ميزات النظام الإسلامي‏

يمكننا أن نحلّل النظام الإسلامي إلى العناصر الآتية : 1 - المحتوى التشريعي للنظام الإسلامي : وهو أحكام الشريعة الإسلاميّة التي عالجت تنظيم حياة الإنسان .
ميزات النظام الإسلامي‏
 ميزات النظام الإسلامي‏

 





 

يمكننا أن نحلّل النظام الإسلامي إلى العناصر الآتية :
1 - المحتوى التشريعي للنظام الإسلامي : وهو أحكام الشريعة الإسلاميّة التي عالجت تنظيم حياة الإنسان .
2 - الواضع للنظام : وهو اللَّه تعالى ؛ لأنّنا بوصفنا مسلمين نؤمن بأنّ المحتوى التشريعي المستمدّ من الكتاب والسنّة كلّه نزل عن طريق الوحي على خاتم النبيّين .
3 - الهدف من النظام الإسلامي : وهو التربية الشاملة للإنسانيّة في كلّ مجالات حياتها ونشاطها .
4 - الصياغة القانونيّة للنظام الإسلامي : وهذه الصياغة هي العمليّة التي يتحمّل مسؤوليّتها الفقه الإسلامي ويمارسها فقهاء الإسلام خلال استنباطهم لأحكام الشريعة الإسلاميّة من الكتاب والسنّة .
وفي الواقع أنّ المحتوى التشريعي في كلّ نظام وهدفه الواضح له هي‏عناصر ثلاثة مترابطة ، لأنّ الهدف هو الذي يحدّد نوعيّة المحتوى التشريعي والواضع هو الذي يحدّد الهدف .
وعلى هذا الأساس فنحن حين ندرس خصائص النظام الإسلامي ومزاياه بوصفه نظاماً دينيّاً يجب أن ندرسها من خلال هذه العناصر وترابطها ونوعيّة تأثير كلّ واحد منها على الآخر .
ويمكننا أن نلخّص أهمّ خصائص النظام الإسلامي في ما يلي :

أوّلاً - استيعاب المشرّع لكلّ الخبرات :

استيعاب المشرّع الواضع للنظام لكلّ الخبرات اللازمة لعمليّة التنظيم الاجتماعي : لأنّ الواضع هنا هو اللَّه ، بينما الواضع للأنظمة الاجتماعيّة الاُخرى هو الإنسان . وعلم اللَّه تعالى بالإنسانيّة وحاجاتها ومنافعها وأضرارها وكلّ أبعادها علم محيط مستوعب لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلّاأحصاها ، وعلم الإنسان في مجال التنظيم الاجتماعي يقوم على أساس الخبرة والتجربة ، وهي وسيلة محدودة في نطاقها معرّضة للخطأ في أكثر الأحايين ، عاجزة عن استيعاب كلّ الأوجه المتعدّدة للمسألة الاجتماعيّة الواحدة .
وقد يدافع أنصار النظام البشري عن قدرة الإنسان على التنظيم الاجتماعي ويحاولون إثبات أنّ الخبرة الإنسانيّة كافية وحدها لتحمّل الإنسان مسؤوليّة التنظيم واكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح دون حاجة إلى نظام إلهي ، ويقرّرون بهذا الصدد عادة أنّ قدرة الإنسان على إدراك النظام الأصلح واكتشاف متطلّبات التنظيم الاجتماعي تنمو عنده من خلال التجارب الاجتماعيّة التي يعيشها ، فيحنما يطبّق الإنسان الاجتماعي نظاماً معيّناً ويجسّده في حياته ، يستطيع أن يلاحظ من خلال تجربته لذلك النظام الأخطاء ونقاط الضعف المستترة فيه ، والتي تتكشّف له على مرّ الزمن فتمكّنه من تفكير اجتماعي أكثر بصيرة وخبرة ، حتّى يصل إلى الدرجة التي تتيح له أن يدرك المسألة الاجتماعيّة بكلّ أبعادها ويضع لها حلّها الأفضل بفضل تجاربه الاجتماعيّة ، كما استطاع في مجاله الكوني بفضل التجارب الطبيعيّة أن يكتشف كثيراً من حقائق الكون ويعرف أفضل الطرق إلى السيطرة على الطبيعة والاستفادة منها .
فكما نؤمن بخبرة الإنسان وتجاربه الطبيعيّة في المجال الكوني ، كذلك يجب أن نؤمن بخبرة الإنسان وتجاربه التنظيميّة في المجال الاجتماعي .
والواقع أنّ التجارب الاجتماعيّة - أي تجارب الإنسان الاجتماعي للأنظمة الاجتماعيّة المختلفة - حتّى إذا وصلت في عطائها الفكري إلى درجة التجارب الطبيعيّة - وهي تجارب الإنسان لظواهر الطبيعة - يبقى الفارق الكبير قائماً بالرغم من ذلك بين رصيد الخبرة الذي يعتمد عليه التنظيم البشري والرصيد الذي قام على أساسه النظام الإسلامي ، لأنّ الفرق بين الرصيدين هو الفرق بين الإنسان المحدود والخالق المطلق غير المحدود .
ولكنّ التجارب الاجتماعيّة في الحقيقة لا تصل في عطائها الفكري إلى مستوى التجارب الطبيعيّة ، بل يبقى الإنسان في مجال التنظيم الاجتماعي دائماً أقلّ قدرة على تحمّل مسؤوليّة الموقف منه في مجال التجارب الطبيعيّة ، وأكثر عجزاً عن إيجاد المثل الأعلى للنظام الاجتماعي .
ومردّ ذلك إلى فروق جوهريّة بين التجربة الاجتماعيّة والتجربة الطبيعيّة ، ويمكن أن نذكر منها ما يلي :
أوّلاً : إنّ التجربة الطبيعيّة يمكن أن يباشرها ويمارسها فرد واحد ، فيستوعبها بالملاحظة والنظرة ، ويدرس بصورة مباشرة كلّ ما ينكشف خلالها من حقائق وأخطاء ، فينتهي من ذلك إلى فكرة معيّنة ترتكز على تلك التجربة .
وأمّا التجربة الاجتماعيّة ، فهي عبارة عن تجسّد النظام المجرّب في مجتمع وتطبيقه عليه . فتجربة النظام الإقطاعي أو الرأسمالي مثلاً تعني ممارسة المجتمع لهذا النظام فترة من تاريخه ، وهي لأجل ذلك لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد ويستوعبها ، وإنّما يقوم بالتجربة الاجتماعيّة المجتمع كلّه وتستوعب مرحلة تاريخيّة من حياة المجتمع أوسع كثيراً من هذا الفرد أو ذاك .
فالإنسان حين يريد أن يستفيد من تجربة اجتماعيّة لا يستطيع أن يعاصرها بكلّ أحداثها كما كان يعاصر التجربة الطبيعيّة حين يقوم بها ، وإنّما يعاصر جانباً من أحداثها ويتحتّم عليه أن يعتمد في الاطّلاع على سائر ظواهر التجربة ومضاعفاتها على الحدس والاستنتاج والتاريخ .
وثانياً : إنّ الحقيقة التي يريد الإنسان معرفتها في مجال التجربة الطبيعيّة يجدها الإنسان في تجربة مباشرة أو يستنتجها ممّا يجده في التجربة استنتاجاً منطقيّاً ، فإذا أراد أن يعرف درجة الحرارة التي تؤدّي إلى غليان الماء أمكنه أن يشاهد ذلك في تجربة مباشرة ويحسّ بأنّ الغليان بدأ حين وصلت درجة الحرارة إلى مئة مثلاً ، وإذا أراد أن يعرف إمكانيّة تحوّل المادّة إلى طاقة أمكنه أن يقيس وزن الذرّة قبل تحطيمها بوزن حطامها بعد التفجير ، ويستنتج أنّ الفارق بين الوزنين من المادّة قد تحوّل خلال تحطيم الذرّة إلى طاقة .
وأمّا الإنسان في مجال التجربة الاجتماعيّة فهو يريد معرفة التنظيم الأصلح المنسجم مع كلّ أبعاد الإنسانيّة ، وهذا التنظيم الأصلح لا يجده مباشرة في مجال التجربة ولا عن طريق الاستنتاج المنطقي منها ، فتجربة النظام الإقطاعي تكشف مضاعفات هذا النظام ونتائجه وآثاره ، ولكنّها لا تكشف بصورة مباشرة أو منطقيّة عن البديل الأصلح الذي يسلم من كلّ تلك المضاعفات دون أن يمنى بمضاعفات مماثلة من شكل آخر ، وإنّما يقدّر الإنسانُ البديلَ وفقاً لتصوّره وحدسه الخاصّ .
وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الإنسان بينما يقترب عادةً باستمرار نحو الحقيقة في مجال التجربة الطبيعيّة ، قد يبتعد عنها كثيراً في مجال التجربة الاجتماعيّة .
وثالثاً : إنّ التفكير الذي تبلوره التجربة الطبيعيّة أكثر موضوعيّة ونزاهة من التفكير الذي يستمدّه الإنسان من التجربة الاجتماعيّة . وهذه النقطة من أهمّ النقاط الجوهريّة التي تمنع التجربة الاجتماعيّة من الارتفاع إلى مستوى التجربة الطبيعيّة والعلميّة .
ففي التجربة الطبيعيّة ترتبط في الغالب مصلحة الإنسان الذي يصنع تلك التجربة باكتشاف الحقيقة كاملة صريحة ، وليس له على الأكثر أدنى مصلحة بتزوير الحقيقة أو طمس معالمها التي تتكشّف خلال التجربة ، فإذا أراد مثلاً أن‏ يجرّب درجة تأثّر جراثيم السلّ بمادّة كيماويّة معيّنة حين إلقائها في محيط تلك الجراثيم فسوف لا يهمّه إلّامعرفة درجة تأثّرها مهما كانت عالية أو منخفضة ، ولن ينفعه في علاج السلّ أن يزوّر الحقيقة فيبالي في درجة تأثّرها أو يهوّن منها . وعلى هذا الأساس يتّجه تفكير المجرّب في العادة اتّجاهاً موضوعيّاً نزيهاً .
وأمّا في التجربة الاجتماعيّة ، فلا تتوقّف مصلحة المجرّب دائماً على تجلية الحقيقة واكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح لجموع الإنسانيّة ، بل قد يكون من مصلحته الخاصّة أن يستر الحقيقة عن الأنظار . فالشخص الذي ترتكز مصالحه على نظام الرأسماليّة والاحتكار أو على النظام الربوي للمصارف مثلاً ، سوف يكون من مصلحته جدّاً أن تجي‏ء الحقيقة مؤكّدة لنظام الرأسماليّة والاحتكار والربا المصرفي بوصفه النظام الأصلح ، حتّى تستمرّ منافعه التي يدرّها عليه ذلك النظام .
فهو إذن ليس موضوعيّاً بطبيعته ما دام الدافع الذاتي يحثّه على اكتشاف الحقيقة باللون الذي يتّفق مع مصالحه الخاصّة . وكذلك الشخص الآخر الذي تتعارض مصلحته الخاصّة مع الربا أو الاحتكار لا يهمّه شي‏ء كما يهمّه أن تثبت الحقيقة بشكل يدين الأنظمة الربويّة والاحتكاريّة . فتفكيره يقترن دائماً بقوّة داخليّة تحبّذ له وجهة نظر معيّنة ، وليس شخصاً محايداً بمعنى الكلمة .
وهكذا نعرف أنّ تفكير الإنسان في المسألة الاجتماعيّة لا يمكن عادة أن تضمن له الموضوعيّة والتجرّد عن الذاتيّة بالدرجة التي يمكن ضمانها في تفكير الإنسان حين يعالج تجربة طبيعيّة .
ونستخلص من كلّ ما تقدّم أنّ النظام البشري لا يعتمد إلّاعلى الخبرة المحدودة التي يكتسبها الإنسان عبر تجاربه الاجتماعيّة بكلّ ما يكتنفها من نقص وما يعرّضها للخطأ والانحراف ، بينما يعتمد النظام الإسلامي على تقدير من اللطيف الخبير .

ثانياً - قدرة النظام الإسلامي على إنشاء القيم الخلقيّة :

قدرة النظام الإسلامي على إنشاء القيم الخلقيّة : لأنّه يربّي الفرد المسلم على النظرة الدينيّة إلى الحياة والكون . وفي هذه النظرة الدينيّة يدرك الإنسان أ نّه يسير على خطّ طويل لا يحدّده الموت ، وأنّ الموت ليس إلّاانتقالاً من مرحلة معيّنة في هذا الخطّ إلى مرحلة اُخرى أوسع اُفقاً وأرحب مجالاً وأطول بقاءً ، وعلى أساس إدراك الامتداد الواقعي للخطّ يحسّ الإنسان بأنّ المرحلة القصيرة التي يحدّدها الموت على هذا الخطّ الممتدّ ليست هي كلّ مجاله وفرصته الوحيدة للتعبير عن وجوده والتوسّع في هذا الوجود ، وأنّ مراحل اُخرى غيبيّة على الخطّ تنتظره وتتطلّب منه الاهتمام بمستقبله فيها .
ومن الطبيعي لمن امتزج مع نفسه وروحه الإيمان بتلك المراحل الغيبيّة وامتداد الخطّ عبرها أن يكون أكثر انفتاحاً ـ على مرحلة ما قبل الموت من ذلك الخطّ ، وأوسع اُفقاً ، وأرحب تطويراً ، وأعمق تقييماً لها ، ولكلّ ما يعاصرها من دوافع ومغريات ، فينشأ في نفسه الاستعداد للتضحية لصالح تلك المراحل الغيبيّة التي آمن بها . وإذا انفتح الإنسان على التضحية في سبيل غير المنظور ، والتنازل عن أشياء محسوسة لحساب أهداف غير محسوسة ، تمكّن أن ينفتح على القيم الخلقيّة التي تقوم جميعاً على أساس التضحية في سبيل هدف أكبر غير منظور ، وأصبحت الأخلاق والمقاييس الخلقيّة أمراً ممكناً من الناحية العمليّة .
وبدون ذلك الأساس الذي يقدّمه الدين إلى الإنسان تفقد الأخلاق رصيدها الواقعي وقوّتها الأساسيّة ، وتجربة التاريخ البشري تبرز بوضوح مدى الارتباط بين الدين والقيم الخلقيّة في حياة الشعوب والاُمم .
وحين يزرع التنظيم الاجتماعي البذور الأخلاقيّة في نفوس الأفراد ، ويجعل من القيم الخلقيّة قوى فعّالة في سلوكهم وحياتهم ، يحصل من ناحية على ضمانات ذاتيّة للتنفيذ والإجراء نابعة من شعور الفرد بالمسؤوليّة الأخلاقيّة ، ويستطيع من ناحية اُخرى أن يتسامى بالفرد تدريجاً ويفجّر كلّ طاقات الخير فيه ، ولا يعود النظام مجرّد تحديد خارجي صارم لتصرّفات الأفراد ، بل يصبح مجالاً يتسامى الأفراد ضمن إطاره وخلال تطبيقه روحيّاً ، ويحقّقون المثل الصالح للإنسانيّة على الأرض .
وأمّا الأنظمة الاجتماعيّة الاُخرى التي لا تربط الإنسان بأهداف غير منظورة ، ولا تشدّه إلى مصالح أكبر من وجوده الآني الذي تمثّله هذه الحياة المادّيّة ، فهي لا يمكن أن تقدّم أيّ أساس حقيقي للتضحية في سبيل الأهداف الكبيرة ، أو تبرير معقول للتنازل عن مصالح الوجود الآني ؛ وبالتالي تفقد القيم والمقاييس الخلقيّة كلّ رصيدها ومعناها ، وتتبدّل أخلاق التضحية بأخلاق الأنانيّة ، وتصبح اللذّة والمصلحة الشخصيّة والكسب الآني هي المقاييس بدلاً عن القيم ذات الطابع الغيبي ، ويعود النظام الاجتماعي مجرّد قوّة من خارج تفرض على الفرد وتحدّد من تصرّفه وتتربّص به ، فلا يستجيب الفرد للنظام الاجتماعي إلّا بقدر ما تفرض عليه الاستجابة بقوّة القانون ، ولا يستطيع النظام أن ينفذ إلى قلب الفرد وروحه ، وإنّما يبقى مجرّد عمليّة ضبط للسلوك بالقدر المحدود الذي يتاح للأجهزة التنفيذيّة من الرقابة والإشراف .

ثالثاً - ارتفاع النظام الإسلامي عن الواقع يتيح له القدرة على تغييره :

أمام النظام الاجتماعي وأيّ تقنين يعالج علاقة من العلاقات البشريّة هدفان :
أحدهما : تفادي المشاكل التي قد تنجم عن تلك العلاقة لو اُهملت ولم تنظّم ؛ فالصلة العمليّة بين العامل ورأس المال أو الزوج والزوجة هي علاقة اجتماعيّة قد تؤدّي بطبيعتها إلى ألوان من المشاكل ، التي يمكن تفاديها عن طريق تنظيم تلك العلاقة وتحديد شروطها وملابساتها .
والهدف الآخر هو تربية الإنسان وتنمية مواهبه وطاقاته واستئصال نقاط الضعف من نفسه وإمداد بذور الخير بالقوّة والرعاية .
وهذان الهدفان مختلفان جدّاً ؛ لأنّ الهدف الأوّل لا يمسّ إلّاالسطح الظاهري والمكشوف للعلاقات الاجتماعيّة ، بينما يتغلغل الهدف الثاني إلى صميم النفس البشريّة ، ويحاول إيجاد الوسط البشري الصالح لإيجاد علاقات اجتماعيّة صالحة .
وكلّ نظام ينشئه الإنسان الاجتماعي لا يمكن أن يحقّق الهدف الثاني ولا أن يكون جديراً بتربية هذا الإنسان وتصعيده في المجال الإنساني إلى آفاق أرحب ، وإنّما يقتصر دوره على الهدف الأوّل فحسب ، لأنّ النظام الذي يصنعه الإنسان الاجتماعي يعكس دائماً واقع الإنسان الذي صنعه ودرجته الروحيّة والنفسيّة ، فإذا كان المجتمع يتمتّع بدرجة منخفضة من قوّة الإرادة وصلابتها مثلاً لم يكن ميسوراً له أن يربّي إرادته وينمّيها بإيجاد نظام اجتماعي صارم يغذّي الإرادة ويزيد من صلابتها ، لأنّه ما دام لا يملك إرادة صلبة فهو لا يملك القدرة على إيجاد هذا النظام ووضعه موضع التنفيذ ، وإنّما يضع النظام الذي يعكس ميوعة إرادته وذوبانها ؛
وإلّا فهل تنتظر من مجتمع لا يملك إرادته إزاء إغواء الخمرة مثلاً وإغرائها ، ولا يتمتّع بقدرة الترفّع عن شهوة رخيصة كهذه ، هل تنتظر من هذا المجتمع أن يضع بصورة جديّة وعمليّة نظاماً صارماً يحرّم أمثال تلك الشهوات الرخيصة ، ويربّي في الإنسان إرادته ، ويردّ إليه حريّته ؟ ! كلّا طبعاً ، فنحن لا نترقّب الصلابة من المجتمع الذائب وإن أدرك أضرار هذا الذوبان ومضاعفاته ، ولا نأمل من المجتمع الذي تستعبده شهوة الخمرة أن يحرّر نفسه بإرادته مهما أحسّ بشرور الخمر وآثارها ، لأنّ الإحساس بذلك إنّما يتعمّق ويتركّز لدى المجتمع إذا استرسل في ذوبانه وعبوديّته للشهوة وإشباعها ، وهو كلّما استرسل في ذلك أصبح أشدّ عجزاً عن معالجة الموقف والقفز بإنسانيّته إلى درجات أعلى .
وهكذا يكون النظام الاجتماعي البشري دائماً نتيجة للواقع وتعبيراً عنه ، ولا يكون على مستوى التربية والتوجيه . وحتّى الأنظمة الاجتماعيّة التغييريّة هي نتيجة تطلّب الواقع للتغيير وعدم إمكان استمراره .
وأمّا النظام الإسلامي ، فهو بوصفه من صنع اللَّه وليس من صنع الإنسان لا يكتفي بالهدف الأوّل ، بل يتبنّى الهدف الثاني ويمارس التربية والتغيير ، وينظر إلى الواقع باعتباره موضوعاً يجب أن يعالج ويطوّر لا باعتباره مصدراً يستمدّ منه .
وهذا هو معنى القيمومة للدين التي ذكرها القرآن الكريم ؛ قال اللَّه تعالى « فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون »(1).
فالقيمومة هي شأن الشريعة الإلهيّة والنظام الإلهي ؛ وأمّا النظام والتشريع الذي يضعه الإنسان ، فلا يصلح أن يكون قيّماً على الإنسان ومكمّلاً له ، نظير الصبيّ يضع تعليمات لنفسه ، فإنّ هذه التعليمات لا تصلح لتربيته وتكميله ، لأنّها تعكس نقاط ضعفه وتعبّر عن مستواه ، وإنّما يتكامل الصبيّ وينمو روحيّاً وفكريّاً على أساس التعليمات التي يتلقّاها من أبيه أو اُستاذه .
رابعاً - النظام الإسلامي لا يرتبط بالعامل الاقتصادي :
يمارس الإنسان الاجتماعي في حياته نوعين من العلاقات :
أحدهما علاقته مع الطبيعة .
والآخر علاقته مع أخيه الإنسان .
وخلال علاقته بالطبيعة يحصل الإنسان على قوى الإنتاج ووسائله التي يستعملها في كسب معيشته ، من الفأس والمحراث إلى الآلة البخاريّة ، ثمّ إلى الكهرباء والطاقة الذرّيّة ، وفقاً لتطوّر الخبرة البشريّة بالطبيعة ونموّ سيطرة الإنسان عليها .
وخلال علاقة الإنسان بأخيه الإنسان يمارس أشكالاً من التنظيم الاجتماعي التي عاشتها البشريّة في أدوارها المختلفة .
ومن التصوّرات الأساسيّة التي يقوم عليها النظام الإسلامي هو تصوّر هذين النوعين من العلاقات وتمييز أحدهما عن الآخر ، فالإسلام يؤمن بأنّ لكلّ من العلاقات الكونيّة للإنسان مع الطبيعة والعلاقات الاجتماعيّة له مع الإنسان الآخر مجراها وخطّها الخاصّ ، خلافاً للماركسيّة التي تربط النوع الثاني من العلاقات بالنوع الأوّل ، وبالتالي تربط النظام الاجتماعي بوسائل الإنتاج - أي بالعامل الاقتصادي - ، فهي ترى أنّ كلّ تطوّر في وسائل الإنتاج وأشكاله يواكبه تطوّر حتّى في العلاقات الاجتماعيّة والنظام الاجتماعي ، وأنّ كلّ شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي مرتبط حتماً بشكل معيّن من الإنتاج ، ولا يصلح ولا يمكن أن يوجد إلّافي المرحلة التي يعيش فيها الإنسان ذلك الشكل المعيّن من الإنتاج . فالنظام الذي يصلح لمجتمع الكهرباء والذرّة غير النظام الاجتماعي الذي يصلح لمجتمع الصناعة اليدويّة .
والإسلام يرفض هذه الصلة الحتميّة المزعومة بين أشكال الإنتاج وتطوّراته وأشكال التنظيم الاجتماعي وتطوّراته ، ويرى أنّ للإنسان حقلين : يمارس في أحدهما عمله مع الطبيعة ، فيحاول بمختلف وسائله أن يستثمرها ويسخّرها لإشباع حاجاته ، ويمارس في الآخر علاقاته مع الأفراد والآخرين في شتّى مجالات الحياة الاجتماعيّة . وأشكال الإنتاج هي حصيلة الحقل الثاني ، وكلّ من الحقلين بوجوده التاريخي تعرّض لتطوّرات كثيرة في شكل الإنتاج أو في النظام الاجتماعي ، ولكنّ هذا [ لا ] يعني الترابط المحتّم بين تطوّرات أشكال الإنتاج وتطوّرات النظم الاجتماعيّة وتبعيّة كلّ نظام اجتماعي لشكل معيّن من الإنتاج .(2)
والإسلام إذ يرفض هذه الصلة الحتميّة ، لا يقرّر ذلك نظريّاً فحسب ، بل هو يقدّم الدليل العملي على ذلك من وجوده التاريخي ؛ فقد سجّل الإسلام في تجربته الواقعيّة للحياة نصراً فكريّاً وبرهاناً حيّاً على كذب تلك القصّة المزعومة بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج ، ودلّل على أنّ الإنسانيّة تستطيع أن تكيّف وجودها الاجتماعي تكييفاً انقلابيّاً جديداً ، بينما يظلّ اُسلوبها في الإنتاج كما هو دونما تغيير . فإنّ الواقع الإسلامي الذي عاشته الإنسانيّة لحظة قصيرة من عمر الزمن المديد وأحدث فيها أروع تطوير شهدته الاُسرة البشريّة لم يكن هذا الواقع الانقلابي في التنظيم الاجتماعي الذي خلق اُمّة وأقام حضارة وعدّل من سير التاريخ .. وليد اُسلوب جديد في الإنتاج أو تغيير في أشكاله وقواه ، ولم يكن من الممكن لو أخذنا بوجهة النظر الماركسيّة أن يوجد هذا الانقلاب الشامل الذي تدفّق إلى كلّ جوانب الحياة دون أن يسبقه أيّ تحوّل أساسي في ظروف الإنتاج .
وهكذا يجب أن نعرف عن النظام الإسلامي أنّ من التصوّرات الأساسيّة التي يتبنّاها هو أنّ النظام الاجتماعي ليس مرتبطاً بالعامل الاقتصادي ولا ناتجاً عنه في علاقة حتميّة كما تتصوّر الماركسيّة .
خامساً - الثبات في النظام الإسلامي :
ومن خصائص النظام الإسلامي أ نّه نظام ثابت يقدّمه الإسلام بوصفه قاعدة صالحة للبناء الاجتماعي في كلّ مكان وزمان ، لا باعتباره تنظيماً مرحليّاً وشكلاً اجتماعيّاً مرتبطاً بعصر معيّن أو ظروف خاصّة .
فالنظام الإسلامي من وجهة نظر الإسلام صالح للتطبيق على الاُمّة ، وقادر على إسعادها وتربيتها وتنظيم حاجاتها مهما اختلفت ظروفها المادّيّة وتطوّرت أشكال إنتاجها واتّسعت علاقاتها مع الطبيعة وازدادت السيطرة البشريّة عليها ، خلافاً للماركسيّة التي ترى استحالة النظام المطلق . وقد تبيّنّا فى الأمر السابق الأساس النظري لهذا الخلاف ، وهو موقف الإسلام والماركسيّة من تحديد نوع العلاقة بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج ؛ فإنّ الإسلام حينما آمن بأنّ الأنظمة الاجتماعيّة ليست مرتبطة حتماً بأشكال الإنتاج كان من الممكن انسجاماً مع هذا الإيمان أن يقدّم نظامه بوصفه نظاماً مطلقاً صالحاً للبشريّة في كلّ زمان .
وكثيراً ما تواجه النظام الإسلامي شبهات تتعلّق بثباته وصلاحيّته المطلقة في كلّ زمان . وتنصبّ هذه الشبهات على مناقشة وجهة النظر الإسلاميّة القائلة بإمكان وجود نظام اجتماعي واحد صالح للأزمنة المختلفة ، بأن كيف يمكن لنظام اجتماعي واحد أن يعالج مشاكل الحياة الاجتماعيّة وينظّم شؤونها في عصور متعدّدة تختلف في اُسلوب الحياة ونوع الحاجات وطبيعة المشاكل التي تتعرّض لها ، وكذا يبدو في تصوّر ساذج للإسلام أنّ النظام الإسلامي لا يمكن أن يواصل صلاحيّته للبقاء وقدرته على أداء رسالته مع اختلاف مقتضيات الزمن وتباين الظروف وتطوّر الأوضاع البشريّة في كلّ الميادين .
ولكنّ هذا التصوّر الساذج يزول إذا عرفنا مفهوم الإسلام عن الحياة الاجتماعيّة من ناحية ، وعرفنا طبيعة التنظيم الاجتماعي في الإسلام من ناحية اُخرى .
ففي ضوء الإسلام ليست الحياة الاجتماعيّة وتنظيماتها المختلفة نابعة من الأشكال المتنوّعة للإنتاج لكي يتغيّر شكل التنظيم الاجتماعي بتغيّر شكل الإنتاج ، وإنّما هي نابعة من حاجات الإنسان نفسه ، لأنّ الإنسان هو القوّة المحرّكة للتاريخ لا وسائل الإنتاج ، وفيه تجديد صيغ الحياة الاجتماعيّة وتنظيماتها المختلفة ، فقد خلق الإنسان - كما تقدّم في بحث سابق - مفطوراً على حبّ ذاته والسعي وراء حاجاته ، وبالتالي استخدام كلّ ما حوله في سبيل ذلك . وكان من الطبيعي أن يجد الإنسان نفسه مضطرّاً إلى استخدام الإنسان الآخر في هذا السبيل أيضاً ، لأنّه لا يتمكّن من إشباع حاجاته إلّاعن طريق التعاون مع الأفراد الآخرين ، فنشأت العلاقات الاجتماعيّة على أساس تلك الحاجات ، واتّسعت تلك العلاقات ونمت باتّساع تلك الحاجات ونموّها خلال التجربة الحياتيّة الطويلة للإنسان . فالحياة الاجتماعيّة إذن وليدة الحاجات الإنسانيّة ، والنظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظّم الحياة الاجتماعيّة وفقاً لتلك الحاجات الإنسانيّة ..
ونحن إذا درسنا الحاجات الإنسانيّة وجدنا أنّ فيها جانباً رئيسيّاً ثابتاً على مرّ الزمن ، وفيها جوانب تستجدّ وتتطوّر طبقاً للظروف والأحوال . فهذا الثبات الذي نجده في تركيب الإنسان العضوي وقواه العامّة - وما أروع ما فيه من أجهزة للتغذية والتوليد وإمكانات للإدراك والإحساس - يعني حتماً اشتراك الإنسانيّة كلّها في خصائص وحاجات وصفات عامّة .
ومن ناحية اُخرى نجد أنّ عدداً كبيراً من الحاجات يدخل في نطاق الحياة الإنسانيّة بالتدريج وينمو من خلال تجارب الحياة وزيادة الخبرة بملابساتها وخصائصها . فالحاجات الرئيسيّة ثابتة إذن ، والحاجات الثانويّة تستجدّ وتتطوّر وفقاً للخبرة بالحياة وتعقيداتها . وإذا عرفنا إلى جانب ذلك أنّ الحياة الاجتماعيّة نابعة من الحاجات الإنسانيّة وأنّ النظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظّم الحياة الاجتماعيّة وفقاً لتلك الحاجات كما سبق .. إذا عرفنا ذلك كلّه ، خرجنا بنتيجة وهي أنّ النظام الاجتماعي الصالح للإنسانيّة ليس من الضروري - لكي يواكب نموّ الحياة الاجتماعيّة - أ نّه بتطوّره يتغيّر بصورة عامّة ، كما أ نّه ليس من المعقول أن يصوغ كليّات الحياة وتفاصيلها في صيغ ثابتة ، بل يجب أن يكون في النظام الاجتماعي جانب رئيسي ثابت وجوانب مفتوحة للتطوّر والتغيّر ما دام الأساس للحياة الاجتماعيّة - وهو الحاجات الإنسانيّة - يحتوي على جوانب ثابتة ـ
وجوانب متغيّرة ، فتنعكس كلّ من جوانبه الثابتة والمتطوّرة في النظام الاجتماعي الصالح .
وهذا هو الواقع في النظام الاجتماعي للإسلام تماماً ؛ فهو يشتمل على جانب رئيسي ثابت يتّصل بمعالجة الحاجات الأساسيّة الثابتة في حياة الإنسان ، كحاجته إلى الضمان المعيشي والتوالد والأمن ، وما إليها من الحاجات التي عولجت في أحكام توزيع الثروة وأحكام الزواج والطلاق وأحكام الحدود والقصاص ، ونحوها من الأحكام المقرّرة في الكتاب والسنّة .
كما يشتمل النظام الاجتماعي في الإسلام أيضاً على جوانب مفتوحة للتغيّر وفقاً للمصالح والحاجات المستجدّة ، وهي الجوانب التي سمح فيها الإسلام لوليّ‏ الأمر أن يجتهد فيها وفقاً للمصلحة والحاجة على ضوء الجانب الثابت من النظام .
ونحن إذا درسنا ذلك الجانب الرئيس الثابت من التشريع الإسلامي في النظام الاجتماعي ، نجد أنّ الإسلام قد زوّده بعناصر الحركة والمرونة أيضاً ، ذلك لأنّ هذا الجانب التشريعي وإن كان يعالج القسم الثابت من الحاجات البشريّة ، غير أنّ هذه الحاجات الأساسيّة الثابتة في حياة الإنسان - بالرغم من ثباتها - قد يختلف اُسلوب إشباعها باختلاف الظروف والملابسات .
فحاجة المجتمع إلى قوّة حربيّة مثلاً حاجة ثابتة ، غير أنّ اُسلوب إشباعها يختلف باختلاف مستوى الإمكانات العسكريّة وتطوّر العمليّات الحربيّة . وقد لوحظ في الإسلام عامل التطوّر والتغيّر في اُسلوب الإشباع بالنسبة إلى الحاجات الرئيسيّة الثابتة ، فزوّدت التشريعات الثابتة في النظام الاجتماعي بمرونة تجعلها صالحة لمسايرة هذا العامل والانفتاح على متطلّبات التطوّر والتغيّر في أساليب الإشباع ، فقد افترض في تلك التشريعات الثابتة أن تعالج الخطوط العريضة من الحاجات الأساسيّة الثابتة في حياة الإنسان .
وأمّا تفاصيل تلك الخطوط والأساليب التفصيليّة التي تحدّد طريقة إشباع تلك الحاجات فقد اتّخذت منها الشريعة أحد موقفين :
فإمّا أن تتركها للجوانب المفتوحة من النظام الاجتماعي ، فالتشريع الثابت يشتمل على الخطّ العريض لإشباع الحاجة ، والتفاصيل موكولة تشريعيّاً إلى وليّ‏ الأمر يجتهد فيها وفقاً للظروف والملابسات . ومثال ذلك التشريع الإسلامي الثابت لإعداد القوّة الحربيّة ؛ فقد عالج الحاجة الأساسيّة الثابتة على مستوى الخطّ العريض : «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة »(3)وترك تفاصيل القوّة وأساليب إعدادها إلى تشريعات من القسم الثاني يمارسها وليّ الأمر وفقاً للظروف المتجدّدة في كلّ عصر . هذا هو الموقف الأوّل للشريعة تجاه التفاصيل .
والموقف الثاني لها هو ما نجده عندما يكون التشريع الثابت في التنظيم الإسلامي للمجتمع قد عالج الحاجة الأساسيّة علاجاً تفصيليّاً ووضع الأساليب المحدّدة لإشباعها أيضاً ، فإنّ هذا التشريع الثابت بوصفه قد تكفّل بكلّ التفاصيل يفقد المرونة اللازمة لمراجعة الظروف المستجدّة في كلّ عصر ، ولهذا تعوّض الشريعة عن هذه المرونة عن طريق فئة خاصّة من التشريعات التي تدخل في نطاق القسم الثابت من التشريع ، وهي فئة اُعدّت تشريعيّاً لتكييف التشريعات الثابتة الاُخرى وتعدّل منها باستمرار إذا كانت تلك التشريعات قد استعرضت كلّ التفاصيل ، وتضمّ هذه الفئة قواعد عديدة كقاعدة « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام »(4) وقاعدة « لا حرج في الدين »(5) وقاعدة «كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم »(6)، إلى غير ذلك من القواعد التي تقوم بدور الرقيب والمطوّر في نطاق التشريعات الثابتة .
ومثال ذلك أنّ سلطة المالك على ماله من التشريعات الثابتة في التنظيم الإسلامي للمجتمع . وقد عالج هذا التشريع حاجة الإنسان إلى التملّك بوصفها حاجة أساسيّة ثابتة ، غير أنّ هذا الإشباع قد يشكّل أحياناً الخطر على الوجود الاجتماعي ومصالح الآخرين الحياتيّة إذا اُتيح للمالك أن يستغلّ ماله للإضرار ، فتقوم قاعدة « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » بتحديد قاعدة السلطنة وتكييفها دائماً وفقاً لمتطلّبات الموقف .
وهكذا نعرف من كلّ ما تقدّم أنّ التصميم الذي اُنشئ النظام الاجتماعي في الإسلام وفقاً له يتغلّب على مشكلة التغيّر المستمرّ في الظروف والملابسات والاتّساع والتعقيد المستمرّ في الحاجات وأساليب إشباعها ، لأنّ النظام الاجتماعي الإسلامي يعالج الحاجات الأساسيّة الثابتة في حياة الإنسان بتشريعات ثابتة على مستوى الخطوط العريضة لا تختلف في عصر عن عصر آخر تبعاً لثبات الحاجات نفسها وعدم اختلافها ، ويعالج النظام الاجتماعي الإسلامي تفاصيل وأساليب إشباع تلك الحاجات الأساسيّة الثابتة كما يعالج الحاجات المتنامية المستجدّة باستمرار بروح تشريعيّة صرفة كفيلة بمواجهة كلّ الظروف والأحوال .
على ضوء ما شرحناه عن هذه المرونة في التشريع الإسلامي يمكن أن نستخلص أسبابها في اُمور ثلاثة :
1 - وجود جوانب مفتوحة للتغيّر في التنظيم الاجتماعي الإسلامي موكولة إلى وليّ الأمر واجتهاده الخاصّ إلى صفّ الجانب الثابت من التشريع الذي يعالج الحاجات الأساسيّة الثابتة .
2 - إنّ التشريعات الثابتة التي عالجت الحاجات الأساسيّة الثابتة قد أغفلت في كثير من الأحيان تحديد التفاصيل وأساليب الإشباع ، لأنّ هذه التفاصيل تتّسع للتطوّر والتغيّر وفقاً للظروف ، وهذا [ راجع ] إلى مرونة التشريع الثابت وصلاحيّته على مدى الخطّ .
3 - إنّ التشريعات الثابتة التي عالجت الحاجات الأساسيّة بصورة تفصيليّة ولم تقتصر على الخطّ العريض للعلاج قد وضع إلى جانبها في دائرة التشريعات الثابتة ما يكيّفها ويطوّرها ويمنحها المرونة اللازمة لمواجهة الظروف المختلفة .
هذه ملامح عامّة عن نظام الإسلام للمجتمع ودراسة لبعض خصائصه وتصوّراته الأساسيّة ، وسوف نأخذ بالبحث فيما يلي المذهب الاقتصادي في الإسلام الذي يعبّر عن الجانب المرتبط بالحياة الاقتصاديّة من التنظيم الإسلامي للمجتمع ، وندرسه على ضوء تلك الملامح العامّة ونستعرض بعض مفاهيمه وخصائصه وتفاصيله .
المصادر :
1- الروم : 30
2- اقتصادنا : 369
3- الأنفال : 60
4- وسائل الشيعة 26 : 14 ، الباب الأوّل من أبواب الفرائض والمواريث ، الحديث 10
5- المقتنصة من : الحجّ : 78 ؛ المائدة : 6
6- الحشر : 7

 



ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Wednesday, November 23, 2016
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر