عضویت پارسی English
قال رسول الله صلّی الله علیه و آله: أحَبَّ اللَّهُ مَن أحَبَّ حُسَیناً. بحارالأنوار، ج43، ص261

عدد المشاهدات : 62

6 شوال 1437

ما لأهل البيت عليهم ‌السلام في القرآن الكريم

ما لأهل البيت عليهم ‌السلام في القرآن الكريم

 ما لأهل البيت عليهم ‌السلام في القرآن الكريم

 





 

من حقوق أهل البيت عليهم ‌السلام ولايتهم

قد دلّت الروايات المتضافرة علىٰ أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ارتحل وقد نصّب عليّاً عليه‌السلام للولاية والخلافة ، فأبان ولايته وولاية من بعده من الأئمّة في مواقف مختلفة ، نذكر
منها موقفين :
الأوّل : انّ سائلاً أتى مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ عليه‌السلام راكع ، فأشار بيده للسائل ، أي اخلع الخاتم من يدي ، فنزل قوله سبحانه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ).
وقد تضافرت الروايات على نزول الآية في حقّ علي عليه‌السلام ونقلها الحفّاظ ، منهم : ابن جرير الطبري والحافظ أبو بكر الجصاص الرازي والحاكم النيسابوري والحافظ أبو الحسن الواحدي النيسابوري وجار الله الزمخشري (1) ، إلى غيرهم من أئمّة الحفاظ وكبار المفسِّرين ربَّما ناهز عددهم السبعين. وهم بين محدِّث ومفسّر ومؤرِّخ.
والذي يجب التركيز عليه هو فهم معنى الولي الوارد في الآية المباركة والذي وقع وصفاً لله سبحانه ولرسوله ومن جاء بعده.
المراد من الولي في الآية هو الأولوية الواردة في قوله سبحانه : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ).
فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولىٰ من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ، فهو بما انّه زعيم المسلمين ووليّهم ، يتصرّف فيهم حسب ما تقتضيه المصالح في طريق حفظ كيان الإسلام وصيانة هويَّتهم والدفاع عن أراضيهم لغاية نشر الإسلام.
وليست الغاية من هذه الولاية الموهوبة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي حفظ مصالح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشخصية ، بل الغاية كما عرفت صيانة مصالح الإسلام والمسلمين.فالولاية بهذه المعنى هي المراد من قوله سبحانه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) والقرائن الدالَّة على تعُّين هذا المعنى كثيرة ، نذكر منها ما يلي :
الأوّل : إذا كان المراد من الوليّ هو الزعامة ، يصحّ تخصيصها بالله سبحانه ورسوله ومن أعقبه ، وأمّا لو كان المراد منه هو الناصر والمحب ، فهو ليس مختصاً بهؤلاء ، لأنّ كلّ مؤمن محب للآخرين أو ناصر لهم كما يقول سبحانه : ( وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ).
الثاني : انّ ظاهر الآية انّ هناك أولياء وهناك مولّى عليهم ، ولا يتحقّق التمايز إلا بتفسير الولاية بمعنى الزعامة حتى يتميّز الزعيم عن غيره ، وهذا بخلاف ما لو فسرّناه بمعنى الحب والود أو النصر ، فتكون الطوائف الثلاث عندئذ على حد سواء
الثالث : إذا كان المراد من الولي هو الزعيم ، يصحّ تخصيصه بالمؤمن المؤدّي للزكاة حال الصلاة ، وأمّا لو كان المراد بمعنى المحبّ والناصر وما أشبههما يكون القيد زائداً ، أعني : إعطاء الزكاة في حال الصلاة ، فانّ شرط الحب هو إقامة الصلاة وأداء الزكاة ، وأمّا تأديتها في حال الركوع فليس من شرائط الحب والنصرة ، وهذا دليل على أنّ المراد فرد أو جماعة خاصة يوصفون بهذا الوصف لا كلّ المؤمنين.
الرابع : انّ الآية التالية تفسر معنى الولاية ، يقول سبحانه : ( وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ).
فانّ لفظة ( الَّذِينَ آمَنُوا ) في هذه الآية هو الوارد في الآية المتقدمة ، أعني :
( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) ، وعلى هذا يكون المراد من الولي أخذهم زعيماً وولياً بشهادة انّ حزب الله لا ينفك من زعيم يدبِّر أُمورهم.
إلى هنا تبيّن انّ الإمعان في القرائن الحافَّة بالآية تفسّر معنى الولي وتعيَّن المعنى وتثبت انّ المقصود هو الزعيم ، لكن من نكات البلاغة في الآية انّه سبحانه صرح بولايته وولاية رسوله ومن جاء بعده وعلى ذلك صارت الولاية للثلاثة ، وكان اللازم عندئذٍ أن يقول إنّما أولياؤكم بصيغة الجمع لكنّه أتى بصيغة المفرد إشارة إلى نكتة ، وهي انّ الولاية بالأصالة لله سبحانه وأمّا ولاية غيره فبإيهاب من الله سبحانه لهم ، ولذلك فرّد الكلمة ولم يجمعها ، لكن هذه الولاية لا تنفك من آثار ، وقد أُشير إلى تلك الآثار في آيات مختلفة ، وإليك بيانها :
1. ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ).
فانّ لزوم إطاعة الله والرسول وغيرهما من آثار ولايتهم وزعامتهم ، فالزعيم يجب أن يكون مطاعاً.
2. ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ).
فينفذ قضاؤه سبحانه والَّذي هو من آثار الزعامة ، ونظيره قوله سبحانه : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ).
3. ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). فحرمة مخالفة أمر الله ورسوله من توابع زعامتهم وولايتهم.فهذه الحقوق ثابتة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنص القرآن الكريم ولمن بعده بحكم انّهم أولياء بعد النبي فانّ ثبوتها للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأجل ولايته فإذا كانت الولاية مستمرة بعده فيتمتع كلّ وليٍّ بهذه الحقوق.
وبهذا تبيَّنت دلالة الآية على ولاية علي عليه‌السلام وانّها حقّ من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام لصالح الإسلام والمسلمين.
نعم بعض من لا تروقهم ولاية أهل البيت عليهم‌السلام وزعامتهم حاولوا تضعيف دلالة الآية بشبهات واهية واضحة الرد ، وقد أجبنا عنها في بعض مسفوراتنا فلنكتف في المقام بهذا المقدار.
غير انّا نركز على نكتة وهي انّ الصحابة الحضور لم يفهموا من الآية سوى الولاية ولذلك صبَّ شاعر عهد الرسالة حسان بن ثابت ما فهمه من الآية بصفاء ذهنه في قالب الشعر ، وقال :
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيد *** ويا خير شارٍ ثمّ يا خير بايعٌ
فأنزل فيك الله خيرَ ولاية *** وبيَّنها في محكمات الشرائع
والظاهر ممّا رواه المحدّثون انّ الأُمّة الإسلامية سيُسألون يوم القيامة عن ولاية علي عليه‌السلام ، حيث ورد السؤال في تفسير قوله سبحانه : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ).
روى ابن شيرويه الديلمي في كتاب « الفردوس » في قافية الواو ، باسناده عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) عن ولاية علي بن أبي طالب. (2)
ونقله ابن حجر عن الديلمي ، وقال : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) أي عن ولاية علي وأهل البيت ، لأنّ الله أمر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعرف الخلق أنّه لا يسألهم علىٰ تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربىٰ ، والمعنى انّهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة.
الثاني : من تلك المواقف هو يوم الغدير وهو أوضحها وآكدها وأعمّها وقد صدع بالولاية في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام في منصرفه من حجّة الوداع ، وقد قام في محتشد كبير بعدما خطب خطبة مفصَّلة وأخذ من الناس الشهادة على التوحيد والمعاد ورسالته وأعلن انّه فرط على الحوض ، ثمّ ذكر الثقلين وعرَّفهما ، بقوله : « الثقل الأكبر : كتاب الله ، والآخر الأصغر : عترتي ؛ وانّ اللطيف الخبير نبَّأني انّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » ، ثمّ قال : « أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : « إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه » ، ثمّ قال :
« اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحب من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ».
ففي هذه الواقعة الفريدة من نوعها أعلن النبي ولاية علي عليه‌السلام للحاضرين وأمرهم بإبلاغها للغائبين ، ونزل أمين الوحي بآية الإكمال ، أعني : قوله سبحانه : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ).
فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الربّ برسالتي ، والولاية لعلي من بعدي». ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين عليه‌السلام وممَّن هنَّأه في مقدّم الصحابة :
الشيخان أبو بكر وعمر ، كلّ يقول : بَخٍّ بَخٍّ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وقد تلقّى الصحابة الحضور انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب ولايته على المؤمنين ، وقد أفرغ شاعر عهد الرسالة حسّان بن ثابت ما تلقّاه عن الرسول ، في قصيدته وقال :
فقال له قم يا عليّ فانّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهادياً
فمن كنت مولاه فهذا وليّه ***فكونوا له أنصار صدق موالياً

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام ضرورة إطاعتهم

أمر سبحانه بإطاعة الرسول وأُولي الأمر ، وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ).
تأمر الآية بإطاعة الله كما تأمر بإطاعة الرسول وأُولي الأمر لكن بتكرار الفعل ، أعني : ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) وما هذا إلاّ لأنّ سنخ الإطاعتين مختلف ، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات ، وإطاعة النبي وأُولي الأمر واجبة بإيجابه سبحانه.
والمهم في الآية هو التعرُّف على المراد من أُولي الأمر ، فقد اختلف فيه المفسرون على أقوال ثلاثة :
1. الأُمراء ، 2. العلماء ، 3. صنف خاص من الأُمّة ، وهم أئمّةأهل البيت عليهم‌السلام.
وبما انّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الأمر إطاعة مطلقة ، غير مقيَّدة بما إذا لم يأمروا بالمعصية يمكن استظهار أنّ أُولي الأمر المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الإطلاق ، معصومون من المعصية والزلل ، كالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى اقترنوا في لزوم الطاعة في الآية.
وبعبارة أُخرى : انّه سبحانه أوجب طاعتهم بالإطلاق ، كما أوجب طاعته ، وطاعة رسوله ، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته ، وعلم أنّ باطنه كظاهره ، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأُمراء ، ولا العلماء سواهم ، جلّ الله عن أن يأمر بطاعة من يعصيه ، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل ، لأنّه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. (3)
وقد أوضحه الرازي في تفسيره ، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الأمر هم المعصومون في الأُمّة ، وإن لم يخض في التفاصيل ، ولم يستعرض مصاديقهم ، لكنّه بيّن المراد منهم بصورة واضحة ، وقال : والدليل على ذلك انّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع ، لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأً منهي عنه ، فهذا يُفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وانّه محال.
فثبت انّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم ، وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً. (4)
وقد أوضح السيد الطباطبائي دلالة الآية على عصمة أُولي الأمر ببيان رائق وإليك نصّه ، قال : الآية تدل على افتراض طاعة أُولي الأمر هؤلاء ، ولم تقيّده بقيد ولا شرط ، وليس في الآيات القرآنية ما يقيّد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله : ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) إلى مثل قولنا : وأطيعوا أُولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم ، فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم ، وإن علمتم خطأهم فقوِّموهم بالردّ إلى الكتاب والسنّة وليس هذا معنى قوله : ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ).
مع أنّ الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة ، كقوله في الوالدين : ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ). 2 فما باله لم يُظهر شيئاً من هذه القيود في آية تشتمل على أُس أساس الدين ، وإليها تنتهي عامة اعراق السعادة الإنسانية.
على أنّ الآية جمع فيها بين الرسول وأُولي الأمر ، وذكر لهما معاً طاعة واحدة ، فقال : ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، ولا يجوز على الرسول أن يأمربمعصية أو يغلط في حكم ، فلو جاز شيء من ذلك على أُولي الأمر ، لم يسع إلاّ أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أن تقيّد ، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أُولي الأمر ، كما اعتبر في جانب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير فرق. (5)
وبذلك تبيَّن أنّ تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين أو أُمراء السرايا أو العلماء أمر غير صحيح ، لأنّ الآية دلَّت على عصمتهم ولا عصمة لهؤلاء ، فلابدّ في التعرُّف عليهم من الرجوع إلى السنَّة التي ذكرت سماتهم ولا سيما حديث الثقلين حيث قورنت فيه العترة بالكتاب ، فإذا كان الكتاب مصوناً من الخطأ ، فالعترة مثله أخذاً بالمقارنة.
ونظيره حديث السفينة : « مَثَل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ». (6)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تنصُّ على عصمة العترة الطاهرة ، فإذاً هذه الأحاديث تشكّل قرينة منفصلة على أنّ المراد من أُولي الأمر هم العترة أحد الثقلين.
بل يمكن كشف الحقيقة من خلال الإمعان في آية التطهير ، وقد عرفت دلالتها على عصمة أهل البيت الذين عيَّنهم الرسول بطرق مختلفة.وعلى ضوء ذلك فآية التطهير ، وحديث الثقلين ، وحديث السفينة إلى غيرها من الأحاديث الواردة في فضائل العترة الطاهرة كلّها تدل على عصمتهم.هذا من جانب ومن جانب آخر دلَّت آية الإطاعة على عصمة أُولي الأمر ، فبضم القرائن الآنفة الذكر إلى هذه الآية يتضح المراد من أُولي الأمر الذين أمر الله سبحانه بطاعتهم وقرن طاعتهم بطاعة الرسول.
وأمّا الرواية عن النبيّ : فقد روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد انّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه‌السلام حين خلّفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة ، فقال : « يا رسول الله ، أتخلّفني بين النساء والصبيان ؟ » فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا علي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، حين قال له : ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) ، فقال : أبلىٰ والله ؛ ( وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) قال : علي بن أبي طالب ولاّه الله أمر الأُمَّة بعد محمّد حين خلّفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة فأمر الله العباد بطاعته وترك خلافه ». (7)
وأمّا ما رُوي عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام حول الآية فحدث عنها ولا حرج ، فلنقتصر في المقام على رواية واحدة نقلها الصدوق باسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال :
لمّا أنزل الله عزّ وجلّ على نبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) قلت : يا رسول الله ، عرفنا الله ورسوله ، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي ، أوّلهم علي بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ علي بن الحسين ، ثمّ محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه ياجابر ، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ علي بن محمّد ، ثمّ الحسن بن علي ، ثمّ سَمِيِّ محمّد وكنيتي ، حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذاك الذي يفتح الله تعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيه على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان ».
قال جابر : فقلت له : يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟
فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اي والذي بعثني بالنبوة إنّهم يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب.يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله ، فاكتمه إلاّ عن أهله ». (8)

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام وجوب مودَّتهم وحبِّهم

قام الرسل بابلاغ رسالات الله سبحانه إلى الناس ، دون أن يبغوا أجراً منهم ، بل كان عملهم خالصاً لوجهه سبحانه ، لأنّ إبلاغ رسالاته كانت فريضة إلهية على عواتقهم ، فكيف يطلبون الأجر للعمل العبادي الذي لا يبعثهم إليه إلاّ طاعة أمره وطلب رضاه ، ولذلك كان شعارهم دوماً ، قولهم ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
فقد ذكر سبحانه على لسان الأنبياء تلك الآية في سورة الشعراء ، ونقلها عن عديد من أنبيائه ، نظراء : نوح ، هود صالح لوط شعيب.
وقد جاء هذا الشعار في سور أُخرى نقلها القرآن الكريم عن رسله وأنبيائه ، فقد كانوا يخاطبون أُمَمهم بقولهم :
( وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ ).
( يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ).
فإذا كان هذا موقف الأنبياء من أُمَمهم ، فكيف يصح للنبي الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يطلب الأجر ؟! بل هو أولى بأن يكون عمله خالصاً لله ، لأنّه خاتم الرسل وأفضلهم ، وقد كان يرفع ذلك الشعار أيام بعثته ، بأمر منه سبحانه ويتلو قوله تعالى : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ).
هذه هي حقيقة قرآنية لا يمكن إنكارها ، ومع ذلك نرى انّه سبحانه يأمره في آية أُخرى بأن يطلب منهم مودة القربى أجراً للرسالة.
ويقول : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ).
فكيف يمكن الجمع بين هذه الآية ، وما تقدم من الآية الخاصَّة بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والآيات الراجعة إلى سائر الأنبياء ، فانّهم عليهم‌السلام كانوا على نهج واحد ؟
هذا هو السؤال المطروح في المقام.والإجابة عليه تتوقَّف على نقل ما ورد حول الموضوع في القرآن الكريم ،
فنقول : الآيات التي وردت حول أجر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أصناف أربعة :
الأوّل : أمره سبحانه بأن يخاطبهم بأنّه لا يطلب منهم أجراً ، قال سبحانه : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ).
الثاني : ما يشعر بأنّه طلب منهم أجراً يرجع نفعه إليهم دون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
فيقول سبحانه : ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ).
الثالث : ما يُعرّف أجره ، بقوله : ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ). 2 فكان اتخاذ السبيل إلى الله هو أجر الرسالة.
الرابع : ما يجعل مودة القربى أجراً للرسالة ، ويقول : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ).
فهذه العناوين الأربعة لابدّ أن ترجع إلى معنى واحد ، وهذا هو الذي نحاول أن نسلّط عليه الأضواء.
الجواب : انّ لفظة الأجر يطلق على الأجر الدنيوي والأُخروي غير انّ المنفي في تلك الآيات بقرينة نفي طلبه عن الناس هو الأجر الدنيوي على الإطلاق ، ولذلك لم ينقل التاريخ أبداً أن يطلب نبي لدعوته شيئاً بل نقل خلافه.
هذه هي قريش تقدَّمت إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي طليعتهم أبو الوليد ، فتقدم إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : يابن أخي إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر ، مالاً ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا ، حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك ، طلبنا لك الطبَّ ، وبذلنا فيه أموالنا حتي نُبرئك منه ، فانّه ربما غلب التابع علي الرجل حتى يداوىٰ منه ، أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستمع منه ، قال : أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال :
نعم ، قال : فاسمع مني قال : أفعل ، فقال : ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ).
ثمّ مضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها يقرؤها عليه. فلمّا سمعها منه عتبة ، أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه ، ثمّ انتهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى السجدة منها ، فسجد ثمّ قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك. (9)
هذا النصّ وغيره يعرب عن أنّ مدار الإثبات والنفي هو الأجر الدنيوي بعامة صوره ، وهذا أمر منفي جداً لا يليق لنبي أن يطلبه من الناس.
قال الشيخ المفيد : إنّ أجر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التقرُّب إلى الله تعالى هو الثواب الدائم ، وهو مستحق على الله تعالى في عدله وجوده وكرمه ، وليس المستحق على الأعمال يتعلَّق بالعباد ، لأنّ العمل يجب أن يكون لله تعالى خالصاً ، وما كان لله فالأجر فيه على الله تعالى دون غيره. (10)
إذا عرفت ذلك ، فنقول :
إنّ مودة ذي القربى وإن تجلّت بصورة الأجر حيث استثنيت من نفي الأجر ، لكنّه أجر صوري وليس أجراً واقعياً ، فالأجر الواقعي عبارة عمّا إذا عاد نفعه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّه في المقام يرجع إلى المحب قبل رجوعه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك لأنّ مودة ذي القربى تجرّ المحب إلى أن ينهج سبيلهم في الحياة ، ويجعلهم أُسوة في دينه ودنياه ، ومن الواضح انّ الحبّ بهذا المعنى ينتهي لصالح المحب. قال الصادق عليه‌السلام : « ما أحب الله عزّ وجلّ من عصاه » ثمّ تمثَّل ، فقال :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ***هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ***انّ المحبّ لمن يحب مطيع
وسيوافيك انّ المراد من ذوي القربىٰ ليس كلّ من ينتمي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنسب أو سبب ، بل طبقة خاصة من أهل بيته الذين عرفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».
فإذا كان المراد من ذوي القربى هؤلاء الذين أنيط بهم أمر الهداية والسعادة فحبُّهم ومودَّتهم يرفع الإنسان من حضيض العصيان والتمرد إلى عزّ الطاعة.
إنّ طلب المودة من الناس أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وكتب وصفة : لا أُريد منك أجراً إلاّ العمل بهذه الوصفة ، فانّ عمل المريض بوصفة الطبيب وإن خرجت بهذه العبارة بصورة الأجر ، ولكنّه ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب بل يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الأجر.
وعلى ذلك فلابدّ من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ، كأن يقول : قل لا أسألكم عليه أجراً ، وإنّما أسألكم مودة ذي القربى ، وليس الاستثناء المنقطع أمراً غريباً في القرآن بل له نظائر مثل قوله : ( لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا ).
وعلى ذلك جرى شيخ الشيعة المفيد في تفسير الآية ، حيث طرح السؤال ،
وقال : فإن قال قائل : فما معنى قوله : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) أو ليس هذا يفيد انّه قد سألهم مودة القربى لأجره على الأداء ؟
قيل له : ليس الأمر على ما ظننت لما قدمنا من حجّة العقل والقرآن ، والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة لكنّه استثناء منقطع ، ومعناه قل لا أسألكم عليه أجراً لكنّي ألزمكم المودة في القربىٰ واسألكموها ، فيكون قوله : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) كلاماً تاماً ، قد استوفىٰ معناه ، ويكون قوله : ( إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) كلاماً مبتدأً ، فائدته لكن المودة في القربى سألتكموها ، وهذا كقوله : ( فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ). والمعنى فيه لكن إبليس ، وليس باستثناء من جملة.
وعلى ضوء ذلك يظهر معنى قوله سبحانه : ( مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ).
وقد تبَّين انّ حبّ الأولياء والصالحين لصالح المحب قبل أن يكون لصالحهم. كما تبيَّن معنى قوله سبحانه في شأن ذلك الأجر : ( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ).
فانّ اتخاذ السبيل لا يخلو من أحد احتمالين :
1. مودَّة القربى والتفاني في حبهم الذي سينتهي إلى العمل بالشريعة الموجب لنيل السعادة.
2. نفس العمل بالشريعة الذي يصل إليها الإنسان عن طريق حبهم ومودتهم.وبذلك ترجع الآيات الثلاث إلى معنى واحد من دون أن يكون بينهما أي تناف واختلاف.
وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علو مضامينه على صدقه ، حيث جاء فيه :
« ثمّ جعلت أجر محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مودّتهم في كتابك ، فقلت ( لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) ، وقلت : ( مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) ، وقلت : ( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ) ، فكانوا هم السبيل إليك ، والمسلك إلى رضوانك ».
وإلى ذلك يشير شاعر أهل البيت ويقول :
موالاتهم فرض ، وحبهم هدى *** وطاعتهم ودٌّ ، وودُّهم تقوا
وأمّا القربى فهو على وزن البشرى والزلفىٰ بمعنى القرابة ، يقول الزمخشري : القربىٰ مصدر كالزلفىٰ والبشرىٰ ، بمعنى القرابة والمراد في الآية « أهل القربىٰ ». (11)
وقد استعمل القرآن الكريم لفظة القربى في عامة الموارد بالمضاف ، فتارة بلفظة ذي ، قال سبحانه : ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ ). وأُخرى بلفظة ذوي ، قال سبحانه : ( وَآتَى المَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ ).
وثالثة : بلفظة « أُولي » ، قال سبحانه : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ).
وقد جاءت مرَّة واحدة دون إضافة وهي نفس الآية المباركة ، فلأجل ذلك يلزم تقدير شيء مثل لفظة « أهل » كما قدَّره الزمخشري أو لفظاً غير ذلك مثل كلمة « ذي » أو « ذوي » أو « ذوي قربى ».إلى هنا تمَّت الإجابة عن السؤال الأوّل حول الآية.
دلَّت الآية الكريمة على أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرض مودة ذي القربىٰ ، على المسلمين ولكن يبقى هنا سؤال وهو انّ الآية تحتمل وجهين :
أ : أن يكون المراد مودَّة ذوي القربىٰ من أقرباء النبي وأهل بيته.
ب : أن يكون المراد ودّ كلّ مسلم أقربائه وعشيرته ومن يمتُّ إليه بصلة ، وليس في الآية ما يدل على المعنى الأوّل.
أقول : إنّ ذي القربىٰ كما علمت بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية ، ويتعيَّن مورده بتعيُّن المنسوب إليه ، وهو يختلف حسب اختلاف موارد الاستعمال ، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام ، وهي :
الأشخاص المذكورون في الآية أو ما دلَّ عليه سياق الكلام.فتارة يراد منه الأقرباء دون شخص خاص ، مثل قوله سبحانه : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ). وقوله سبحانه : ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ).
فانّ ذكر النبي والذين آمنوا معه آية على أنّ المراد قريب كلّ إنسان ، كما أنّ جملة ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) آية أنّ المراد كل إنسان قريب إليه.
وأمّا قوله سبحانه : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) فالفعل المتقدّم عليه يعني ( لاَّ أَسْأَلُكُمْ ) آية انّ المراد أقرباء السائل ، مثل قوله سبحانه : ( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ).
فانّ لفظة ( عَلَىٰ رَسُولِهِ ) آية أنّ المراد أقرباء الرسول.وعلى ذلك فلابدّ من الرجوع إلى القرائن الحافَّة بالآية وتعيين المراد منه ،
وبذلك ظهر أنّ المراد هو أقرباء الرسول.يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ناقداً انتخاب الخليفة الأوّل في السقيفة لأجل انتمائه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرابة :
وإن كنت بالقربىٰ حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب (12)
إنّ سورة الشورىٰ سورة مكية ، فلو كان المراد من ذوي القربىٰ هو عترته الطاهرة ، أعني : عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام فلم يكن يومذاك بعض هؤلاء كالحسن والحسين عليهما‌السلام ؟
والجواب : إنّ الميزان في تمييز المكي عن المدني ، أمران ، وكلاهما يدلاّن على أنّ الآية نزلت في المدينة المنورة.
الأمر الأوّل : دراسة مضمون الآياتفقد كانت مكافحة الوثنية والدعوة إلى التوحيد والمعاد هي مهمة النبي قبل الهجرة ، ولم يكن المجتمع المكّي مؤهلاً لبيان الأحكام والفروع أو مجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولذلك تدور أغلب الآيات المكّية حول المعارف والعقائد والعبرة بقصص الماضين ، وما يقرب من ذلك.
ولمّا استتب له الأمر في المدينة المنورة واعتنق أغلب سكّانها الإسلام حينها سنحت الفرصة لنشر الإسلام وتعاليمه ولمناظرة اليهود والنصارى حيث كانوا يثيرون شبهاً ويجادلون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت آيات حول اليهود والنصارى في السور الطوال.فلو كان هذا هو الميزان بغية تميّز المكّي عن المدني ، فالآية مدنية قطعاً دون ريب لعدم وجود أيَّة مناسبة لسؤال الأجر أو طلب مودة القربى من أُناس لم يؤمنوا به بل حشَّدوا قواهم لقتله ، بخلاف البيئة الثانية فقد كانت تقتضي ذلك حيث التفَّ حوله رجال من الأوس والخزرج وطوائف كثيرة من الجزيرة العربية.
الأمر الثاني : الاعتماد على الروايات والمنقولات
فلو كان هذا هو الميزان فقد صرح كثير منهم بأنّ أربعة آيات من سورة الشورى مكّية ، حتى أنّ المصاحف المطبوعة في الأزهر وغيره ، تصرح بذلك وتُقرأ فوق السورة هذه الجملة : سورة الشورى مكية الآيات إلا ثلاث وعشرين وأربع وعشرين وسبع وعشرين.
أضف إلى ذلك انّ كثيراً من المفسّرين والمحدِّثين صرحوا بذلك. (13)
وهذا هو البقاعيّ مؤلف « نظم الدرر وتناسب الآيات والسور » يصرح بأنّ الآيات مدنيّة ، كما نقله المحقّق الزنجاني في « تاريخ القرآن».
الإنسان مفطور على حب الجميل وكراهة القبيح فيكون الودّ أمراً خارجاً عن الاختيار ، فكيف يقع في دائرة السؤال ويطلبه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المؤمنين مع أنّه كذلك ؟.
والجواب : أوّلاً : انّ الحبّ لو كان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلَّق به الأمر ، كما لا يتعلَّق به النهي ، مع أنّه سبحانه ينهى عن ود من حادَّ الله ورسوله ، ويقول : ( لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ).
كما أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو إلى التراحم والتعاطف النابعين عن الود والحب ، ويقول :« مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ».
كلّ ذلك يدل على أنّ الودّ والبغض ليس على النسق الذي وصفه السائل ، ولذلك نرى الدعوة الكثيرة إلى الحب في الله والبغض في الله.
قال الإمام الصادق عليه‌السلام : « من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله ».
وقد كتب الإمام علي عليه‌السلام إلى عامله في مصر مالك الأشتر رسالة قال فيها : « واشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ».
روى الخطيب في تاريخه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « عنوان صحيفة المؤمن حبّ علي بن أبي طالب عليه‌السلام ».
وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من سرّه أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً بعدي ، وليوال وليّه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي ، فانّهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ». روى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أحبني فليحب عليّاً ». (14)
وأخرج أحمد في مسنده عن الرسول : « من أحبني وأحب هذين وأباهما وأُمُّهما ، كان معي في درجتي يوم القيامة ». (15)
وثانياً : أنّ الإيصاء إنّما لا يفيد إذا لم يتوفر في الموصى له ملاك الحب والود كما إذا كان الرجل محطّاً للرذائل الأخلاقية ، وأمّا إذا كان الموصى له إنساناً مثالياً متحلياً بفضائل الأخلاق ومحاسنها ، فانّ الإيصاء به يعطف النظر إليه وبالتالي يجيش حبّه كلَّما تعمَّقت الصلة به.
وحاصل الكلام : أنّ دعوة الناس إلى الحبّ تقوم على إحدى دعامتين :
الأُولى : الإشادة بفضائل المحبوب وكمالاته التي توجد في نفس السامع حبّاً وولعاً إليه.
الثانية : الإيصاء بالحب والدعوة إلى الودّ ، فانّه يعطف نظر السامع إلى الموصى له ، فكلَّما توطَّدت الأواصر بينهما وانكشفت آفاق جديدة من شخصيته ازداد الحبّ والود له. وعلى كلّ تقدير فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المحبوب التام لعامة المسلمين ، فحبُّه لا ينفك عن حبّ من أوصى بحبِّه وأمر بودّه.
وخير ما نختم به هذا البحث حديث مروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نقله صاحب الكشاف حيث قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشَّره ملك الموت بالجنة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومن مات على حبّ آل محمد يُزفُّ إلى الجنة كما تزفُّ العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح الله له في قبره بابين إلى الجنّة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيساً من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنة ».
وروى أيضاً : انّه لما نزلت هذه الآية ، قيل : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودَّتهم ؟
فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « علي وفاطمة وابناهما ». (16)

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام الصلوات عليهم

إنّ من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام هي الصلوات عليهم عند الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال سبحانه : ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ).
ظاهر الآية هو تخصيص الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكن فهمت الصحابة انّ المراد هو الصلاة عليه وعلى أهل بيته ، وقد تضافرت الروايات على ضمّ الآل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند التسليم والصلاة عليه ، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد ، نقتصر منها على ما يلي :
1. أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلىٰ ، قال : لقيني كعب بن عجرة ، قال : ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : بلى ، فأهدها لي ، فقال : سألنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلنا : يا رسول الله ، كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فانّ الله قد علّمنا كيف نسلم ؟ قال : « قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد ».
وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير عند تفسير سورة الأحزاب. كما أخرجه مسلم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة.
2. أخرج البخاري أيضاً ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قلنا يا رسول الله ، هذا التسليم فكيف نصلّي عليك ؟ قال : « قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك ، كما صلّيت على آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم ».
3. أخرج البخاري ، عن ابن أبي حازم ، عن يزيد ، قال : « كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ». (17)
4. أخرج مسلم ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : أتانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله تعالى أن نصلِّي عليك ، يا رسول الله : فكيف نصلِّي عليك ؟
قال : فسكت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تمنّينا انّه لم يسأله.ثمّ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين انّك حميد مجيد ، والسلام كما قد علمتم ».
إنّ ابن حجر ذكر الآية الشريفة ، وروى جملة من الأخبار الصحيحة الواردة فيها ، وانّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه ، لمّا سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه ، قال : وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته ، وبقية آله مراد من هذه الآية ، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عُقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر ، فلمّا أُجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به ، وانّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقامهم في ذلك مقام نفسه ، لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ، ومنه تعظيمهم ، ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّ في الكساء ، قال : « اللّهمّ انَّهم منّي وأنا منهم ، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم » ، وقضية استجابة هذا الدعاء : انّ الله صلّى عليهم معه فحينئذٍ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.
ويروى : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ قال :
تقولون : اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد. ثمّ نقل عن الإمام الشافعي قوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر إنّكم *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
فقال : فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل ، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه. (18)
هذا كلّه حول الصلاة على الآل عند الصلاة على الحبيب.وأما حكم الصلاة على آل البيت في التشهد ، فقال أكثر أصحاب الشافعي : انّه سنّة.
وقال التربجي : من أصحابه هي واجبة ، ولكن الشعر المنقول عنه يدل على وجوبه عنده ، ويؤيده رواية جابر الجعفي ـ الذي كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام ، وفي طبقة الفقهاء ـ ، عن أبي جعفر عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من صلّى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا أهل بيتي لم تقبل منه ».
وجابر الجعفي ممَّن ترجمه ابن حجر في تهذيبه ، ونقل عن سفيان في حقّه : ما رأيت أورع في الحديث منه ، وقال وكيع : مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنّ جابراً ثقة.
وقال سفيان أيضاً لشعبة : لأن تكلَّمت في جابر الجعفي لأتكلمنَّ فيك. إلى غير ذلك.
قال ابن حجر : أخرج الدارقطني والبيهقي حديث من صلّى صلاة ولم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه ، وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعي انّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة ، كالصلاة عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكنّه ضعيف ، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه ، قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، والأمر للوجوب حقيقة على الأصحّ. (19)
وقال الرازي : إنّ الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وقوله : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد.
وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل ، فكلّ ذلك يدل على أنّ حبّ آل محمّد واجب ، وقال الشافعي :
يا راكباً قف بالمحصَّب من منىٰ *** واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منىٰ *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي (20)
وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) كفى شرفاً لآل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كلّ صلاة.
وروى محب الدين الطبري في الذخائر عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه انّه كان يقول : لو صلّيت صلاة لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل.
وقال المحقّق الشيخ حسن بن عليّ السقاف : تجب الصلاة على آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التشهد الأخير على الصحيح المختار ، لأنّ أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل ، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة ، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة ، انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :« صلّوا عليّ واجتهدوا في الدعاء ، وقولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ».
بلاغ وإنذار
لقد تبين ممّا سبق كيفية الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانّه لا يصلّى عليه إلاّ بضم الآل إليه ، ومع ذلك نرى أنّه قد راجت الصلاة البتراء بين أهل السنَّة في كتبهم ورسائلهم ، مع أنّ هذه البلاغات من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصب أعينهم ولكنَّهم رفضوها
عملاً واكتفوا بالصلاة عليه خاصة ، حتى أنّ ابن حجر الهيتمي ( 899 ـ 974 ه‍ ) نقل كيفية الصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن كتابه المطبوع مليء بالصلاة البتراء. وإليك نصّ ما قال : ويروى لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، قالوا : وما الصلاة البتراء ؟ ، قال : تقولون : اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ولا ينافي ما تقرر حذف الآل في الصحيحين ، قالوا : يا رسول الله : كيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرِّيته ، كما صليت على إبراهيم إلى آخره.
لأنّ ذكر الآل ثبت في روايات أُخر ، وبه يعلم أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ذلك كلّه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.
وفي الختام نذكر ما ذكره الرازي ، انّه قال : أهل بيته ساووه في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهد ، وفي السلام ، والطهارة ، وفي تحريم الصدقة ، وفي المحبّة. (21)

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام دفع الخمس إليهم

الأصل في ضريبة الخمس ، قوله سبحانه : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... ).
نزلت الآية يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان وهي غزوة بدر الكبرىٰ ، واختلف المفسرون في تفسير الموصول في « ما غنمتم » هل هو عام لكلّ ما يفوز به الإنسان في حياته ، كما عليه الشيعة الإمامية ، أو خاص بما يظفر به في الحرب ، وهذا بحث مهم لا نحوم حوله ، لأنّه خارج عّما نحن بصدده ، إنّما الكلام في تبيين مواضع الخمس ، وقد قسّم الخمس في الآية إلى ستة أسهم ، أعني : لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.فالسهمان الأوَّلان واضحان ، إنّما الكلام في السهم الثالث وما بعده ، فالمراد من ذي القربى هم أقرباء النبي وذلك بقرينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد سبق منّا القول في تفسير آية المودة : انّ تبيين المراد من القربى رهن القرائن الحافَّة بالآية فربما يراد منها أقرباء الناس ، مثل قوله : ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ).
المراد أقرباء المخاطبين ، بقرينة قوله : ( قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) نظير قوله : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ ) والمراد أقرباء الميت.
وعلى ضوء ذلك فإذا تقدَّم عليه لفظ « الرسول » يكون المراد منه أقرباء الرسول كما في الآية ( لِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ) ، ومثله قوله : ( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ). وقوله : ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ). فالمراد من ذي القربى هم أقرباء الرسول بقرينة توجَّه الخطاب إليه أعني « فآت ».
ومنه يعلم المراد من المساكين في الآيتين وآية الخمس ، أي مساكين ذي القربى وأيتامهم وأبناء سبيلهم.
هذا هو المفهوم من الآية ، وعلى ما ذكرنا فكلّ ما يفوز به الإنسان في مكسبه ومغنمه أو ما يفوز به في محاربة المشركين والكافرين ، يُقسّم خمسه بين ستة سهام كما عرفت.
ويؤيده الروايات التالية :
1. روي عن ابن عباس : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسّم الخمس على ستة : لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه ، حتى قبض.
2. وروي عن أبي العالية الرياحي : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها ، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه ، فيجعله للكعبة وهو سهم الله ، ثم يقسَّم ما بقي ، على خمسة أسهم : فيكون سهم للرسول ، وسهم لذي القربىٰ ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل. قال : والذي جعله للكعبة فهو سهم الله. وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربىٰ ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل ، فلأجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة ، فجعل لهم خمس الخمس.
أخرج الطبري عن مجاهد ، انه قال : كان آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم الخمس.
وأخرج أيضاً عنه : قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.
كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام أنّ السهام الأربعة من الخمس ، لآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (22)
هذا ظاهر الآية ويا للأسف لعب الاجتهاد دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وظهرت أقوال لا توافق النص القرآني ، وإليك مجملاً من آرائهم :
1. قالت الشافعية والحنابلة : تقسّم الغنيمة ، وهي الخمس إلى خمسة أسهم : واحد منها سهم الرسول ويصرف على مصالح المسلمين ، وواحد يعطى لذوي القربى وهم من انتسب إلى هاشم بالابوة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء ، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا من بني هاشم أو من غيرهم.
2. وقالت الحنفية : إنّ سهم الرسول سقط بموته ، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.
3. وقالت المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.
4. وقالت الإمامية : إنّ سهم الله وسهم الرسول وسهم ذوي القربىٰ يفوِّض أمرها إلى الإمام أو نائبه ، يضعها في مصالح المسلمين ، والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم. (23)
5. وقال ابن قدامة في المغني بعدما روى أنّ أبا بكر وعمر قسَّما الخمس على ثلاثة أسهم : وهو قول أصحاب الرأي أبي حنيفة وجماعته ، قالوا : يقسم الخمس على ثلاثة : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وأسقطوا سهم رسول الله بموته وسهم قرابته أيضاً.
6. وقال مالك : الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.
7. وقال الثوري : والخمس يضعه الإمام حيث أراه الله عزّ وجلّ.وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية فإنّ الله تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً ، كما سمّى الثلاثة أصناف الباقية ، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب ، وأمّا جعل أبي بكر وعمر سهم ذي القربىٰ ، في سبيل الله ، فقد ذُكر لأحمد فسكت وحرك رأسه ولم يذهب إليه ، ورأى أنّ قول ابن عباس ومن وافقه أولى ، لموافقته كتاب الله وسنة رسوله.
وقد أجمع أهل القبلة كافة على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه ، وأنّه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه الله إليه ، واختار الله له الرفيق الأعلى.
فلمّا ولى أبوبكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.
قال الزمخشري عن ابن عباس : الخمس على ستة أسهم : لله ولرسوله سهمان ، وسهم لأقاربه ، حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة ، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء ، قال : وروي أنّ أبابكر منع بني هاشم الخمس.
وروي البخاري في صحيحه عن عائشة أنَّ فاطمة عليها‌السلام أرسلت إلى أبي بكر ، تسأله ميراثها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبىٰ أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ستة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها.
وفي صحيح مسلم عن بريد بن هرمز ، قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) إلى ابن عباس ، قال ابن هرمز : فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه ، وقال ابن عباس : والله لولا أن أرد عن نَتْن يقع فيه ، ما كتبت إليه ولا نُعْمةَ عينٍ ، قال : فكتب إليه إنّك سألت عن سهم ذي القربىٰ الذي ذكرهم الله من هم ؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا. (24)

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام الفيء لأهل البيت عليهم‌السلام

الفيء عبارة عن الغنائم التي يحصل عليها المسلمون بلا خيل ولا ركاب ، فإنّ هذه الأموال تقع تحت تصرّف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتباره رئيساً للدولة الإسلامية ، وكان الفيء في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمراً هاماً في تنمية الثروة في المجتمع الإسلامي ولا سيَّما انتقال الثروة من يد الأغنياء إلى يد الفقراء.
والأساس فيه قوله سبحانه : ( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).
( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).
بيَّن سبحانه أحكام الفيء ، وقال : ( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) الضمير يرجع إلى اليهود ، ولكن الحكم سار على جميع الكفّار.
( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) أي الفيء عبارة عن الأموال التي استوليتم عليها بلا إيجاف خيل ولا إبل ولم تسيروا إليها على خيل ولا إبل.
هذا هو الفيء ، وأمّا المواضع التي يصرف بها هذا الفيء فقد بيَّنها سبحانه في الآية الثانية ، وقال : ( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ) ، أي ما ردَّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله إيّاهم ذلك ، ( فَلِلَّهِ ) و ( لِلرَّسُولِ )
و ( لِذِي الْقُرْبَىٰ ) ، فهو لله بالذات وللرسول ولذي القربى بتمليك الله إيّاهم.والمراد من ذي القربى بقرينة الرسول أهل بيت رسول الله وقرابته ، وهم بنو هاشم.
( وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) أي منهم ، بقرينة الرسول ، فيكون المعنى ويتامى أهل بيته ومساكينهم وأهل السبيل منهم.
وعلى ذلك فالفيء يقسّم على ستة أسهم :
1. سهم لله المالك لكلّ شيء غير محتاج لشيء ، جعل نفسه قريناً لسائر الاسماء تكريماً لهم.
2. سهم الرسول وهو يؤمّن بذلك حاجاته وحاجة الدولة الإسلامية.
3. سهم ذوي القربىٰ أي أقرباء الرسول ، فبما أنّ الصدقة تحرم عليهم حلّ ذلك محلّه.
4. سهم اليتامىٰ.
5. سهم المساكين.
6. سهم أبناء السبيل.
وبكلمة جامعة :
« الغنيمة » ـ كلّ ما أُخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الإسلام ، ومالا يمكن نقله إلى دار الإسلام ـ لجميع المسلمين ينظر فيه الإمام ، ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين.
« الفيء » ـ كلّ ما أُخذ من الكفّار بغير قتال أو انجلاء أهلها ـ للنبي ، يضعه في المذكورين في هذه الآية ، ولمن قام مقامه من الأئمّة وقد بيّنه سبحانه في ضمن الآيتين.

من حقوق اهل البيت عليهم‌السلام الأنفال

وردت لفظة « الأنفال » في القرآن مرتين في آية واحدة ، قال سبحانه : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ).
أقول : إنَّ الضرائب الواردة في القرآن الكريم لا تتجاوز الأربع :
أ : الزكاة ومقسمها ثمانية.
ب : الخمس ومقسمه هو الستة.
ج : الفيء ومقسمه مقسم الخمس كما عرفت.
د : الأنفال ومقسمها اثنان ، وهما ما ذكر في الآية من قوله : ( للهِ وَالرَّسُولِ ) ، لكن الكلام في بيان المراد من الأنفال.
اختلف المفسّرون في تفسير الأنفال اختلافاً كثيراً ، والذي يمكن أن يقال انّ الأنفال من النفل وهو الزائد من الأموال ، فيشمل كلّ زائد عن حاجات الحياة ، ولكن السنَّة المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام فسرته بالنحو التالي :
1. روى حفص البختري عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « الأنفال مالم يوجف عليه بخيل أو ركاب أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة ، وبطون الأودية ، فهو لرسول الله ، وهو للإمام بعده يضعه حيث يشاء ».
2. وروى حماد بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن الإمام الكاظم عليه‌السلام في حديث : « والأنفال كلّ أرض خربة باد أهلها ، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال ، وله رؤوس الجبال ، وبطون الأودية والآجام ، وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها ، وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب ، لأنّ الغصب كلّه مردود ، وهو وارث من لا وارث له ، يعول من لا حيلة له ».
3. موثقة إسحاق بن عمّار المروية في تفسير القمي قال : سألت أبا عبدالله عليه‌السلام عن الأنفال ، فقال عليه‌السلام : « هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها ، فهي لله وللرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما كان للملوك فهو للإمام ، وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها ، من مات وليس له مولى فماله من الأنفال ». (25)
إلى غير ذلك من الروايات.
وعلى الرواية الأُولى يكون الفيء من أقسام الأنفال ، ولم نجد في تفاسير أهل السنَّة من يوافق الشيعة الإمامية في تفسير الأنفال إلا شيئاً قليلاً ، فقد عقد أبوإسحاق الشيرازي باباً للأنفال وفسرها بقوله : يجوز لأمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدو ، كالتجسيس ، والدلالة على طريق أو قلعة ، أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها.

من حقوق أهل البيت عليهم‌السلام ترفيع بيوتهم

لقد أذن الله تعالى في ترفيع البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبِّح له بالغدوِّ والآصال في آية مباركة ، وقال : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ).
وتفسير الآية رهن دراسة أمرين :
الأوّل : ما هو المقصود من البيوت ؟
الثاني : ما هو المراد من الرفع ؟
أمّا الأوّل فربما قيل انّ المراد من البيوت هو المساجد.
قال صاحب الكشّاف : ( فِي بُيُوتٍ ) يتعلّق بما قبله ، مثل نوره كمشكاة في بعض بيوت الله ، وهي المساجد. ولكن الظاهر أنّ التفسير غير صحيح ، لأنّ البيت هو البناء الذي يتشكَّل من جدران أربعة وعليها سقف قائم ، فالكعبة بيت الله لأجل كونها ذات قوائم أربعة وعليها سقف ، والقرآن يعبِّر عن البيت بالمكان المسقَّف ، ويقول : ( وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ).
فالمستفاد من الآية أنّ البيت لا ينفك عن السقف ، هذا من جانب. ومن جانب آخر : لا يشترط في المساجد وجود السقف ، هذا هو المسجد الحرام تراه مكشوفاً تحت السماء ودون سقف يظلّله.
وقد ورد لفظ البيوت في القرآن الكريم ( 36 مرّة ) بصور مختلفة ، واستعمل في غير المسجد ، يقول سبحانه : ( طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ). ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ ).
إلى غير ذلك من الآيات ، فكيف يمكن تفسيره بالمساجد ؟
وبما أنّ جميع المساجد ليس على هذا الوصف ، التجأ صاحب الكشاف بإقحام كلمة « بعض » ، وقال : في بعض بيوت الله وهي المساجد ، وهو كما ترى ، وهناك حوار دار بين قتادة فقيه البصرة وأبي جعفر الباقر عليه‌السلام يؤيد ما ذكرنا.
حضر قتادة في مجلس الإمام أبي جعفر الباقر عليه‌السلام فقال له الإمام : من أنت ؟
قال : أنا قتادة بن دعامة البصري.
فقال أبو جعفر : أنت فقيه أهل البصرة ؟
فقال : نعم. قال قتادة : أصلحك الله ، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ، ما اضطرب قدّامك !
فقال أبو جعفر عليه‌السلام : ما تدري أين أنت ؟ أنت بين يدي ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ) ونحن أُولئك.فقال له قتادة : صدقت ، والله جعلني فداك ، والله ماهي بيوت حجارة ولا طين. ويؤيّد ما رواه الصدوق في الخصال عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ان الله اختار من البيوتات أربعة ثم قرأ هذه الآية : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
وعلى هذا الحوار فالمراد من البيت ، بيت الوحي وبيت النبوَّة ، ومن يعيش في هذه البيوت من رجال لهم الأوصاف المذكورة في الآية الكريمة.هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني ، أعني : ما هو المراد من الرفع ؟ فيحتمل وجهين :
الأوّل : أن يكون المراد الرفع المادي الظاهري الذي يتحقَّق بإرساء القواعد وإقامة الجدار والبناء ، كما قال سبحانه : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ). وعلى هذا تدل الآية على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء وتعميرها في حياتهم بعد مماتهم.
الثاني : أن يكون المراد الرفع المعنوي والعظمة المعنوية ، وعلى هذا تدل الآية بتكريم تلك البيوت وتبجيلها وصيانتها وتطهيرها مما لا يليق بشأنها.
قال الرازي : المراد من رفعها ، بنائها لقوله تعالى : ( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا )
وثانيها ( تُرْفَعَ ) اي تعظم.
هذا كلّه حسب ما تدل عليه الآية ، وأمّا بالنظر إلى الروايات فنذكر منها ما يلي :
1. روى الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك وبريدة ، انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ قوله تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ) فقام إليه رجل وقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟
فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بيوت الأنبياء ».
فقام إليه أبو بكر وقال : يا رسول الله ، وهذا البيت منها ؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة عليهما‌السلام.
فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « نعم من أفاضلها ».
2. روى ابن شهراشوب عن تفسير مجاهد وأبي يوسف ، يعقوب بن سفين ، قال ابن عباس في قوله تعالى : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) : إنّ دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة ، فنزل عند أحجار الزيت ، ثمّ ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه ، فمضوا الناس إليه إلاّ علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم‌السلام وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب ، وتركوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائماً يخطب على المنبر ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد نظر الله يوم الجمعة إلى مسجدي فلولاهؤلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لأضرمت المدينة على أهلها ناراً ، وحُصبوا بالحجارة كقوم لوط ، ونزل فيهم رجال لا تلهيهم تجارة.
وقد وصف الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام هؤلاء الرجال الذين يسبِّحون في تلك البيوت ؛ عند تلاوته : ( رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ ) : وإنّ للذكر لأهلاً أخذوه من الدُّنيا بدلاً ، فلم يشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنَّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقَّقت القيامة عليهم عِداتُها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون. (26)
المصادر :
1- تفسير الطبري : 6 / 186.. أحكام القرآن : 2 / 542. معرفة أُصول الحديث : 102.. أسباب النزول : 113. الكشاف : 1 / 468.
2- مناقب الخوارزمي : 178 ؛ كفاية الطالب للكنجي : 200 ؛ تذكرة ابن الجوزي : 25.
3- مجمع البيان : 3 / 100.
4- التفسير الكبير : 10 / 144.
5- الميزان : 4 / 391.
6- الحاكم : المستدرك : 3 / 151 .
7- المناقب لإبن شهراشوب : 3 / 15 ، ط المطبعة العلميّة.
8- البرهان في تفسير القرآن : 1 / 381.
9- السيرة النبوية : 1 / 293 ـ 294.
10- تصحيح الاعتقاد : 68.
11- الكشاف : 3 / 81 في تفسير الآية.
12- شرح ابن أبي الحديد : 18 / 416.
13- الكشاف : 3 / 81 ؛ تفسير الرازي : 7 / 665 تفسير النيسابوري : 6 / 312. مجمع الزوائد للهيتمي : 9 / 168 ؛ الصواعق المحرقة : 101 ـ 135 ،
14- مسند أحمد : 4 / 270. و 5 / 336. سفينة البحار : 2 / 11 حلية الأولياء : 1 / 86.. ؛ صحيح مسلم : كتاب الفتن : 119.
15- مسند أحمد : 1 / 77.
16- الكشاف : 3 / 82 ، تفسير سورة الشورىٰ ، ط عام 1367.. الكشاف : 3 / 81.
17- صحيح البخاري : 4 / 146 و 6 / 151 ، صحيح مسلم : 2 / 16.. صحيح البخاري : 6 / 151 ، تفسير سورة الأحزاب.
18- صحيح مسلم : 2 / 46 ،.. الصواعق المحرقة : 146 ، ط عام 1385 ه‍.
19- سنن الدارقطني : 1 / 355. 2. تهذيب التهذيب : 2 / 46.. الصواعق المحرقة : 234 ، ط الثانية ، عام 1385 ه‍.
20- تفسير الفخر الرازي : 27 / 166 ، تفسير سورة الشورى.
21- صحيح صفة صلاة النبي : 214.. الصواعق المحرقة : 146 ، ط الثانية ، عام 1385.. تفسير الرزاي : 7 / 391 .
22- تفسير الطبري : 10 / 4 ؛ أحكام القرآن : 3 / 60.. و : 10 / 5.. الوسائل : 6 / الباب 29 .
23- الفقه على المذاهب الخمسة : 188.
24- صحيح البخاري : 5 / 139 ، صحيح مسلم : 2 / 105 ، كتاب الجهاد و 167 .
25- وسائل الشيعة : 6 ، الحديث 1 ، 4 ، 20.
26- نهج البلاغة : الخطبة 222.

 

 

الكلمات الرئيسية :

اهل البیت

,

القران

,

العترة

,

الائمة

,

الانفال

اضف التعليق