الديكتاتورية وولاية الفقيه

 






 

أثير موضوع الديكتاتورية وولاية الفقيه في بدايات انتصار الثورة الاسلامية المبارکة بشكل واسع من قبل جمع قليل من الذين لم يعجبهم أن تختار الأمة نظام الجمهورية الإسلامية المرتكز على مبدأ ولاية الفقيه، وأبدوا رفضهم باعتراضات أثاروها منها دعوى أنه يلزم من نظرية ولاية الفقيه الديكتاتورية، وأن يكون الحكم المبني على أساسها نظاماً دكتاتورياً!
وقد تصدى الإمام الخميني قدس سره بنفسه لهذه الدعوى كما تصدى لغيرها من الأمور التي طالتْ نظرية ولاية الفقيه، إذ لم يكن يسمح بأي تهاون بها حتى أنه دعا جميع خطباء الجمعة في ذلك الوقت لبيان مسألة ولاية الفقيه بشكل واضح، حتى لا يقع الناس في شباك أولئك الذين أرادوا زعزعة ثقتهم بهذا المبدأ المقدس.
وقد كان أساس تلك الشبهات ومنشؤها هم الأعداء، وإن كان بعضها قد ينطلق من سذجٍ، انقادوا لبعض المفاهيم والأفكار، لكن بالتأكيد فإن الجو الذي يدعو لمناقشة مبدأ ولاية الفقيه بطريقة مسيئة هو جؤ معادٍ سواء كان المناقش منهم أو كان يظن نفسه من المقربين، حتى أنك ترى الغضب والغيظ في كلمات هؤلاء الذين يكتبون ضد مبدأ ولاية الفقيه ولا تجد مبرراً لهذا الغيظ سوى حقد أو انحراف خطير عن دين الإسلام.

رد شبهة الديكتاتورية:

إنما سميناها شبهة لما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى"(1).
وسنكتفي في الرد على هذا الشبهة بما فهمناه من كلمات الإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد، والذي يمكن استخلاصه من كلامه قدس سره في الرد عليها هو ما يلي:
أولاً: ليس من الديكتاتورية في شي‏ء أن يكون النظام المعتمد في إيران الذي أيدته أكثرية الشعب بحيث تجاوزت نسبة التأييد التسعين في المائة دون ضغط أو إكراه، فالشعب بغالبيته العظمى أيَّد ولا يزال نظام الجمهورية الإسلامية المبني على مبدأ ولاية الفقيه كما نص عليه الدستور.
ثانياً: الديكتاتورية متجسدة في كلمات المعترضين، إذ يحاولون وهم القلة أن ينصبوا أنفسهم في موقع يحسبون أنفسهم أوصياء على الشعب والأمة، والحال أن الشعب لم يرض بذلك منهم بدليل أنه خالفهم، وهؤلاء عندما ينصبون أنفسهم في هذا الموقع يسعون لفرض رأيهم وإثارة جو نفسي وزعزعة ثقة الشعب والمسلمين بهذه الجمهورية والثورة، وهذا نحو من أنحاء الديكتاتورية.
ثالثاً: إن من يدعي أن مبدأ ولاية الفقيه يستلزم ديكتاتورية فلا ريب أنه جاهل بهذا المبدأ وأهميته وقدسيته، بل العكس هو الصحيح، فإن الحامي للحريات وفق المبادئ الإسلامية والحامي لإرادة الشعب وحقوقه والمدافع عنه هو مبدأ ولاية الفقيه الذي يقوم بمهمة الإشراف على أمور البلد حتى لا ينحرف أحد ممن يمكن أن يستلم مقدرات البلد.
فهو الذي يمنع رئيس الجمهورية من أن ينحرف وأن يحكم بهواه، وهو الذي يمنع رئيس الوزراء من أن ينحرف ويحكم بهواه، وهكذا الكلام بالنسبة لأي مسؤول، كما أن مبدأ ولاية الفقيه يمنع الفقيه نفسه أن ينحرف وأن يحكم بهواه ولا يحق له ذلك أصلاً بل عليه أن يحكم وفق رأي الإسلام حسب اجتهاده والمفروض أنه بذل جهده كله للوصول إلى هذا الرأي واستكشافه من خلال وسائل الإستنباط الممكنة له، والمفروض أنه مجتهد قادر على استنباط الأحكام الشرعية.
كما أن عليه بذل الجهد في تمحيص الوقائع وتشخيصها حتى يطبق عليها حكمها الإلهي ويحكم على وفقه، والمفروض في الفقيه الولي العدالة والورع والكفاءة بل الأكفئية في تحقيق كل ذلك، كما ان المفروض ان في الأمة علماء وتقاة وثقاة ورعون يراقبون حركة الفقيه وبإمكانهم عزله إن انحرف وصار يحكم برأيه، وقد صان الدستور هذا الحق للخبراء وللأمة.
وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إذا استند الحكم إلى الرأي الشخصي بعيداً عن أي اعتبارات صحيحة وأجبرهم على اتباعه، وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إن كان الحكم وفق الهوى متاحاً للحاكم، وكان الحاكم قادراً على أن ينفذ جميع رغباته بدون أن يتجرأ أحد على معارضته.
والإنصاف أن كثيراً من مدعي الحرية والمطالبين بها هم في واقعهم يريدون أن يكونوا حاكمين ديكتاتوريين، لأنه ما من حاكم حكم أمة إلا وكان الهوى رائده، ويكاد يندر أن تجد أمة أو شعباً يخضع فيها الحاكم لضوابط تكون حاكمة عليه كما تكون حاكمة على الأمة، ومبدأ ولاية الفقيه يجعل الفقيه كغيره من أبناء الأمة خاضعاً للقانون والتشريع الإسلامي فلا يستطيع أن يحيد عنه قيد أنملة، وعند التدقيق نجد أن أقوى ضمانة يمكن أن يقدمها الإسلام للمنتسبين إليه في عصر الغيبة هو مبدأ ولاية الفقيه.
نعم لو أريد من الديكتاتورية حكم الرجل الواحد لصح هذا التعبير، لكنه تعبير يحمل المغالطات الكثيرة، فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكم الرجل الواحد .
ومع ذلك لا يستطيع عاقل مسلم أن يقول إن حكمه كان ديكتاتورياً وكذا حكم أمير المؤمنين عليه السلام. فليس كلما كان الحكم حكم الرجل الواحد كان الحكم ديكتاتورياً بل ربما كان الحكم ديكتاتورياً مع كون الحاكم مجموعة من الناس لا يوجد بينهم أي رابط حزبي، وربما يحكم الرجل الواحد فيجسد أرقى مظاهر الحرية المسؤولة والمشورة وفق القيم الصحيحة التي نراها متجسدة بالإسلام.
وللأسف فإن كثيراً من المعترضين بالديكتاتورية وغيرها من الإعتراضات على نظام ولاية الفقيه يريدون في الحقيقة الخروج من حكم الإسلام والتفلت من قيوده وتشريعاته، ومشكلتهم الأساسية مع الدين نفسه، يريدون أن تكون لهم كلمة في مقابل كلمة الله وكلمة الله هي العليا لو كانوا يفقهون.
رابعاً: على أن هؤلاء المعترضين لن يعترضوا بهذا الإعتراض لو كانت الصلاحيات كلها التي ثبت في الإسلام أنها للفقيه قد أعطيت لإنسان آخر غير فقيه بل وغير مسلم، بل ربما سيمدحون الشخص والنظام، ولكنهم يعيشون عقدة الإسلام ولا يتجرأون على قول ذلك.
خامساً: على أنه في دستور الجمهورية قد حُددتْ للفقيه صلاحيات هي أقصر دائرة من صلاحياته الأساسية، وإنما وافق عليها الإمام الخميني وتلاميذه من مؤسسي الجمهورية المباركة لأن الإمام مؤمن بإعطاء دور للأمة.
سادساً: كما أن الفقيه يمارس الشورى بأفضل طرقها وهو ملزم شرعاً وعقلاً بالإستشارات في بعض المواضع.
بل نجد أن الإمام الخميني قدس سره وهو الولي الفقيه الذي كان بإمكانه أن ينفرد بالحكم ولم يكن ليعترض عليه أحد نظراً لعمق المحبة له في قلوب الشعب المسلم في الجمهورية الإسلامية في إيران بل وخارجها وجميع المستضعفين في الأرض، قد أسس لعمل جماعي يخرج فيه الحكم عن حكم الرجل الواحد، ليكون المستقبل أكثر ضماناً للأمة والمجتمع من خلال تشكيل المؤسسات التي شُرِعِّتْ في الدستور وأُعطِيتْ صلاحيات وتجسدتْ بذلك أرقى مظاهر الشورى إن على مستوى التشريع أو على مستوى القضاء أو على مستوى الحكم عامة، كمؤسسة المجلس النيابي التشريعي، ومؤسسة مجلس الوزراء، ومؤسسة مجمع تشخيص المصلحة، ومؤسسة شورى القضاء، ومؤسسة مجلس الخبراء، ومؤسسة مجلس المحافظة على الدستور وغيرها من المؤسسات، وهذا كله من نتاج ولاية الفقيه تحت إشراف الفقيه المسدد الإمام الخميني المقدس قدس سره.
والخلاصة: أنه لا ينبغي لإنسانٍ‏ٍ فهم ولاية الفقيه أن يعترض بهذا الإعتراض، لكن غالب المعترضين هم للأسف إما جهلة بهذا المبدأ أو يعيشون عقدة من الفقهاء أو من الإسلام أو من كل ما هو دين، أو هم قوم خبيثوا النية يريدون التسويق لأفكار غريبة عن الأمة لأهداف شيطانية وهو ما لن يخفى على أي متتبع، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون والكافرون.
وسنشهد تكرر هذا الإعتراض كلما سنحت الفرصة بذلك لا بهدف البحث عن حل له، بل بهدف التشويش على هذا المبدأ المقدس وبهدف تضييعه وتضييع المجتمع الإسلامي القائم عليه.
إن ضمانتنا الكبرى في عصر الغيبة ليس في ولاية الأمة على نفسها، بل ضمانتنا في مبدأ ولاية الفقيه، ولا يمكن لأي مجموعة من الناس أن تزعزع ثقتنا بهذا المبدأ، ولا أن تجعلنا نقنع بغيره من أسس الحكم، فما وجدنا ولن نجد أماناً في ظل أي شي‏ء آخر.
ثم إن النقاش مفتوح على المستوى العلمي والفكري سواء في صلاحيات الفقيه الولي أم في مبدأ ولاية الفقيه، لكن بروحية استكشاف ماذا يريد الإسلام، لا من خلفية ما الذي يعجبنا وما الذي لا يعجبنا، وهذا يستدعي حسن رعاية لأسلوب النقاش وزمان ومكان عرضه ولا يتلاءم أبداً مع أي طريقة أخرى تهدف عن قصد أو غير قصد إلى تشويه صورة المبدأ أو إلى جرأة الآخرين على هذا المبدأ.
كيف يكون ولي الأمر المختار من قبل أهل خبرة بلد ولياً على أهل بلد آخر؟
ربما يتساءل البعض: أنه إن كان ولي الأمر المختار ولياً على الأمة الإسلامية بأجمعها فهذا يقتضي أن تشارك الأمة كلها في اختيار ولي الأمر، بينما الذي يحصل هو خلاف ذلك، أي إن بعض الأمة تختار ولي الأمر دون أن يكون للبعض الآخر دخل في ذلك، ثم يصبح هذا الولي ولياً على الجميع بمن فيهم هذا البعض الذي لم يكن له أي دور في اختياره، وربما يكون عدد هذا البعض أكبر من عدد الذين شاركوا في الإختيار، ومن هنا يحق لنا السؤال: كيف صار الولي المنتخب من قبل بعض الأمة ولياً على الجميع؟
وهذا وإن كان متعقلاً في الأزمنة السابقة، حيث لم يكن بمقدور الأمة أن تشارك بأجمعها في اختيار الولي لصعوبة التواصل وبالتالي الحضور في الوقت المناسب، لكنه في هذا الوقت لم يعد بالإمكان الإتكال على مجموعة خاصة ونهمل الباقي بعد أن بلغت الإتصالات مرحلة من التطور بحيث يمكن خلال يومين أن يجتمع مندوبوا المسلمين من جميع الدول والمشاركة في الإختيار أو يشاركون في أماكنهم.

وبعبارة صريحة نقول كنموذج تطبيقي لما نقول:

إن المجتمع المسلم في إيران يختار أهل الخبرة من مجتمعه، بينما لا يختارالمجتمع المسلم في لبنان وغيره من البلاد الإسلامية أهل خبرة من عندهم يكونون جزءاً من مجلس الخبراء الذي يتولى اختيار القائد ومراقبة مسيرته وعزله حين يحتاج الأمر إلى العزل، فهل يمكن مع ذلك فرض أن ولي الأمر في المجتمع المسلم في إيران ولياً على مسلمي لبنان وغيره من البلاد الإسلامية؟

وللاجابة عن هذا التساءل نقول:

أولاً: نحن نسلم بأن المبدأ يقتضي ما ذكر لكن لا يبلغ حد الإلزام والضرورة.
ثانياً: نحن في الواقع لا نعتبر أن ذلك الأمر لم يحصل ولا نعتبر أننا غير مشاركين في تلك المسألة، بل لنا دور على مستوى التعيين، كما لنا دور على مستوى العزل.
أما على مستوى التعيين فكل المطلوب منا هو أن نحرز كالمسلمين الإيرانيين أن الشخص المعين من قبل أهل الخبرة قد توفرت فيه جميع الشروط المعتبرة في الوالي.
أما على مستوى العزل فلأننا عندما نحرز من طريق شياع أهل الخبرة المفيد للعلم أو الإطمئنان أنه لم يعد صالحاً لهذا الموقع نصبح غير معنيين بولايته.
وبعبارة مختصرة المطلوب منا أن نحرز من خلال شياع أهل الخبرة توفر الشروط فيه حتى تصبح طاعته واجبة علينا، كما أننا لا نكون معنيين بالطاعة لو أحرزنا من خلال الشياع المذكور أيضا عدم توفر الشروط أو زوالها.
وإنه لمن المنطقي تماماً أن نحرز هذا وذاك من رأي مجلس الخبراء المشكل في الجمهورية الإسلامية في إيران كما سنبين ذلك فيما بعد.
ومنشأ ما ذكرناه الآن هو ما ذكرناه سابقاً أن الإنتخاب ليس دوره إعطاء شرعية حكم للمنتخب، بل استكشاف صاحب الشرعية، وأن ذلك لا يكون إلا من خلال شياع أهل الخبرة المفيد للعلم أو الإطمئنان، وقد ذكرنا أنه لا يكفي في التعيين قول شخص أو شخصين، ولا شياع غير اهل الخبرة، كما لا يكفي ذلك في العزل أو رفض الولاية، فراجع ما ذكرناه.
وهذا المعنى متحقق في ولاية ولي أمر هذه الجمهورية، فإننا من خلال شياع أهل الخبرة علمنا بتوفر الشروط وانكشف لنا من هو صاحب الحق بالطاعة وصاحب الشرعية بالحكم، ولذا صرنا ملزمين بطاعته، وإن لم نكن ملزمين بتفاصيل الحكم المختص بإدارة الجمهورية الإسلامية، ولذا لا نعتبر رئيس الجمهورية ولي أمرنا إلا إذا أمَّرَهُ علينا الإمام القائد، وكذا غير الرئيس من المسؤولين في تلك الجمهورية.
ثالثاً: إذا التفتنا إلى ما ذكرناه سابقاً نقول إنه من الضروري تحديد المقصود من السؤال وتحديد منشئه ومنطلقه.
فإن كان المنطلق حالة قومية أو شخصية، فإننا لا نملك جواباً على هذا السؤال إلا تقديم النصح بضرورة الإلتزام بالأخلاق الإسلامية وتربية النفوس على قواعد إسلامية، لأن خلفية السؤال غير دينية، والإسلام لم يأخذ بعين الإعتبار هذه الإعتبارات في تشريعاته وخصوصاً في باب الولاية، فإن مجرد أن المسلم اللبناني لم ينتخب أو لم يختر شخصاً من أهل الخبرة فهذا لا يشكل أساساً للطعن من الجهة الشرعية في الموضوع الجاري حالياً في الجمهورية الإسلامية المباركة.
نعم سيكون طعناً إن اعتبرنا أن الولي في إيران إيراني، وسيكون طعناً إن اعتبرنا مجلس الخبراء مجلساً قومياً إيرانياً فنسأل عن مجلس لبناني أو عن مجلس يكون خليطاً بين إيرانيين ولبنانيين.
فالسؤال بالخلفية المذكورة سؤال خاطئ.
بل السؤال الذي يهمنا كمسلمين مع غض النظر عن كوننا لبنانيين أو إيرانيين أو من أي جنسية كنا، هو هل هذا المجلس مشكل من أهل خبرة أم لا؟ وهل نعترف بكونهم أهل خبرة أم لا؟ وهل هم عدول أم لا؟ وهل يملكون القدرة على تمييز الشخص الذي يملك أهلية الولاية أم لا؟ وبالتالي هل هم حجة علينا أم لا؟.
فإن كان الجواب بالإيجاب، فلن يضر في الموضوع الشرعي بعد ذلك كون أهل الخبرة إيرانيين أو عراقيين أو من غيرهم. وإن كان الجواب بالسلب فلن يفيدنا حينئذ كون المجلس خليطاً من شعوب مختلفة وقوميات متعددة. وبعبارة أوضح: إن كان العدد المتوفر في المجلس هو من أهل الخبرة وكان يكفي لتحصيل العلم أو الإطمئنان كما ذكرنا ذلك فيما سبق حين الحديث عن مجلس الخبراء، فهو حجة علينا سواء شاركنا في الإنتخاب أم لم نشارك، وسواء كان لنا مندوبون من أهل الخبرة أم لم يكن.
نعم قد أشرنا إلى أن المشاركة كلما عمت كلما كان ذلك أحسن لكي يشعر المسلمون على اختلاف بلادهم أن لهم دوراً وأنهم يتحملون جزءاً من المسؤولية في هذا المجال، لكن التفضيل والإستحسان شي‏ء ولزومه الشرعي بحيث يصلح ما ذكر نقضاً على العملية الجارية شي‏ء آخر.
لكننا عندما نفضل ذلك فإنما نستحسنه مع إمكان تنفيذ ذلك، ومع إمكان إصدار تشريع يسمح للخبراء من الدول المختلفة في المشاركة من غير ضرر بمصالح الجمهورية الإسلامية التي يعتبر حفظها من أهم الواجبات في الإسلام.
ولكن الذي يسهل الأمر ويؤدي إلى القناعة بأن المجلس يتضمن أهل الخبرة، أن المرشحين لهذا المجلس يجب أن يأخذوا موافقة مجلس أعلى يدقق في حملهم للمواصفات التي تجعلهم أهلاً ليكونوا في هذا المجلس، فنحن لم نستدل على كون المنتخبين في هذا المجلس هم من أهل الخبرة من خلال انتخاب الناس لهم، بل من خلال تأييد ذلك المجلس الأعلى لأهليتهم، والمفروض أن أعضاء ذلك المجلس الأعلى من المعروفين بالعلم والعدالة والورع والتقوى، بل هذا هو ما نعرفه عنهم فعلاً، فمهما كانت جنسية الأشخاص المنتخبين في مجلس الخبراء فهم من أهل الخبرة، وبالتالي فإن قولهم حجة علينا.
نعم سنقع في مشكلة لو أن مجلس الخبرة يفتش عن ولي أمر يكون إيرانياً ويفضله على غيره من الأقطار الأخرى حتى وإن كان هذا الغير أفضل وأكفأ من الإيراني، وبعبارة أصرح سنكون أمام محذور شرعي، لأن الواجب على مجلس الخبراء أن يفتش عن الولي الأصلح من بين جميع الفقهاء في جميع البلاد الإسلامية، أما حصر البحث بالفقهاء الإيرانيين فهو مخالف للشريعة، لأنه لا يشترط في الفقيه الولي أن يكون من جنسية معينة، نعم يجوز ذلك مع الضرورة الداعية لذلك.
لكن الذي يجري في الجمهورية الإسلامية يجري على النهج الصحيح، ولذا نجد أنه لم يشترط في دستور الجمهورية الإسلامية أن يكون الولي إيرانياً، علماً أنهم اشترطوا ذلك في رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. والسر في ذلك أن رئيس الجمهورية رئيس للإيرانيين وليس رئيساً لجميع المسلمين، بينما الولي ولي على جميع المسلمين، فمن جهة التشريع تم تشريع قانون يوافق المبادئ الإسلامية في موضوع تعيين الولي من حيث عدم اشتراط جنسية معينة.
كما أن التنفيذ يسير بشكل سليم لأننا نعلم بأن أعضاء مجلس الخبراء يبحثون عن الولي من بين جميع الفقهاء المسلمين لعلمنا بورعهم وعلمهم ومعرفتهم بأن الولي لا يشترط فيه أن يكون إيرانياً بل مع علمهم أن هذا الشرط لاغ شرعاً.
ولو فرضنا أن مصلحة الإسلام والأمة وحفظ الجمهورية الإسلامية توقفت على أن يكون الولي إيرانياً، بحيث إن لم يكن إيرانياً يخشى من زوال الإنجازات التي تحققت بما يشبه المعجزة، ويخشى من أن تسقط راية الإسلام هناك، خصوصاً وأن الألاعيب السياسية والإجتماعية والمؤامرات الهادفة إلى إسقاط ذلك النظام المقدس الذي اعتبره الإمام الخميني قدس سره)بحق أوجب من الصلاة وجميع العبادات، واعتبر بحق أن حفظه من أهم الواجبات ففي مثل هذه الحال لا مانع من اختيار ولي إيراني كفوء تتوفر فيه الشروط المعتبرة في الولي.
وفي هذه الحال يجب علينا أيضاً الإنقياد له لأن الفرض أن ضرورة الإسلام دعت إلى تخصيص الإختيار، ويجب على جميع المسلمين التضحية من أجل الإسلام وتقديم مصلحة الإسلام على جميع الإعتبارات الشرعية وغيرها ويكون هذا التكليف مقدماً على أي اعتبار آخر وأي تكليف آخر.
لكن بحمد الله لم نصل إلى هذه المرحلة من الضرورة والإضطرار، بل لا زال هذا المنصب تحت سلطة الفقيه الكفوء الذي تتوفر فيه أفضل الشروط من بين جميع فقهاء المسلمين، كما كان كذلك في عهد الإمام الخميني قدس سره ولا أعتقد أننا سنبلغ مرحلة الإضطرار المذكورة لأن الله تعالى قد شاء أن تكون الجمهورية الإسلامية مركزاً حوزوياً ومنبعاً علمياً مهماً يتخرج منه العلماء الفقهاء القادرون على تحمل أعباء المسؤولية، وأملنا بالله تعالى أن يحفظ المسيرة ويهي‏ء لها حفظة وأمناء إلى أن يظهر الحجة عجل الله فرجه الشريف.

مقتطفات من كلام الامام الخميني قدس سره

1- ولاية الفقيه شوكة في أعين الاعداء

* ولاية الفقيه هذا القانون الراقي من قوانين الاسلام هو شوكة في أعين الاعداء فحيكت ضده المؤمرات حتى يصير الناس غير مبالين بهذا القانون الاساسي، فاسألوهم ان كانوا يعتبرون هذا القانون الاساسي رجعيا فأي مادة هي الرجعية ؟ فسيقولون هي مادة ولاية الفقيه، وهم انما يخافون من الاسلام ويعتبرون الاسلام رجعيا، ولكن لا جرأة لديهم للنطق بهذا لكنهم يعبورن بما يدل عليه فيقولون: يريدون اعادتنا الى ما قبل 1400 سنة.
* وقد كان مبدأ ولاية الفقيه سامياً الى درجة أنه قل نظيره من حيث الشروط المعتبرة فيه من الجهة الاخلاقية والدينية والعلمية والعملية ومن حيث الحاجة الى ثبوت ذلك للناس والشعب نفسه يحدد ذلك...
* ان هذه المادة هي من ارقى المواد في القانون الاساسي، وهي عدو الذين ينادون بأقلامهم بضرورة تبديل اسم الجمهورية الى جمهورية ديموقراطية بدل اسلامية وهم لا يدركون انه لا وجود لمثل هذه الديموقراطية في العالم، والا فاي دولة هي التي عملت بموازين الديموقراطية بل ما هو معناها؟ ولها في كل مكان وكل بلد معنى، ومعناها في الاتحاد السوفياتي مختلف عن معناها في امريكا. ولها في مكان آخر معنى ثالث فليس من معنى واحد، بل الحديث عن الديموقراطية حديث عن امر مجهول له في كل مكان معنى، وهذا يمنعنا من ادراج هذه الكلمة في القانون الاساسي حتى لا تكون قابلة للتأويلات المختلفة والتفسيرات حسب الاهواء والمشتهيات.
* لكن عندما نقول اسلامية نكون قد احلنا الى معنى واضح، لان الاسلام له معنى واحد في كل مكان وزمان، وجميع المسلمين يعرفونه، قلنا جمهورية اسلامية، والشعب اراد ذلك بغالبية تقرب من الاتفاق، لان نسبة المخالفين كانت اثنين في المائة، وهي مخالفة تعبر عن خوف من الاسلام لا من الجمهورية، وهي ما يوجعهم.. بينما اراد الشعب الاسلام لان الاسلام يدلهم على ماذا يجب ان يحصل لان الاسلام دنيا وآخرة.
* لن تأتي امريكا بالرمح الى ساحة المواجهة بل ستأتي بالقلم، لن تأتي بقوى عسكرية بل ستضع يدها بيد أمثال هؤلاء الذين عليهم ان يلتفتوا الى ان لا يصبحوا آلة بيد الاعداء.

2- ولاية الفقيه هبة الهية

* سئلت فيما سبق عن الطلاق فأجبت انه يمكن للزوجة ان تشترط في عقد الزواج على زوجها انها وكيلة في طلاق نفسها، لكن هذا الجواب لا يكفي، اذ ما حال اللواتي لم يذكرن هذا الشرط في عقد الزواج.
ولاية الفقيه تحل هذه المشكلة، لان للفقيه ان يطلق المرأة من زوجها إن اساء معاملتها بعد ان ينصحه الفقيه اولا، ثم يؤدبه ثانيا، فان لم يرتدع يطلقه منها.
وعندما قلت هذا الكلام وافق على ولاية الفقيه من كان مخالفا لها، فهم لا يدركون ان من صلاحيات الفقيه الولي ان يطلق في مورد يترتب على الزواج الفساد وافساد حياة ان لم يكن هناك حل آخر رغم أن الطلاق هو بيد الرجل.
* إن ولاية الفقيه هبة إلهية للمسلمين... واعلموا ان الاسلام للجميع
ومفيد للجميع فلا تخافوا منه، ولا تُخوفوا الناس منه تكتبون ما تريدون وكل ما يخطر على بالكم من جهلكم بالاسلام، او ربما تكونون قد قرأتم كتابا عن الاسلام يكون مؤلفه جاهلا بالاسلام فتستنفرون، بل احيانا يكون هناك سوء قصد، وارادة اعاقة تقدم هذه النهضة، بعد ان رأوا البعد بينهم وبين الناس ورأوا انهم خسروا مصالهم التي كانوا ينالونها من النظام السابق.

3ـ ولاية الفقيه ليست ديكتاتورية:

* يقولون إن كانت هذه هي ولاية الفقيه وهذه هي صلاحياته وجب اقامة المآتم، انهم لا ينطقون بكلمة لو كانت هذه الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية الفلاني، وان كان منحرفا ولكنهم يكثرون من الكلام عندما لا تكون القدرة شيطانية، بل تكون قدرة النظارة على امور البلد حتى لا ينحرف البلد... انتم الاقلية تجلسون تريدون ان تحكموا الاكثرية باقلامكم فانتم الديكتاتوريون، وذلك الدكتاتوري حكم بالسيف وانتم تريدون ان تحكموا بالقلم وسينكسر قلمكم كما انكسر سيفه.
* فاستيقظوا من غفلتكم ايها السادة وتنبه ايها الشعب من هؤلاء المنحرفين الجالسين على هامش الطريق، يريدون حرف الشعب والثورة ويتخيلون انهم سيسقطونها، واعلموا انهم لا يقدروا على ذلك... ولاية الفقيه ضد الديكتاتورية، والفقيه لا يريد ان يقول الزور للناس، ولو فعل الفقيه ذلك لسقطت ولايته.
* ان الحاكم في الاسلام هو القانون والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تابع للقانون الالهي، فان كان الرسول ديكتاتوريا يمكن ان يكون الفقيه ديكتاتوريا إن كان امير المؤمنين عليه السلام ديكتاتوريا يمكن ان يكون الفقيه ديكتاتوريا. لا ديكتاتورية في ولاية الفقيه، بل هي ولاية على الامور حتى لا تخرج عن مسارها، فهو يشرف على المجلس وعلى رئيس الجمهورية حتى لا يرتكب أي خطأ، ويشرف على جميع الاجهزة وعلى الجيش حتى لا يرتكب أي خطأ، فهو يمنع من الديكتاتورية..
* صلاحكم في ان تتوقفوا عن هذه الكلمات وعن هذه المؤامرات وعن هذه الاخطاء وان تعودوا الى الامة... هل فكرتم انكم تخدمون اعداء الشعب. بعضكم عن غفلة، وبعضكم عن قصد، فلا تثيروا ضجة الى هذا الحد.

4- دور الناس في اختيار مسؤوليهم:

عليه السلام آمل ان تفكروا في المرشحين لرئاسة الجمهورية، وان تختاروا الاكثر التزاما، فلا تختاروا من تربى تربية الغرب، ولا من تربى تربية الشرق، بل اختاروا المسلم العامل باحكام الاسلام والوطني الذي يحمل هم الشعب والذي يخدم الشعب ذو الماضي الجيد، ومن لم يعمل في اجهزة النظام السابق، ولم يكن له ارتباط بالاجانب، بل يكون منكم ولكم، والاختيار بيدكم، فأنا لا اريد ان اعين شخصا، بل علينا تحديد المواصفات وعليكم انتم الانتخاب... يجب ان يكون ملتزما بالاسلام، مؤمنا بقوانين الاسلام، يخضع للقانون الاساسي ولمبدأ ولاية الفقيه.

5- الاختلاف والحرية في ظل ولاية الفقيه:

* سئل الامام الخميني قدس سره عن الاختلاف في الآراء حول ولاية الفقيه فأجاب: بأن هذا امر طبيعي، بل ان الخلافات كثيرة في عالم الفقه، لكن الناس لم تلتفت اليها الى ان يقول: يجب في الحكومة الاسلامية ان يبقى باب الاجتهاد مفتوحا، وطبيعة الثورة والنظام تقتضي عرض الآراء الاجتهادية المختلفة بشكل حر، ولا حق لاحد في ان يمنع ذلك... ولا يكفي الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه في الحوزات، بل لو كان الفرد هو الاعلم في جميع العلوم الحوزوية المعهودة لكنه لم يكن قادرا على تشخيص مصلحة المجتمع او لم يكن قادرا على تمييز الاشخاص الصالحين عن الطالحين وكان بشكل عام فاقدا للرؤية الصحيحة على المستوى الاجتماعي والسياسي واتخاذ القرارات الصحيحة، فهذا الشخص لا يصلح لان يكون زمام المجتمع بيده.
* فما دام الاختلاف في هذه الدرائرة فلا ضرر على الثورة، نعم ان صار الاختلاف جوهريا فهذا يضعف النظام وهذه مسألة واضحة لدى جميع الافراد والاجنحة الموجودة المرتبطة بالثورة، والاختلاف الموجود هو محض سياسي وان اعطي شكل المبدئي، لان الجميع متفقون في الاصول، ولذا فإني اؤيدهم وهم اوفياء للاسلام والقرآن والثورة وقلوبهم تحترق من اجل بلدهم وشعبهم، كل منهم يطرح رأيه من اجل الاسلام وخدمة المسلمين، والاكثرية القاطعة من الجناحين تعمل لاستقلال البلد وتطهيره من الفاسدين وكلاهما يريدان ان يعم الصلاح بين الناس في البلد..
- نعم يجب الاجتناب عن الاختلاف الناشىء عن حب النفس، وهو ما لا نراه في الجناحين.

مقتطفات من كلمات الإمام القائد آية الله العظمى السيد الخامنئي دام ظله

1- دور الناس في تعيين الحاكم في عصر الغيبة:

* ... أما بعد عهد الائمة المعصومين وحيث لا يوجد شخص معين قد نصب من قبل الله كحاكم للمجتمع، فإن المناط في تعيين الحاكم هم:
اولا- حيازته للصفات التي حددها الاسلام كالعلم والتقوى والكفاءة والاخلاص وسائر الصفات...
ثانيا - قبول الناس به واجتماع كلمتهم عليه، فان لم يعرف الناس ذلك الشخص الحائز على مواصفات الحاكم او لم يقبلوه على الرغم من توفر الشروط اللازمة فيه فانه ليس حاكما، واذا وجد شخصان حائزان على تلك المواصفات وقبل الناس احدهما فالحاكم من اختاره الناس، فقبول الامة ورضاها شرط من شروط الحاكمية
وهذا الامر ورد أيضاً في دستور الجمهورية الاسلامية في ايران، اذ ينص الدستور على كونه مجتهدا عادلا مديرا مدبرا ذا رأي وبصيرة قد عرفه الناس ووصل الى مرتبة المرجع الذي يقلده الناس ويظهرون الرغبة فيه والاقبال عليه، فاذا لم يعرف الناس مثل هذا الشخص فإن خبراء الامة يبحثون عنه فإذا شخصوه وعرفوه بادروا الى تعريف الامة به، وهكذا ترون اهمية الدور الذي سقوم به النماس في تعيين الحاكم الاسلامي.

2- معنى ولاية الفقيه:

* المراد بالولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط هو ان الدين الاسلامي الحنيف الذي هو خاتم الاديان السماوية والباقي الى يوم القيامة هو دين الحكم واداة شؤؤون المجتمع، فلا بد ان يكون المجتمع بكل طبقاته ولي امر وحاكم شرع قائد، ليحفظ الامة من اعداء الاسلام والمسلمين، وليحفظ نظامهم وليقوم باقامة العدل فيهم، ويمنع تعدي القوي على الضعيف، وبتأمين وسائل التقدم والتطور الثقافية والسياسية والاجتماعية، والازدهار لهم.
- وهذا الامر في مقام تنفيذه عمليا قد يتعارض مع رغبات واطماع ومنافع وحريات بعض الاشخاص، ويجب على حاكم المسلمين حين قيامه بمهمات القيادة على ضوء الفقه الاسلامي اتخاذ الاجراءات اللازمة عند تشخيص الحاجة الى ذلك، ولا بد ان تكون ارادته وصلاحياته فيما يرجع الى المصالح العامة للاسلام والمسلمين حاكمة على ارادة عامة الناس عند التعارض وهذه نبذة يسيرة عن الولاية المطلقة.

پي‌نوشت‌ها:

1- نهج البلاغة ص‏81.

المصدر : بحوث في ولاية الفقيه