان حمزة سيد الشهداء استشهد فان هذه المرأة كانت تشجع ابنها على التواجد في جبهات نصرة الدين . يمكن أن تقول الأم لولدها أن لا يذهب إلى الجبهة بسبب العاطفة أو لا تشترك في الجبهة ولكن الأم الملتزمة المؤمنة تشجع ابنها على الذهاب إلى الجبهة وتواجد هذه المرأة في ميدان السياسة يظهر عندما تشجع ابنها لينصر دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وأشير في البحوث السابقة إلى أن نصرة الدين في صدر الإسلام لم تكن عملاً سهلاً ، ففي بعض الحالات كانت تعتبر النصرة باللسان بمثابة نصرة حربية ، في ذلك الوقت عندما كان الأعداء كثيرين والأصدقاء قليلين وبتعبير القرآن الكريم :
( تخافون ان يتخطفكم الناس ) (3) ..
إذا كان الشخص ينصر الدين باللسان فكأنه يريد نصرة الدين مسلحاً ، كانت النصرة باللسان خطراً ، وكانت هذه المرأة تشجع ابنها على أن يدافع عن دين النبي كما كانت تتمتع بأدب جيد حيث أمرها عبد المطلب وسائر إخواتها بأن ينظمن شعراً في رثاثة قبل وفاته حتى يختبر ذوقهن الأدبي ، وقد سعت هذه النساء إلى تربية ابنائهن بهذا الذوق الأدبي ، وقد انشدت هذه المرأة قطعة أدبية قي رثاء أبيها عبد المطلب في حياته .
بنت الحرث بن عبد المطلب أمام الحكومة الأموية (4) :
نموذج آخر هي بنت الحرث بن عبد المطلب بن هاشم التي كانت معاصرة لمعاوية ، وكانت تدافع عن المدرسة العلوية مثل سائر أصحاب علي عليه السلام . ذات يوم كان معاوية جالساً مع عمرو بن العاص ومروان فدخلت هذه المرأة وكانت كبيرة العمر فسألها معاوية كيف حالكم ؟ قالت نحن نعيش في مراحل نواجه فيها حكومة كفرت بالنعمة وأساءت إلينا ولكن :
( كلمتنا هي العليا ، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو المنصور ، فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسول الله ونحن أقرب إليه منكم ، وكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون وعلي بن أبي طالب عليه السلام كان من نبينا بمنزلة هارون من موسى وغايتنا الجنة وغايتكم النار ) .
قالت هذا الكلام في بلاط معاوية بفصاحة بلاغة ، وقد قيل بشأن هذه المراة انها :
( إذا خطبت أعجزت وإذا تكلمت أوجزت ) (5) . في بداية الخطبة قالت : كلمتنا هي العليا ، لأن :
( وكلمة الله هي العليا ) (6) .
أي أن منطقنا هو منطلق الله وهو عالٍ دائماً ومنتصر ومظفر ( ونبينا هو المنصور ) ، لأن الله تعالى تكلم عن اعتلاء كلمته في القرآن وتكلم أيضاً عن غلبة رسول الله :
( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) (7) .
ثم قالت : ( فوليتم علينا بغير حق ) . وقد عبأت هذه المرأة الخطيبة في هذه الخطبة عدة جمل قرآنية وأحاديث ( كلمتنا هي العليا ) مقتبسة من القرآن . ( نبينا هو المنصور ) مأخوذة أيضاً من القرآن ، وكذلك ( كنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل .. ) مقتبسة من القرآن . وبيان منزلة علي بن أبي طالب عليه السلام مأخوذ من حديث المنزلة .
« أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي (8) ...
إن الحضور الذهني لهذه المرأة بالنسبة لآيات القرآن والاستفادة منها خلال الخطبة والتسلط على الأحاديث واستعمال جمل من الأحاديث خلال الكلام ، دليل على البلوغ الأدبي لهذه المرأة ، ثم قالت في آخر الخطبة (9) :
( وغايتنا الجنة وغايتكم النار ) .
فقام عمرو بن العاص الذي كان جالساً في المجلس باهانتها فأجابت هذه المرأة جواباً شبيهاً بجواب الإمام الثاني الذي ذكره المرحوم الطبرسي في الاحتجاج (10) حيث قالت :
( وأنت يا بن الباغبة تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بغي بمكة وآخذهن للأجرة ادعاك خمسة نفر من قريش ... ) فاعترض مروان فأجابته جواباً مراً ثم التفتت إلى معاوية وقالت :
( والله ما جرأ علي هؤلاء غيرك ) .
فقال معاوية : ( ألك حاجة ؟ هات حاجتك ) قالت : ( مالي إليك حاجة ) وخرجت ، فالتفت معاوية لمن حوله بعد ذهاب هذه المرأة وقال : ( لإن كلمها كلّ من في مجلسي لأجابت كل واحد منهم بجواب خلاف الآخر بلا توقف ) . حيث أن ( نساء بني هاشم أصعب من رجال غيرهم في الكلام ) .
إن امرأة كبيرة في السن تدخل بلاط الأمويين وتدين كل أولئك وتتكلم بجزم ، هذا الأمر يبين التواجد السياسي لامرأة عجوز ، إن نظم الشعر والتكلم ليس دليل تواجد سياسي حتى يتضح المحتوى ، فإذا كان المحتوى رقة ورثاء ، فهذا ليس دليلاً على الحضور السياسي في الساحة ، ولكن إذا كان المحتوى هو استفادة من الآيات السياسية في القرآن والأحاديث السياسية لأهل البيت ، وطريقة التعامل هي إدانه حكام الظلم . فهذا دليل حضور سياسي .
مسألة مهمة أخرى من اللازم لفت النظر إليها هي أن أبا ذر ( رضوان الله عليه ) قام بمثل هذا العمل أيضاً ، ولكن في قضية أبي ذر كتبت رسالات وكتب وعشرات المقالات في مجال الكلام السياسي لأبي ذر رضوان الله عليه ، ولو أن هذه الرسائل الكثيرة والأقوال والمقالات كتبت بشأن التواجد السياسي للمرأة ، عند ذلك لا يقول شخص انه ليس للمرأة حق في المشاركة في المسائل السياسية أو انه لم يكن لها سابقة في التواجد السياسي ، أو ان المرأة إذا كبرت في السن تفقد نضوجها السياسي وغير ذلك . ان سبب شهرة أبي ذر كان كلامه السياسي وتعامله الحاد وقد قامت هذه المرأة بمثل ذلك العمل أيضاً .
ان تواجد المرأة في ميدان السياسة يستفاد جيداً من قضية بنات عبد المطلب والحراث بن عبد المطلب ، وفي هذه الناحية ليس هناك فرق بينهن وبين أبي ذر . ولكن قضية أبي ذر ذكرت مرات وقام عدد من الرجال . بممارسة أسلوبه في التواجد السياسي . ولو أن قضية هاتين الإمرأتين قد ذكرت أيضاً ، لتواجدت كثيرات مثلهن في الساحة .

المصادر :
1- سورة النور ، الآية : 62 .
2- الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ، ص 25 .
3- سورة الأنفال ، الآية : 26 .
4- الدر المنثور في طبقات ربّات الخدور ، ص 25 .
5- الدر المنثور في طبقات ريات الخدور ، ص 25 .
6- سورة التوبة ، الآية : 40 .
7- سورة المجادلة ، الآية : 21 .
8- سورة القصص ، الآية : 3 .
9- سيرة ابن هشام ، ج 2 ، ص 520 .
10- الاحتجاج ، ج 1 ، ص 411 .
 


ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.