
هو : عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس الكنديّ ، أمير شجاع ، ومن قادة الحجّاج بن يوسف الثقفيّ. (١)
دخل عبد الرحمن إلى الكوفة في أوائل سنة (٨٢) للهجرة وطرد أميرها مطر بن ناجية اليربوعي. (٢)
تميّزت حياة هذا الأمير كلّها بالمعارك والحروب سواء كانت مع الخوارج أو الأزارقة أو مع الحجّاج بن يوسف الثقفيّ وسنذكرها على وجه الإيجاز في الصفحات الآتية.
كان الحجّاج بن يوسف يكرهه كرها شديدا ويقول : (ما رأيته قط إلّا وأردت قتله). (٣) ، وكان عبد الرحمن بن الأشعث هو الآخر يكره الحجّاج كرها كثيرا ويقول : (سأبذل جهدي كي أزيل الحجّاج عن سلطانه).
وكتب عبد الملك بن مروان إلى أخيه بشر بن مروان (أمير الكوفة) أن يبعث خمسة آلاف مقاتل من أهل الكوفة لمحاربة الخوارج ، الأزارقة وأن يؤمّر عليهم رجلا معروفا عنده بالشجاعة ، وبعد أن ينتهي من حربهم ، يبعثه أميرا على (الريّ) (٤). فاختار عبد الرحمن بن الأشعث.
وجاء المهلّب بن أبي صفرة يوصي عبد الرحمن قائلا : (يا ابن أخي خندق على نفسك وعلى أصحابك ، فإنّي عالم بالخوارج ولا تفتر ، وإنّهم سباع العرب).
فقال له عبد الرحمن : (أنا أعلم بهم منك ، وهم أهون عليّ من ضرطة الجمل) ، ولمّا سمع الخوارج ذلك الكلام قال شاعرهم : (5)
يا طالب الحقّ لا تستهو بالأمل / فإنّ من دون ما تهوى مدى الأجل
واعمل لربك واسأله مثوبته / فإنّ تقواه فاعلم أفضل العمل
واغز المخانيث في الماذي معلمة / كيما تصبح غدوا ضرطة الجمل
ولمّا اشتدّ القتال بين الأزارقة وبين عبد الرحمن بن الأشعث قتل قطري بن الفجائة خمسمائة رجل من أصحاب ابن الأشعث ، عندها ولّى ابن الأشعث منهزما فقال فيه الشاعر : (6)
تركت ولداننا تدمي نحورهم / وجئت منهزما يا ضرطة الجمل
وفي سنة (٨٠) للهجرة ولّاه الحجّاج إمارة (سجستان) وأمره بمحاربة (روتيبل) ملك كابل (صاحب الترك). فخرج عبد الرحمن بن الأشعث من الكوفة ومعه فرسان العراق حتّى وصل إلى فارس ، فحصلت معركة بينه وبين (هميان بن عديّ السدوسيّ) العامل على خراسان ، فقتل ابن الأشعث الكثير من أصحاب (هميان) وأرسل برؤوسهم إلى الحجّاج. (7)
ثمّ واصل ابن الأشعث سيره حتّى وصل إلى (كرمان) فكتب إلى (روتيبل) يهدّده ويتوعّده بالقتل والسبي ، وأخذ الأموال ، فكتب (رتيبل) ردّا إلى ابن الأشعث يقول : (أيّها الأمير إنه لم يدعني إلى قتال أصحابك إلّا ما حملوني عليه ، وما بدأوني به من الغدر وسوء السيرة ، ولو لا ذلك لم أفعل ما فعلت وأنا نازل ما أحببت وغير مخالف أيّها الأمير فيما أردت والسلام). (8)
وحينما رآى ابن الأشعث أن (روتيبل) يدعو للسلام وحلّ المنازعات بالطرق السلميّة ، كتب إلى الحجّاج يعلمه بذلك. فكتب إليه الحجّاج ، يتهمه بالهدنة والموادعة ، وضعف الرأي ، ويأمره أن يتوغّل في أرض العدو ويهدم حصونهم ويقتل مقاتلتهم ويسبي نسائهم ، ثمّ تبعه بكتاب ثان وثالث يحثّه على الحرب وإلّا فإنّ إسحق بن محمّد (أخاه) أميرا على الجيش. فجمع عبد الرحمن أصحابه وجماعته وقال لهم : (إنّ أميركم كتب إليّ بتعجيل الوغول في أرض العدو ، وهي البلاد الّتي هلك فيها إخوانكم بالأمس وإنّما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبي إذا أبيتم). (9)
وقال لهم أيضا : (إنّ الحجّاج لا يبالي سواء قتلنا أو قتلنا وإنّما همّه الوحيد هي «الغنائم» الّتي يحصل عليها من البلدان المفتوحة). ثمّ قرروا بعد ذلك خلع عبد الملك بن مروان والحجّاج بن يوسف الثقفيّ وبايعوا عبد الرحمن بن الأشعث ، وكان ذلك سنة (٨١) للهجرة. (10)
ثمّ توجه عبد الرحمن بن الأشعث إلى العراق لمحاربة الحجّاج ، وحينما علم الحجّاج بمجئ ابن الأشعث ، كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ، ويطلب منه ارسال المقاتلين من أهل الشام ، فأرسل عبد الملك إليه «الجنود» ، فسار الحجّاج بجنوده حتّى وصل إلى نهر دجيل ، فدارت معركة بين الطرفين ، قتل فيها ثمانية آلآف رجل من أهل الشام ، فلمّا سمع الحجّاج بذلك هرب ليلا بسفينة إلى البصرة ، فتبعه ابن الأشعث إلى البصرة ، فأنهزم جيش الحجّاج من البصرة ، فدخلها ابن الأشعث ، وبايعه أهل البصرة على حرب الحجّاج ، وخلع عبد الملك بن مروان ، كما بايعه كثير من العلماء والفقهاء والقرّاء ، امثال : (الشعبي) و (سعيد بن جبير) وغيرهما ، ثمّ خندق ابن ألأشعث على البصرة وحصّنها. (11)
وفي اول سنة (٨٢) للهجرة كانت معركة (يوم الزاوية) بين ابن ألأشعث وبين الحجّاج ، قتل خلآلها الكثير من كلا المتحاربين ، وانهزم عبد الرحمن بن الأشعث إلى الكوفة ، وكان أميرها حينذاك (مطر بن ناجية اليربوعي) ، فطرده من قصر ألأمارة ، واستولى على الكوفة (12)
ثمّ خطب في عباد اهل الكوفة وقراءهم قائلا : (أيّها الناس ، ألآ ترون هذا الجبار ، وما يصنع بالناس؟ ألا تغضبون لله ألا ترون أنّ السنة قد أميتت ، والأحكام قد عطلت؟ والمنكر قد أعلن والقتل قد فشى ، أغضبوا لله ، واخرجوا معي ، فهل يحلّ لكم السكوت). فلم يزل يحثّ الناس حتّى استجاب له الكثير. (13)
ثمّ جاء الحجّاج بجيوشه الجرّارة قاصدا الكوفة حتّى وصل إلى (دير الجماجم) فدارت فيه معركة ، قتل فيها الكثير من القرّاء والفقهاء والعبّاد وسائر الناس ، وانهزم ابن الأشعث إلى السوس (14) ، فتبعه الحجّاج ودارت بينهما معركة في (مسكن) انهزم فيها ايضا ابن ألأشعث.
ثم توالت هزائم ابن الأشعث الواحدة تلو الأخرى ، وألتجأ أخيرا إلى (روتيبل) فكتب الحجّاج إلى (روتيبل) يتهدّده ويتوعّده إن هو لم يسلّم ابن الاشعث ، وبعد مدوالات كثيرة تمّ الاتّفاق بين الحجّاج وروتيبل على تسليم ابن الاشعث لقاء مبلغ كبير (15).
ولمّا تم تسليم ابن الاشعث ، وعند وصوله بالقرب من العراق أنزلوه في بناء قديم ، فألقى بنفسه من فوق السطح فمات ، وقيل القى بنفسه (وهو مقيّد بالحديد) مع رجل فماتا سوية (16).
مات عبد الرحمن بن محمّد بن الاشعث سنة (٨٣) (17) للهجرة وقيل سنة (٨٤) وقيل سنة (٨٥) (18) وقطع رأسه عمّارة بن تميم اللخميّ ، وارسله إلى الحجّاج ثم أرسله الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان في الشام ، ثمّ أنّ عبد الملك بعث بالرأس إلى أخيه عبد العزيز بن مروان في مصر. فقال بعض الشعراء (19) :
هيهات موضع جثّة من رأسها
رأس بمصر وجثته بالرخجّ
المصادر :
1- القاضي التنوخي ـ نشوار المحاضرة. ج ٥ / ٥٥. والزركلي ـ الأعلام. ج ٤ / ٩٨.
2- تاريخ ابن خياط. ج ١ / ٢٨٢. وابن الجوزي ـ المنتظم. ج ٦ / ٢٣١.
3- الذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٤٣.
4- الريّ : عاصمة خراسان وهي أكبر مدنها.
5- تاريخ الطبري. ج ٦ / ١٧٢.
6- ابن عبد ربه الأندلسي ـ العقد الفريد. ج ٥ / ١٤٢.
7- ابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٥ / ١١٥.
8- ابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٥ / ١١٦.
9- ابن الأثير ـ الكامل. ج ٤ / ٤٦٥. والذهبي ـ تاريخ الإسلام. ج ٥ / ٣٤٣.
10- ابن الأثير ـ الكامل. ج ٦ / ٣٣٧. وابن تغري بردى ـ النجوم الزاهرة. ج ١ / ٢٠٢. ومحمّد مختار باشا ـ التوفيقات الإلهامية. ج ١ / ١١٣.
11- تاريخ ابن خياط ج ١ / ٢٨٠ وابن الجوزي ـ المنظم ج ٦ / ٢٢٦ والذهبي ـ تاريخ الاعلام ج ٦ / ٦.
12- المصادر السابقة بالترتيب ج ١ / ٢٨٢ ، ج ٦ / ٢٣١ وج ٦ / ٩.
13- ابو حنيفة الدينوري الاخبار الطوال ص ٣١٧.
14- ابن الجوزي ـ المنتظم ج ٦ /244
15- ابن الجوزي ـ المنتظم ج ٦ / ٢٤٧.
16- تاريخ اليعقوبي ج ٢ / ٢٧٩ والذهبي ـ سير أعلام النبلاء ج ٤ / ١٨٤.
17- تاريخ ابن خياط ج ١ / ٣٧٥.
18- تاريخ اليعقوبي ج ٢ / ٢٧٩ وتاريخ الطبري ج ٦ / ٣٩١ والقاضي التنوخي ـ نشوار المحاضرة ج ٥ / ٥٥ وابن الأثير ـ الكامل ج ٤ / ٥٠٢ والذهبي ـ سير أعلام النبلاء ج ٤ / ١٨٤ وابن العماد ـ الشذرات ج ١ / ٩٤ والزركلي ـ الأعلام ج ٤ / ٩٨.
19- تاريخ الطبري ج ٦ / ٣٩١ وتاريخ الأسلام ـ الذهبي ج ٦ / ١٨.