
وبعد ثلاث سنوات انتقل إلى إنكلترا لدراسة الحقوق، فقضى بها أربع سنوات، لكنه انصرف إلى القراءة بدلاً من الدراسة، وانضم إلى جمعية العقليين، والجمعية الفابية حيث تأثر بالفيلسوف الإنكليزي برنارد شو Bernard Shaw، كما التقى تشارلز دارون Charles Darwin، وتأثر بنظريته في التطور، كما بمدرسة التحليل النفسي التي أسسها فرويد.
عاد إلى مصر بعدئذ، فأصدر كتابه عن الاشتراكية في العالم العربي عام 1912، وهو أول كتاب في موضوعه، كما أصدر صحيفة «المستقبل» بالاشتراك مع شبلي شميل، لكنها توقفت بسبب الحرب بعد 16 عدداً، وأسهم مع محمد عبد الله عنان في تأسيس «الحزب الاشتراكي المصري» الذي وقعت فيه خلافات كان موسى أحد أطراف النزاع فيها مما أدى إلى انسحابه واعتزاله العمل السياسي؛ مكتفياً بالنشاط الفكري والعمل الصحفي، فترأس تحرير «مجلة الهلال» عام 1923 مدة ستّ سنوات، أصدر بعدها «المجلة الجديدة»، كما أسس في ذلك الوقت «المجمع المصري للثقافة العلمية» بهدف تغليب الاتجاهات العلمية على الثقافة العربية وتنميتها؛ مما دعا حكومة صدقي باشا إلى إغلاق المجمع، فأسس بدلاً منه جمعية «المصري للمصري» التي تبنت مقاطعة البضائع الإنكليزية مثلما فعل غاندي.
على أن سلامة موسى تأثر بالفكر الداعي إلى رفض الدين والإغراق في المادية عن طريق عدد من الشخصيات اللبنانية المستقرة في مصر، أمثال يعقوب صروف وفارس نمر وشبلي شميل وفرح أنطون، إلى جانب تأثره بأحمد لطفي السيد، فمن جملة أقواله بهذا المعنى: «ليس للإنسان في هذا الكون ما يعتمد عليه سوى عقله، وأن يأخذ الإنسان مصيره بيده، ويتسلط على القدر بدلاً من أن يخضع له».
بَشَّر سلامة موسى بدين جديد يرفض الغيبيات، ويقوم على التوحيد الطبيعي بين المادة والقوة، وبين الله والكون؛ وبين العقل والجسم في وحدة مادية، وترتكز أفكاره على إحلال العلم محل الدين، فليس هناك مقدس في الدين، لأنه بحسب رأيه من صنع البشر.
وأدّت مناهضته الدين إلى مناهضته اللغة العربية، فدعا إلى العامية، وإلى توحيد اللغة المحكية مع لغة الكتابة، كما دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية كما فعل كمال أتاتورك. ورأى أن اللغة العربية تضعف الوطنية المصرية وتذيبها في وعاء القومية، ومن هنا فقد اقترنت الدعوة للعامية بالنزعة الفرعونية. وهو الذي أدخل كلمة ثقافة إلى اللغة العربية، وهي ترجمة لكلمة Culture.
أَلفَّ سلامة موسى، وترجم عشرات الكتب، منها غير ما ذكر «حرية العقل في مصر»، «تربية سلامة موسى» وهو سيرته الذاتية، «النهضة الأوروبية»، «الدنيا بعد ثلاثين عاماً»، «الحرية وأبطالها في التاريخ»، «أحلام الفلاسفة»، «المرأة ليست لعبة الرجل»، «هؤلاء علَّموني»، «غاندي والحركة الهندية»، «أشهر قصص الحب التاريخية»، «التجديد في الأدب الإنكليزي الحديث»، »التثقيف الذاتي»، «فنّ الحياة»، «العقل الباطن أو مكونات النفس»، «تاريخ الفنون وأشهر الصور». إضافة إلى عدد من الأبحاث والمقالات.
نزار أباظة
مراجع للاستزادة:
ـ موسى سلامة، تربية سلامة موسى (مكتبة المعارف، بيروت 1958).
ـ غالي شكري، سلامة موسى وأزمة الضمير العربي (دار الآفاق الجديدة، بيروت 1983).