
إن الاقتصاد الإسلامی یقسم الحیاة إلى ثلاثة أنواع: الحیاة الضروریة، الحیاة المرفّهة، الحیاة المترفة.
1 ـ الحیاة الضروریة
وتعنی: أن للإنسان کلّ الحق فی الانتفاع من ما هو موجود على هذه الکرة الأرضیة من طعام أو لباس أو سکن بدون أن یکون مسرفاً أو مقتراً، وإذا ما سعى الفرد حثیثاً لتأمین هذه المسائل له ولأفراد عائلته، مَنَّ الله علیه بالثواب والأجر الجزیل. "الکاد على عیاله کالمجاهد فی سبیل الله"(1) .وأمّا المقصر فی هذا السعی من أجل أسرته، فلا یعدّ إلاّ مخطئاً وعاصیاً لما جاء فی شرعة الله الحقّة، فالذی یتمکن من العمل والکدّ على عیاله، ولا یفعل ذلک یعتبر مضراً بحق الناس! وإن أصل هذا الإضرار حرام، لذا یکون ترتیب وضع الأسرة واجب ولازم، ومن لم یتسطع ذلک لعلَّةٍ فیه أو مرض، وجب على الدولة الإسلامیة الالتزام بتهیئة الطعام واللباس والمسکن وباقی المسائل الضروریة لهذه الأسرة التی یکون مُعیلها غیر قادر على ترتیب أوضاعها بالشکل الطبیعی؛ هذا بالإضافة إلى مشارکة الجمیع فی هذا الأمر الخیری.وبصدد هذه القضیّة قال تعالى فی محکم کتابه الکریم.
(لینفق ذو سعة من سعته، ومن قدر علیه رزقه فلینفق مما آتاه الله، لا یکلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها) (2).
وتعنی هذه الآیة الشریفة، أنه: یجب على کلّ فرد أن یمرّر حیاته الضروریة على قدر إمکانیته، فمن تمکن من إدارة أسرة، أسرتین، عشر أسرٍ فلا یبخل بتلک الإدارة (لینفق ذو سعة من سعته)، وأما ذلک الذی لا یتمکن من فعل ذلک فلا بأس علیه من التصرف على قدر إمکانیته.
فمن استطاع توفیر لقمةٍ واحدة من طعامه، أو لباس واحد زائدٍ عن حاجته، أو تمکّن من إسکان أحدهم (مستضعف) معه فی داره، عُدَّ مساهماً فی تهیئة الحیاة الضروریة للآخرین، ولهذا یجدر القول: إن هذه الآیة الکریمة تفهمنا بأننا جمیعاً مسؤولون.
کلکم تذکرون خطبة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فی آخر جمعة من شهر شعبان والتی جاء فیها تذکیر الجمیع بضرورة الإنفاق فی سبیل الله، وعندها قام له أحدهم لیقول: وکیف بالذی لا یملک شیئاً؟ فیرد علیه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم): "ولو بشقَّ تمرة" أو "ولو بشربة من ماء".إن معنى هذه الروایة هو معنى تلک الآیة المبارکة، فمن استطاع أن یتصدق بتمرة فلیفعل، ومن تمکن من إنفاق شربة ماء فلا یبخل بها على الآخرین، فالذی منحه الباری تعالى إفطاراً یستطیع أن یُؤثر على نفسه بعض الشیء لیقدمُه إلى الآخرین من الذین لا یمتلکون شیئاً یطعمونه؛ ولا أرید فی هذا المجال أن أتعرض لمسالة التضحیة والإیثار لأنها مسالة أخرى غیر التی نبحث فیها.
فبحثنا یدور حول الحیاة الضروریة أو متطلبات الحیاة وضرورة توفّرها لجمیع البشر، فهی من منظار إسلامی تعتبر أمراً واجباً ولازماً، ولا معنى لعبادة ذلک الذی یتعبّد ویُذهب بحیاته الضروریة أدراج الریاح، حیث لا یمکن أن یقبل الإسلام حالة بضعة نفرات یجلسون إلى موائد الطعام یأکلون ویشربون، ویجلس إلى جانبهم فقیرٌ معدمٌ عاجزٌ لا یتمکن من ترتیب وضع وجبة طعام واحدة.
إن الإسلام وشرعته الحقّة، والإنسانیة بصورة عامة ترفض أن یعیش هذا البشر بدون أن یکون له ملجأ یأویه من حرّ الصیف وبرد الشتاء، ولبا یستره، وطعام یسدّ به جوعته.
2 ـ الحیاة المرفّهة
لقد عدّ الإسلام العظیم الحیاة المرفّهة حیاةً محمودة، بل حتى إن القرآن الکریم حبّبها إلى الناس، وأن الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)ذمَّ أولئک الذین یحملون فی أذهانهم أفکاراً منحرفة تقول بالتنکر لهذه الحیاة المرفّهة، من مثل الامتناع عن تناول الغذاء اللذیذ وما إلى ذلک.. ومن أجل ذلک قال الباری تعالى فی محکم کتابه العزیز.(قُل من حرم زینة الله التی أخرج لعباده والطیبات من الزرق) (3).
أیها المسلمون! إن کل ما خلق الله تعالى فی هذه الدنیا هو من أجلکم، فلم لا تستثمرونه؟ ولماذا تحرّمون على أنفسکم استطعام الغذاء اللذیذ؟ أو تمنعون أبناءکم من الزواج أو التمتع باللذات التی أباحها الله تعالى لهم؟.فالکافر یأکل فی هذه الدنیا من أجل عینک، ومن أجل وجودک، فلم هذا التحریم على نفسک، وقد أباح الله لک حلال الدنیا، وجمیع ما فی الحیاة الآخرة.
إن هذه الآیة المبارکة تخبرنا بأن الحیاة المرفّهة ینبغی أن تکون من نصیب جمیع أفراد البشر، وأن الإسلام أجاز للرجل ذلک إن استطاع أن یرفّه عن نفسه وعن باقی أفراد أسرته.
إن الاقتصاد الإسلامی اقتصاد ناضج وناجح، هذا إذا طبق بالشکل الذی یکون فیه قانون المواساة اساساً له، ولکن حینما یُنسى قانون المواساة، ویررفع من البین الاجتماعی یضحى الاقتصاد الإسلامی غیر فاعل فی المجتمع؛ ولقد أخبرتنا الروایات کثیراً عن تأسف الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)ولعدة مرات على عدم الالتزام بقانون المواساة.
الجمیع یجب أن یحیوا حیاةً مرفهةً، ومن حرم نفسه من ذلک فقد عصى ربّه، بل لم یمارس إلاّ عملاً خاطئاً غیر صائب، على حدّ قول القرآن المجید: لا ینبغی فعل ذلک بتاتاً: "قل من حرم زینة الله التی أخرج لعباده" وکذا بالنسبة للرسول الأکرم والأئمة الأطهار فهم الآخرون کانوا قد أوصوا بضرورة التمتع بحیاة طیبةٍ سعیدةٍ ومرفعة، وتنکّروا لأولئک الذین یضیرون بحیاتهم، ویتلاعبون بمقدرات عوائلهم وأقربائهم وأصحابهم.
نرى فی بعض مجتمعاتنا الإسلامیة أن السیدة الفلانیة ترفض الزواج بعد أن استشهد زوجها منذ مدّة طویلة، ناهیک عن رفضها لخلع الملابس السوداء، هذا بالإضافة إلى غضبها حینما یذکر عنها أسم الزواج!.
ونقول لها: إن غضبها ذاک لا مبرّر له بالمرّة، وأنه خلاف ما جاء به الإسلام العظیم.إن الشاب الذی یستطیع أن یتزوج ولا یفعل ذلک، والبنت التی تروم الزواج وترفض الخاطبین متبجحین بأن الوقت لم یحن بعد لا أظنهم صادقین فی عواطفهم وفی حدیثهم ذاک، ولا بأس علیهم أن یسألوا غرائزهم الجنسیة لیأتی الجواب من تلک الغدد التی ترشحت فی الدم، ولیس من اللسان، ولیحاولوا أیضاً توجیه السؤال لنبیهم الأکرم محمد بن عبد الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، لیجیبهم بصراحة.
"النکاح سنتی، فمن رغب عن سُنتی فلیس منی"(4).
إذن، هذا الحدیث یخبرنا بعدم إسلامیة ذلک الشاب الذی یستطیع الزواج ولا یتزوج، وعدم إسلامیة تلک البنت التی ترغب فی الزواج وتتبجح بحجج واهیة ما أنزل الله بها من سلطان، حالها حال تلک الأرملة التی تغضب وتثور حینما یورد اسم الزواج عندها.
وهنا ینبغی لنا القول وتوجیه الخطاب للفتیات والفتیان الذین یمتثلون للعقائد المخالفة للإسلام، والمناهضة لشرعة محمد بن عبد الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسنّته القائمة إلى یوم القیامة، بأن علیهم أن یتدبّروا کتاب الله العظیم، وسنّة الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وما جاء عن الأئمة الأطهار من آل بیت الرسول(علیهم السلام)، وأن یسمعوا ویطیعوا للمراجع العظام والعلماء الأعلام، لکی یطمئنوا بأن امتناعهم ذاک خطأ فاحش، ومعصیة کبرى، لأنَّه یدخل فی دائرة البدع التی ینبغی للعلماء أن یفندوها من خلال إظهار علمهم للناس، قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم):
(إذا ظهرت البدع فی أمتی فلیظهر العالم علمه، فمن لم یفعل فعلیه لعنة الله)(5).
3 ـ الحیاة المترفة
وهی إحدى أنواع الحیاة التی یرفضها قانون الإسلام ویذمّها بشدة، ویعتبر الممارس لها فاسقاً، وهی الحیاة التی تجعل الإنسان یتغیر فی جمیع مفاصل مسیرته، أی المقیّدة للإنسان بشکل ممجوج، نظیر الزواج الذی یعمل به الفتیات والفتیان على أیامنا هذه، وأعنی الزواج الترفی، بالإضافة إلى التقیّد بالسکن الترفی، أو ارتداء اللباس الترفی.والترف هنا یعنی البطر؛ فقد نرى رجلاً متزوِّجاً ولا حاجة له بزوجة أخرى، لکنه یجری وراء النساء بطراً، وتشبهاً، وترفاً، وقد تفعل إحدى النساء ذلک، حیث تحاول أن تطلب الطلاق من زوجها الذی وفّر لها کل شیء، لتتزوج رجلاً متشبهاً بالغرب، أو یعرف کیف یلبس لباس الأجانب بطراً وترفاً وتشبهاً فی بعض الأحیان، وهذا لا یجرّ على مثل هذه المجتمعات المترفة، والبطرة غیر الهلاک والتدمیر.
قال تعالى فی محکم کتابه:
(وإذا أردنا أن نهلک قریةّ أمرنا مترفیها ففسقوا فیها فحقَّ علیها القول فدمَّرناها تدمیراً) (6).
وقال أیضاً فی سورة أخرى:
(وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، فی سمومٍ وحمیم، وظلٍ من یحموم، لا باردٍ ولا کریم، إنهم کانوا قبل ذلک مترفین) (7).
لذا ینبغی على البشر أن لا یکون بطراً.. تزوج ولکن لا تجری وراء کلّ من ترى، وتجمل ولکن لا تعمل من شعر رأسک مودیلاً لنساء محلتک، إن هذا الشیء مرفوض، ولا یمکن أن یعمل به المسلم العاقل الرزن.
المصادر :
1- وسائل الشیعة/ ج12، ص43.
2- الطلاق/7
3- الأعراف/32
4- بحار الأنوار/ ج103، ص 220.
5- أصول الکافی / ج1 باب البدع والرأی والقیاس.
6- الأسراء/16
7- الواقعة/41 ـ 45
/ج