البدعة في الاذان

 






 

الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.
وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)
غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (إشارة إلى حوار دار بين الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وبعض اليهود بعد رحيل النبي وظهور الاختلاف في أمر الخلافة. فقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه فقال الإمامعليه السَّلام : «إنّما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قُلتم لنبيّكم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فقال إنّكم قوم تجهلون»)، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.(2)
ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه:(وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...) .(3)

البدعة في الاذان

إنّ تاريخ الأذان والإقامة حافل بالبدع، وقد تصرفت فيه يد المبدعين لغايات استحسانية لا يعرَّج إليها في التشريع، وإليك بعض ما أحدث فيه بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
1. الأذان الثاني يوم الجمعة
جرت السيرة في عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والشيخين على إقامة الأذان حينما يصعد الإمام على المنبر لإلقاء الخطابة، ولما كثر الناس في عهد الخليفة الثالث أمر بأذان ثان وهو الأذان عند دخول الوقت على المأذنة، وهذا هو المعروف بالأذان الثاني للخليفة. وقد روي عن الشافعي من أنّه استحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر.(4)
إذا كان الأذان من الأُمور التوقيفية فليس ليد التشريع البشري التصرف فيه بزيادة أو نقيصة وكان في وسع الخليفة أن يقوم بعلاج الموقف من وجه آخر، وهو إعلام الناس بالوسائل التي لا تمتّ إلى التشريع الإسلامي بصلة مكان أن يأمر المؤذن بأذان آخر لم يكن من ذي قبل.
والعجب انّ الفقهاء أنفسهم اختلفوا فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع الوارد في قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذين آمَنُوا إِذا نُودي لِلصَّلاة مِنْ يَوْمِالْجُمْعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكْرِاللّهِ وَذَرُوا الْبيع).(5)
2. وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفية بعد عهد الصحابة تثويباً آخر، وهو زيادة الحيعلتين ـ أي عبارة «حي على الصلاة، حي على الفلاح» ـ مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدّمو الحنفية في الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصلوات كلّها ـ إلاّ في المغرب لضيق الوقت ـ و ذلك لظهور التواني في الأُمور الدينية، وقالوا: إنّ التثويب بين الأذان والإقامة في الصلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد بالتنحنح، أو الصلاة الصلاة، أو غير ذلك.
3. استحدث أبو يوسف جواز التثويب لتنبيه كل من يشتغل بأُمور المسلمين ومصالحهم كالإمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذن بعد الأذان:
السلام عليك أيّها الأمير، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك اللّه. وشارك أبا يوسف في هذا الشافعية وبعض المالكية، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان، واستبعده محمد بن الحسن، لأنّ الناس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكية.(6)

حذف الحيعلة من الأذان

قد تقدّم منّا أنّ البدعة في الأذان بإدخال التثويب ليس فريداً في بابه، بل له نظير آخر، وهو: حذف «حيّ على خير العمل» من فصول الأذان والإقامة،وذلك لغاية أن لا يكون الإعلان به في الأذان سبباً في تثبيط العامة عن الجهاد، لأنّ الناس إذا عرفوا أنّ الصلاة خير العمل، لاقتصروا عليها وأعرضوا عن الجهاد.
وهذا بعين اللّه إطاحة بالتشريع وتصرّفٌ فيه، بتفلسف تافه. فانّ المشرّع كان واقفاً على هذا المحذور، ومع ذلك أدخله في الأذان.
قال القوشجي ـ وهو من متكلّمي الأشاعرة ـ ناقلاً عن الخليفة الثاني أنّه قال على المنبر:
ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهنّ وأُحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ: وهي متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل. (7)
وقد أطبقت الشيعة على كونه جزءاً من الأذان، وعلى ذلك جروا ، من العهد النبوي إلى يومنا هذا، وصار ذلك شعاراً لهم. وإنّ كثيراً من المؤرّخين يكنّون عن الشيعة بمن يحيعلون أي الذين يقولون: «حيّ على خير العمل».
قال أبو الفرج الاصفهاني(284ـ 356هـ) في «مقاتل الطالبيين» في مقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : أنّه استولى على المدينة، وصعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند موضع الجنائز، فقال للمؤذّن: أذّن بـ «حي على خير العمل» ... (8).
وقال الحلبي:ونقل عن ابن عمر وعن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد «حيّ على الفلاح» : «حيّ على خير العمل» .(9)
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(10)
المصادر :
1- المائدة:3.
2- نهج البلاغة، قسم الحكم، تحت رقم 317
3- آل عمران:103.
4- المجموع:3/132.
5- الجمعة:9.
6- الموسوعة الفقهية:2/361، مادة أذان.
7- علاء الدين القوشجي (المتوفّـى عام 879 هـ بالقسطنطينية): شرح التجريد:484. / «بحوث في الملل والنحل ج2 ـ ط. بيروت.
8- مقاتل الطالبيين : 297.
9- السيرة الحلبية: 2/ 305.
10- الأنعام:90.