
هو : الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. (١) استخلفه مصعب بن الزبير أميرا على الكوفة سنة (٦٧) (٢) للهجرة ، وذلك بعد مقتل المختار بن عبيد الثقفيّ ورجوع مصعب إلى البصرة. وقيل سنة (٦٨) (٣) للهجرة.
وولّاه عبد الله بن الزبير إمارة البصرة لمدّة سنة واحدة ، عزله بعدها. (٤) وعند مرور الحارث بن عبد الله بسوق البصرة ، رآى مكيالا فقال : (إنّ مكيالكم هذا القباع). (٥) فلقبه أهل البصرة ب (القباع). وقال أبو الأسود الدؤلي يهجوه : (٦)
أمير المؤمنين جزيت خيرا / أرحنا من قباع بني المغيره
بلوناه ولمناه فأعيا / علينا ما يمرّ لنا مريره (٧)
على أن الفتى نكح أكول / وولاج مذاهبه كثيره
كأنّا حين جئناه أطعناه / بضبعان تورّط في حضيرة
وكان الحارث بن عبد الله رجلا صالحا ، دينا ، خطيبا بليغا من زعماء قريش ، وكانت أمّه (شجا) حبشيّة ـ نصرانيّة ، تخفى عليه بقائها على دينها القديم ، فلمّا ماتت أمّه ، وجاء الناس لتشييعها ، جاءت إليه جارية من جواريه ، وأخبرته : بأنه وجد (صليب) في رقبة أمه عند تغسيلها ، عندها قال الحارث للناس : (يرحمكم الله ، إنّ لها أهل ملّة ، هم أولى بها منكم) ، فعظّمه الناس بعد ذلك واحترموه. (8) وعند ما جاءت الخوارج إلى الكوفة (في أيّام إمارته) لم يستعد الحارث ويتهيأ لملاقاتهم ، خوفا منه وجبنا ، فلامه الناس ، ثمّ شجعه إبراهيم بن مالك الأشتر لمحاربتهم ، فخرج الحارث متثاقلا حتّى وصل إلى (النخيلة). وفيه قال الشاعر : (9)
إنّ القباع سار سيرا نكرا / يسير يوما ويقيم شهرا
ثمّ أخذ القباع يحث الناس ويعدهم بأنّه سيخرج على أثرهم ، والخوارج يعبثون ، حتّى أنّهم أخذوا امرأة وقتلوا أباها بين يديها ، ثمّ لحقوها بأبيها ، ثمّ جاءوا بامرأة أخرى ، والقباع على مقربة منهم ، والنهر ما بينهم وعليه جسر ، فأخذت تنهزم إلى جانب الخوارج ، عندها قطع القباع الجسر ، وأقام (هو) ما بين (دباها ودبيري) (10) خمسة أيّام ، وهو يقول للناس في كل يوم : (إذا لقيتم العدو غدا فثبّتوا أقدامكم ، واصبروا فإنّ أوّل الحرب الترامي ، ثمّ أشراع الرماح ، ثمّ سلّ السيوف ، فثكلت رجلا أمّه فرّ من الزحف).
فقال بعضهم : أما الصفة فقد سمعناها ، فمتى يقع الفعل؟ وقال الراجز : (11)
إنّ القباع سار سيرا ملسا (12) بين دباها ودبيري خمسا
وبعد أن عاث الخوارج في الكوفة فسادا ، رحلوا عنها ، فرجع القباع اليها.
وكان الحارث بن عبد الله جالسا ذات يوم في مجلس عبد الملك بن مروان فسأله عبد الملك : ما ذا كان يقول الكذّاب فيّ كذا وكذا؟ فقال الحارث : ما كان كذّابا. فقال له يحيى بن الحكم : من أمّك يا حار؟ قال الحارث : هي الّتي تعلم. فقال عبد الملك ليحيى : اسكت فهي أنجب من أمك.
ومن ظريف ما يحكى عن الحارث بن عبد الله ، أنّه ذهب ذات يوم لزيارة أخيه الشاعر (الذائع الصيت) عمر بن أبي ربيعه ، فلم يجده في الدار ، فنام الحارث في فراش عمر ، وغطى وجهه ، فجاءت (الثريا) وألقت بنفسها عليه ، وأخذت تقبله ، فانتبه الحارث وقال لها : (أغربي عنّي ، فلست بالفاسق ، أخزاكما الله).
فلمّا عرفت (الثريا) بأنّ النائم لم يكن (عمر) خرجت مسرعة ، وعند ما عاد عمر إلى الدار ، أخبره (الحارث) بخبرها ، فقال له عمر : (أما والله لن تمسّك النار أبدا ، ما دامت الثريا ألقت بنفسها عليك). فقال الحارث : (عليك وعليها لعنة الله).
من رسولي إلى الثريا فإني / ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
سلبتني فجاجة المسك تحيّر منها / فسلوها ماذا حلّ اغتصابي
وهي مكنونة تحيّر منها / في أديم الخدين ماء الشراب
أبرزوها مثل المهاة تهادي / بين خمسا كواعب أتراب
ثم قالوا : تحبها قلت بهرا / عدد القطر والحصى والتراب
ثم تزوجت الثريا هذه من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف فقال الشاعر :
ايها المنكح الثريا سهيلا / عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت / وسهيل إذا ما استقل يماني
وكان الحارث ينصح أخاه ، وينهاه عن قول الشعر ، فقال له عمر : (إنّي لا أقدر على ذلك مادمت في مكّة ، فأعطاه الحارث ألف دينار ، على أن لا يقول الشعر ، فأخذ عمر الألف دينار ، وذهب إلى أخواله في اليمن ، وبقي عندهم أشهرا ، فأخذه الحنين إلى الثريا ، فأخذ يقول شعرا نقتبس منه ما يلي : (13)
هيهات من أمّة الوهاب منزلنا / إذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتلّ أهلك أجيادا وليس لنا / إلا التذكّر أو حفظ من الحزن
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها / وموقفي كلانا ثمّ ذو شجن
وقولها للثريا ، وهي باكية / والدمع فيها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير معتبة / ماذا أردت بطول المكث في يمن؟
إن كنت حاولت دينا أو ظفرت بها / فما أخذت بترك الحجّ من يمن؟
وقال مرة بن محكان في الحارث : (14)
أحار تبيّن في الأمور فإنه / إذا الأمير عدا في الحكم أو فسدا
فإنك محلول عليك وضاعن / فمهما تصبه اليوم تدرك به غدا
ولمّا حوصر عثمان بن عفّان في داره سنة (٣٥) للهجرة ، جاء الحارث ابن عبد الله لينصره ، لكنّه سقط عن دابته في الطريق فمات قرب مكّة. (15) وقيل لما مرض عمر بن أبي ربيعة ، مرضه الّذي مات فيه ، أسف عليه أخوه الحارث ، فقال له عمر : (يا أخي ، إن كان أسفك لما سمعت من قولي : قلت لها ، وقالت لي ، فكلّ مملوك لي حرّ إنّ كان كشف فرجا حراما قط) (16). فقال الحارث : (الحمد لله ، طيبت نفسي). (17)
المصادر :
1- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١ / ٦١. وابن حزم ـ جمهرة أنساب العرب. ص ١٤٧. والذهبي ـ سير أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٨١.
2- ابن سعد ـ الطبقات. ج ٥ / ١٤٧. وتاريخ الطبري. ج ٦ / ١١٨. وابن الأثير ـ الكامل. ج ٤ / ٢٧٩.
3- ابن الأثير ـ الكامل. ج ٤ / ٢٨١ و٢٩٢.
4- ابن حزم الأندلسي ـ جمهرة أنساب العرب. ص ١٤٧. وابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٦ / ١٥٩.
5- العسقلاني ـ تهذيب التهذيب. ج ٢ / ١٥٢. وتقريب التقريب. ص ٨٦. ومحمّد مرتضى الحسيني الزبيدي ـ تاريخ العروس. ج ٢١ / ٢٥٠.
6- بن سعد ـ الطبقات. ج ٥ / ٢٩. وابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٢ / ١٩٢.
7- المريرة : الحبل المفتول جيدا.
8- ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٦ / ١٥٩.
9- المبرد ـ الكامل. ج ٣ / ٣٣٩.
10- دباها ودبيري : قريتان من قرى بغداد.
11- المبرد ـ الكامل. ج ٣ / ٢٤٠.
12- ملسا : السير السريع.
13- إبراهيم بن عليّ المصري ـ زهر الآداب. ج ١ / ٤٢٣. وجبرائيل جبور ـ عمر بن أبي ربيعة. ج ٣ / ٣٦. وديوان عمر بن أبي ربيعة ـ تحقيق عليّ ملكي. ص ١٥٧.
14- القرطبي ـ بهجة المجالس. ج ١ / ٣٦١.
15- ابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٢ / ١٩٢. وابن العماد ـ شذرات الذهب. ج ١ / ٢٠١.
16- ابن الجوزي ـ المنتظم. ج ٦ / ٣١٥.
17- نفس المصدر السابق.