الـبـرزخ

 






 

البرزخ في اللغة: (الحاجز والحدُّ بين الشيئين).والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة: قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ(1).
وقد تحدث القرآن الكريم عن البرزخ في قوله سبحانه "ومِنْ ورائِهِمْ برْزخٌ إِلى يوْمِ يُبْعثُون"(2). وفُسِّر بأنه الفترة ما بين الموت والقيامة.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ولكنِّي والله أتخوّف عليكم من البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة"(3).

بقاء الروح أساس للإيمان بالبرزخ

تحدّثت الروايات الواردة عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة الهداة عن مرحلة البرزخ، وما ينتظر الإنسان ويواجهه في ذلك العالم المذهل الغريب.
والتسليم بعالم البرزخ يتوقف على الإيمان بوجود الروح وبقائها حيّة بعد انفصالها عن البدن، ذلك لأنّ النعيم والعذاب المتحققيْن في هذه المرحلة هما نعيم أو عذاب تتلقاهُ الروحُ حتى يومِ البعث والنشور والمعاد الجسماني، كما استفاد علماء الإسلام ذلك من الآيات والروايات الواردة في هذا الشأن.
فمن تلك الآيات قوله تعالى: "ولا تحْسبنّ الّذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتا بلْ أحياءٌ عِنْد ربِّهِم يُرْزقُون * فرِحين بما آتاهُمُ اللهُ من فضْلِهِ ويسْتبْشِرُون بالّذين لم يلحقُوا بِهِم مِن خلْفِهِمْ ألاّ خوْفٌ عليهم ولا هُمْ يحْزنُون * يسْتبْشِـرُون بِنِعْمة مِن اللهِ وفضْـل وأنّ الله لا يُضِـيعُ أجْر المُؤْمِنين "(4).
فتلك الآيات الكريمة تتحدث عن حياة الشهداء بعد انفصال أرواحهم عن أجسادها في عالم النعيم والجزاء الإلهي السارّ، والآيات هذه صريحة كلّ الصراحة في بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان، وهذا العالم كما توضِّحه الروايات: هو قبل عالم البعث والنشور والمعاد الجسماني.

تكوُّن الأرواح في أبدان مثاليّة

ما يستنتجه التأمّل في الروايات تعلّقُ الروح بأبدانٍ تماثل الأبدان الدنيوية، لكن بلطافةٍ تناسب الحياة في تلك النشأة، وقد أوضح الإمام الصادق عليه السلام كيفية بقاء الروح في عالم البرزخ فقد روي عنه عليه السلام: "... فإذا قبضه الله عزّ وجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون، فإذا قدِم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا"(5).
وقال الشيخ المفيد في أجوبة المسائل السروية: "فأمّا كيفية عذاب الكافر في قبره وتنعّم المؤمن فيه، فإنّ الخبر أيضا قد ورد بأنّ الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته، ينعّمه فيها إلى يوم الساعة، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي في التراب وتمزّق، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف وأمر بِه إلى جنّة الخلد ولا يزال منعّما بإبقاء الله.
غير أنّ جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا، بل يعدِّل طباعه، ويحسِّن صورته ولا يهرم مع تعديل الطباع ولا يمسّه نصب في الجنة ولا لغوب. والكافر يجعل في قالب كقالبه في محلِّ عذاب يعاقب، ونار يعذّب بها حتى الساعة ثم ينشئ جسده الذي فارقه في القبر فيعاد إليه فيعذّب به في الآخرة عذاب الأبد ويركّب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه"(6).

ماذا يواجه الإنسان في القبر؟

بحسب ما لدينا من روايات فإنّ الإنسان يواجه في لحظة دخوله القبر وحتى يوم القيامة، أمورا هي كالآتي:
1ـ وحشة القبر
2ـ ضغطة القبر
3ـ المساءلة في القبر
وحشةُ القبر وما يرفعها
أرشدتنا الروايات الشريفة إلى أعمال ترفع وحشة القبر، ومن هذه الأعمال:

صلاة ليلة الوحشة:

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال:
"لا يأتي على الميِّت ساعة أشدّ من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة، فإن لم تجدوا فليصلِّ أحدكم ركعتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب مرّة وآية الكرسي مرّة، وقل هو الله أحد مرّتين، وفي الثانية فاتحة الكتاب مرّة وألهاكم التكاثر عشر مرّات وسلم ويقول:
اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وابعث ثوابها إلى قبر ذلك الميت فلان بن فلان، فيبعث الله مِن ساعته ألف ملك إلى قبره مع كل ملك ثوب وحلة ويوسع في قبره من الضيق إلى يوم ينفخ في الصور ويعطى المصلي بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات ويرفع له أربعون درجة"(7).

إتمام الركوع:

عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنه قال:
"من أتمّ ركوعه لم تدخله وحشة القبر"(8).

الذكر الخاص:

وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من قال مائة مرّة (لا إله إلاّ الله الملك الحقّ المبين) أعاذه الله العزيز الجبار مِن الفقر وآنس وحشة قبره واستجلب الغنى واستقرع باب الجنّة"(9).

قراءة سورة (يس) قبل النوم:

عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنّ لكلِّ شيءٍ قلبا وإنّ قلب القرآن يس، من قرأها قبل أن ينام أو في نهاره قبل أن يمسي كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتّى يمسي. ومن قرأها في ليلة قبل أن ينام وكّل الله به ألف ملك يحفظونه من شرِّ كلِّ شيطان رجيم، ومن كلِّ آفة. وإنْ مات في يومه أدخله الله به الجنّة، وحضر غسله ثلاثون ألف ملك كلُّهم يستغفرون له، ويشيِّعونه إلى قبره بالاستغفار له. فإذا دخل في لحده كانوا في جوف قبره يعبدون الله، وثواب عبادتهم له، وفسح له في قبره مدّ بصره، وأُومن من ضغطة القبر، ولم يزل له في قبره نورٌ ساطع إلى عنان السماء إلى أن يخرجه الله من قبره... الحديث"(10).

صلاة ليلة الرغائب:

وكذلك صلاة ليلة الرغائب، وهي أوّل ليلة من ليالي الجمعة من رجب فيها عمل مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذو فضل كثير، وقد وقد ورد في فضلها عن رسول الله أنّه قال: "والذي نفسي بيده لا يصلي عبد أو أمة هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه، ولو كان ذنوبه مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزان الجبال وعدد ورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار، فإذا كان أول ليلة في قبره بعث الله إليه ثواب هذه الصلاة في أحسن صورة فيجيئه بوجه طلق ولسان ذلق فيقول: يا حبيبي أبشر فقد نجوت من كل سوء فيقول: من أنت فوالله ما رأيت وجها أحسن من وجهك، ولا سمعت كلاما أحسن من كلامك، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك، فيقول: يا حبيبي أنا ثواب تلك الصلاة التي صليتها في ليلة كذا من شهر كذا في سنة كذا، جئتك هذه الليلة لأقضي حقك وأونس وحدتك، وأرفع وحشتك، فإذا نفخ في الصور ظللت في عرصة القيمة على رأسك فأبشر فلن تعدم الخير أبدا".

عيادة المريض:

فعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "كان فيما ناجى به موسى عليه السلام ربّه أن قال: يا ربّ أعلمني ما بلغ من عيادة المريض من الأجر؟، قال عزّ وجلّ: أوكِّل به ملكا يعوده في قبره إلى محشره"(11).
تولِّي أمير المؤمنين عليه السلام:
روِي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يا علي أبشر وبشِّر فليس على شيعتك حسرة عند الموت، ولا وحشة في القبور، ولا حزن يوم النشور. ولكأنّي بهم يخرجون من جدث القبور ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم، يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسُّنا فيها نصب ولا يمسُّنا فيها لغوب"(12).

ضغطة القبر

تفيد الروايات والبيانات أنّ الروح تعود إلى الجسد بعد الدفن، ليواجه الإنسان ضغطة القبر والمساءلة فيه من قبل الملائكة المكلفين بذلك.
وورد أيضا في وصف هذه الضغطة وشدّتها أنّ الميِّت يتعرّض إلى ضمّة الأرض، إلى الحدّ الذي تُفري لحمه، وتطحن دماغه، وتذيب دهونه، وتخلط أضلاعه، وتكون بسبب النميمة وسوء الخلق مع الأهل، وكثرة الكلام، والتهاون في أمر الطهارة، وقلّما يسلم منها أحد، إلاّ من استوفى شرط الإيمان، وبلغ درجات الكمال.
وضغطة القبر هذه لا يسلم منها إلاّ قليل من الصالحين، غير أنّها درجات في الشدة والألم والتخفيف، متناسبة مع عمل المرء ودينه.
فقد روي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ فقال عليه السلام: "نعوذ بالله منها، ما أقلّ من يفلت من ضغطة القبر..!"(13).

المُنجيات من ضغطةِ القبر

للنّجاة من ضغطة القبر الكثير من الأعمال التي حدثتنا عنها روايات أهل البيت صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن علينا أن لا ننسى دائما أن لا شفيع للمرء خيرٌ من عمله الصالح، وسنذكر عدة من الأعمال التي ذكرتها الروايات. منها:
* قراءة سورة النساء:
روِي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
"من قرأ سورة النساء في كل جمعة أُومِن مِن ضغطة القبر"(14)
* قراءة سورة الزخرف:
فقد روِي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: "من أدمن قراءة "حم" الزخرف آمنه الله في قبرهِ من هوامِّ الأرض وضغطة القبر"(15).
* قراءة سورة ن والقلم:
روِي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "من قرأ سورة ن والقلم في فريضة أو نافلة... وأعاذه الله إذا مات مِن ضمّة القبر"(16)
* صلاة الليل:
فقد روِي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: "عليكم بصلاة الليل، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلي ثمان ركعات، وركعتي الشفع، وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرّة إلاّ أجير مِن عذاب القبر ومِن عذاب النار، ومدّ له في عمره، ووسع عليه في معيشته "(17). * الدعاء:
قراءة الدعاء، ومنه دعاء: "أعددت لكلِّ هولٍ لا إله إلا الله، ولكلِّ همٍّ وغمٍّ ما شاء الله، ولكلِّ نعمة الحمد لله، ولكلِّ رخاءٍ الشكر لله، ولكلِّ أعجوبةٍ سبحان الله، ولكلِّ ذنبٍ أستغفر الله، ولكلِّ مصيبةٍ إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولكلِّ ضيقٍ حسبي الله، ولكلِّ قضاءٍ وقدرٍ توكّلت على الله، ولكلِّ عدوٍ اعتصمت بالله، و لكلِّ طاعةٍ ومعصيةٍ لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم" عشر مرات، وهو دعاء مرويّ عن النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (18).
* الدفن في النجف الأشرف:
فمن خواصِّ هذه التربة الشريفة أنّها تسقط عذاب القبر وحساب منكر ونكير عمّن يدْفن فيها، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان إذا أراد الخلوة بنفسه، أتى إلى طرف الغريِّ. فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف، وإذا برجل قد أقبل من البريّة راكبا على ناقة وقدّامه جنازة فحين رأى عليا عليه السلام قصده حتّى وصل إليه وسلّم عليه، فردّ علي عليه السلام، وقال له: من أين؟ قال: من اليمن.
قال: وما هذه الجنازة التي معك؟ قال جنازة أبي أتيت لأدفنها في هذه الأرض.
فقال له علي عليه السلام: لم لا دفنته في أرضكم؟
قال: أوصى إليّ بذلك، وقال: (إنه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر)
فقال له علي عليه السلام: أتعرف ذلك الرجل؟
قال: لا. فقال عليه السلام: أنا والله ذلك الرجل، أنا والله ذلك الرجل. قم فادفن أباك.
فقام، فدفن أباه (ومن خواصِّ ذلك الحرم الشريف أنّ جميع المؤمنين يحشرون فيه)(19).
يضاف إلى كل ذلك أمور أخرى تراجع في الكتب المفصلة.

السؤال في القبر

إنّ السؤال في القبر، وما يستتبع من الرحمة أو العذاب، من الأمور المسلّمة عند أئمة أهل البيت صلى الله عليه وآله وسلم. فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أنكر ثلاثة أشياء، فليس من شيعتنا: المعراج، والمساءلة في القبر، والشّفاعة"(20).
فعندما يودع بدن الإنسان في القبر، يبعث الله تعالى إلى الميِّت وهو في قبره ملكين، وهما منكر ونكير، فيقعدانه ويسألانه عن ربِّه الذي كان يعبده، ودينه الذي كان يدين به، ونبيِّه الذي أرسل إليه، وكتابه الذي كان يتلوه، وإمامه الذي كان يتولاّه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، فإن أجاب بالحقِّ استقبلته الملائكة بالروح والريحان، وبشّرته بالجنّة والرضوان، وفسحت له في قبره مدّ البصر، وإن تلجلج لسانه وعيي عن الجواب، أو أجاب بغير الحقِّ، أو لم يدرِ ما يقول، استقبلته الملائكة بنزلٍ من حميم وتصلية جحيم، وبشّرته بالنّار.
وقد أوضح الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام أصناف الناس في عالم القبر لأحد سائليه فقال: "لا يسْأل في القبر إلاّ من محض الإيمان محضا، أو محض الكفر محضا، فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم".
فالموتى في عالم البرزخ ثلاثة أصناف بحسب هذه الرواية:
1- صنف محض الإيمان، فحسن دينه وعمله. وهم المؤمنون الصادقون. وهذا الصنف من الناس يسأل في قبره، وينعّم في عالم البرزخ حتى يوم القيامة.
2- صنف من الناس محض الكفر محضا، وهذا الصنف يسأل في قبره فيعاقب في ذلك العالم البرزخي.
3- أمّا الصنف الثالث فهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فهؤلاء مرجون إلى يوم القيامة، ولا يسْألون في قبورهم

ما يدخل مع الإنسان في قبره؟

يستفاد من الروايات الشريفة أنّ الأعمال التي يرتكبها الإنسان تتجسم معه في قبره فإن كانت صالحة كان رفيقا صالحا، وإن كانت طالحة كانت رفيقا طالحا، ففي الرواية أنّ قيس بن عاصم وفد مع جماعة من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطلب منه موعظة نافعة ومن جملة ما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لابدّ لك يا قيس من قرينِ يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميِّت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميِّت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تبعث إلاّ معه، ولا تسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحا، فإنه إن صلح أنست به، وإن فسد لا تستوحش إلاّ منه، وهو فعلك"(21).

ما ينفع الميِّت في قبره

إنّه وإن غيّب الموت الأهل والأحباب والأقارب والمؤمنين، فإنّ التواصل لا ينقطع بالمطلق بيننا وبينهم، بل تبقى روابط الخير والبرِّ تفعل فعلها، فتزيل كربا عنهم، وتوسع عليهم في قبورهم، كما دلت على ذلك الروايات الشريفة، ففي الخبر: كان الموتى يأتون في كل جمعة من شهر رمضان فيقفون، وينادي كلّ واحد منهم بصوت حزين باكيا: يا أهلاه ! يا ولداه ! ويا قرابتاه ! اعطفوا علينا بشيء يرحمكم الله واذكرونا ولا تنسونا بالدعاء وارحموا علينا وعلى غربتنا، فانّا قد بقينا في سجن ضيق، وغمّ طويل وشدّة، فارحمونا، ولا تبخلوا بالدعاء والصدقة لنا لعل الله يرحمنا قبل أن تكونوا مثلنا.
فوا حسرتاه قد كنّا قادرين مثل ما أنتم قادرون.
فيا عباد الله: اسمعوا كلامنا ولا تنسونا فإنكم ستعلمون غدا فانّ الفضول التي في أيديكم كانت في أيدينا فكنّا لا ننفق في طاعة الله، ومنعنا عن الحقّ، فصار وبالا علينا ومنفعة لغيرنا. اعطفوا علينا بدرهم أو رغيف أو بكسرة.
ثم ينادون ما أسرع ما تبكون على أنفسكم ولا ينفعكم كما نحن نبكي ولا ينفعنا فاجتهدوا قبل أن تكونوا مثلنا"(22).
ويلحق الميِّت في قبره ما يفعل من الخير من أقاربه، ويهدى إليه من أحبته الأحياء، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أهدوا لموتاكم. فقلنا: يا رسول! وما هديِّة الأموات؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: الصدقة والدعاء".

خلاصة

البرزخ ما بين الدنيا والآخرة: قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ.
التسليم بعالم البرزخ يتوقف على الإيمان بوجود الروح وبقائها حيّة بعد انفصالها عن البدن، ذلك لأنّ النعيم والعذاب المتحققين في هذه المرحلة من عالم الآخرة، هما نعيم أو عذاب تتلقاه الروح حتى يومِ البعث والنشور والمعاد الجسماني، كما استفاد علماء الإسلام ذلك من الآيات والروايات الواردة في هذا الشأن.
ما يستنتجه التأمّل في الروايات تعلّق الروح بأبدانٍ تماثل الأبدان الدنيوية، لكن بلطافةٍ تناسب الحياة في تلك النشأة.
الإنسان يواجه في لحظة دخوله القبر وحتى يوم القيامة، أمورا هي كالآتي:
1 ـ وحشة القبر
2 ـ ضغطة القبر
3 ـ المساءلة في القبر
لكلٍّ من هذه العقبات منجيات، أشارت لها الروايات الشريفة، وذكرت في كتب الأدعية، ويبقى شفيع المرء الأول عمله.
روِي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: "عليكم بصلاة الليل، فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلي ثمان ركعات، وركعتي الشفع، وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرّة إلاّ أجير مِن عذاب القبر ومِن عذاب النّار، ومدّ له في عمره، ووسِّع عليه في معيشته".

أشعار الحكمة

يا نفس توبي فإنّ الموت قد حانا*** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا *** لقطا وتلحق أخرانا بأولانا
في كلِّ يوم لنا ميت نشيِّعه*** نرى بمصرعه آثار موتانا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا*** ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
نزداد حِرصا وهذا الدهر يزجرنا*** كأنّ زاجرنا بالحرص أغرانا
أين الملوك وأبناء الملوكِ ومن *** كانت تخرّ له الأذقان إذعانا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا *** مستبدلين من الأوطان أوطانا
يا راكضا في ميادين الهوى مرحا *** ورافلا في ثيابِ الغيِّ نشوانا
مضى الزمان وولّى العمر في لعِبٍ *** يكفِيكِ ما قد مضى قدْ كان ما كانا
نقل عن أربعينات العالم الفاضل والعارف الكامل القاضي سعيد القمّي رحمه الله أنه قال: وصل إلينا من أحد الثقات ومحل الإعتماد، عن أستاذ أساتيذنا الشيخ بهاء الملة والدين العاملي قدس سره:
أنه ذهب في أحد الأيّام لزيارة بعض أصحاب الحال، وكان يأوى في مقبرة من مقابر أصفهان، فقال ذلك الشيخ العارف للشيخ:
شاهدت قبل هذا اليوم في هذه المقبرة أمرا غريبا. فقد رأيت جماعة جاؤوا بجنازة ودفنوها في هذه المقبرة في الموضع الفلاني. وبعد مضي ساعة شممت رائحة طيبة لم تكن من روائح هذه النشأة، فبقيت متحيِّرا، فنظرت الى يميني وشمالي لأعرف من أين جاءت هذه الرائحة، فرأيت شابا جميل الصورة في لباس الملوك وهو يذهب الى ذلك القبر حتّى وصل عنده، فتعجبت كثيرا مِن مجيئه الى ذلك القبر.
فعندما جلس عند ذلك القبر رأيته قد غاب وكأنه صار داخل القبر.
فلم يمضِ زمن من تلك الحادثة حتّى شممت رائحة كريهة انتن من كلِّ رائحة، فنظرت فرأيت كلبا يذهب بأثر الشاب حتّى وصل الى ذلك القبر واختفى.
فتعجبت لذلك!! وما كاد تعجبي ينقضي حتّى خرج ذلك الشاب بحال سيِّئة وهيئة قبيحةٍ وبدن مجروح، وقد رجع من حيث أتى.
فذهبت وراءه، ورجوته أن يخبرني بحقيقة الأمر فقال: أنا العمل الصالح لهذا الميِّت، وكنت مأمورا أن أصير معه في قبره، فإذا بذلك الكلب ـ الذي رأيته ـ أتى وهو عمله غير الصالح. فأردت أن أخرجه من القبر لأفي بصحبته فعضني ذلك الكلب بأنيابه، وجرحني ومزق لحيتي كما ترى، ولم يتركني أبقى مع ذلك الشاب، فلم أقدر بعد ذلك أن أبقى معه في قبره، فخرجت، وتركته لوحده.
فعندما نقل العارف المكاشف هذه الحكاية للشيخ، قال الشيخ:
ما قلته صحيح، فنحن قائلون بتجسّم الأعمال وتصوّرها بالصّورة المناسبة بحسب الأحوال.
المصادر:
1- ابن منظور - لسان العرب، ج3، مادة برزخ،ص8
2- المؤمنون:الآية 100
3- الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية – طهران - الطبعة الخامسة - ج 3، ص 242، ح 3
4- ال عمران 169 - 171
5- م . ن . ج 3 ص 245
6- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 6 ص 272
7- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 88 ص 219
8- م . ن .ج6 ص244
9- م . ن . ج 90 ص 207
10- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –ج 6 ص 247
11- الكليني-الكافي-دار الكتب الاسلامية- طهران - الطبعة الخامسة - ج3 ص121
12- المجلسي- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة ج 95 - ص 396/م.ن- ج 7 ص 198
13- الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية – طهران - الطبعة الخامسة - ج3، ص 236
14- الصدوق – محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي - الوفاة: 381–ثواب الأعمال - ص 131
15- م . ن . ص 141
16- م . ن .- ص 147
17- المجلسي- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 87، ص، 161
18- م . ن . ج 84 ص 5
19- المجلسي- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 79 ص 68
20- م . ن . ج 6 ص 223
21- المجلسي- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء،الطبعة الثانية المصححة - ج 7 ص 229
22- الميرزا النوري - مستدرك الوسائل - مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - بيروت - لبنان - ج 2 ص 163