نواقض الأخوة

علينا أن نعرف أنَّ بعض الأمور لا تجتمع مع المحبة الصادقة في الله ، بل هي تعكر صفو الأخوة عادةً ، وينقض بسببها هذا الصرح . إذ الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء من هذه الأمور :
نواقض الأخوة
 نواقض الأخوة

 





 

علينا أن نعرف أنَّ بعض الأمور لا تجتمع مع المحبة الصادقة في الله ، بل هي تعكر صفو الأخوة عادةً ، وينقض بسببها هذا الصرح . إذ الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء من هذه الأمور :

سوء الظن .

فلا بد من التماس الأعذار لسلامة الصدور ، فمثلاً : أخ لك طلبت منه مبلغاً من المال فرفض تقول في نفسك : جزاه الله خيرا أنا أعرف جيداً أنه لو استطاع أن يقترضهم لي لفعل لكن الأخ معذور ليس معه ، أما إذا أسأت الظن فستقول : هذا بخيل إنَّه يمتلك الآلاف بل الملايين ، ويضن بها علىَّ ، فتعيش سقيم الصدر ، ويورث ذلك من الغل والضغينة ما يفسد دينك .
إذا تأخر أخوك عنك وأنت مريض ، فقل في نفسك : سبحان الله مشغول ، تراكمت عليه الهموم ، فرج الله همه ، وأزال كربه .
قال - .صلى الله عليه وآله وسلم -" إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث " (1)
فأحسنوا الظن ، وعليكم أن تحملوا الكلام دائما على محمل جميل فبذلك تدوم المحبة ، أما إذا أسأت الظن لحظة فسوف تنتهي الأخوة وتضيع .

الغيبة .

شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ، يقول لأخيه أمامه ما يشرح الصدور ، ثم ما يلبث أن يغتابه ويسئ إليه في غيبته ، وهذه من علامات النفاق ـ والعياذ بالله ـ .
والغيبة ذكرك أخاك بما يكره ولو كان الأمر فيه ، والمغتاب شخص جبان لا يقدر أن يواجه صاحبه فيتكلم من ورائه .
قال تعالى" وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ " [الحجرات / 12] .
ولاحظوا أنَّه يأكل لحم أخيه الميت ، فلو كان حيا ما استطاع ، فينتظر عندما يموت ويأكل لحمه ، فاجتمع أمران حرمة الميت فينتصر الله له ، وأن هذا الجسد يتعفن فيأكل حراما.
إنَّ أكل لحم المسلم حرام ، والغيبة أن تأكل لحم أخيك ميتا وهو غائب ، فاجتمع عليك من الشر مالا يحمد عقباه ، كالجبن وإساءة الظن وعدم المراقبة لله بل مراقبة البشر .
نزهوا أسماعكم عن استماع مثل هذه الأحاديث ، كما تنزهوا ألسنتكم من النطق بها ، وإنَّ السفيه ينظر إلى أخبت شئ في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ، ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها.

السخرية والاحتقار والهمز واللمز والتنابز .

قال تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " [الحجرات/10-12] .
ذكر الله عز وجل في هذه الآيات السياج العام حول الحقوق الشخصية لكل مسلم ...
وقد قال - .صلى الله عليه وآله وسلم - : " ألا إن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم بينكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ..."(2) .
فأعراض المسلمين حرام ، وأموال المسلمين حرام ، ودماء المسلمين حرام ، والنيل من أعراض المسلمين يبدأ أولاً : بالسخرية ، وللأسف أصبحت السخرية داء من أدواء الأمة ، والسبب في ذلك الأفلام والتمثيليات والمسرحيات والتفكة بالكلام الفارغ ، كله سخرية فلا يضحك الناس ـ الآن ـ إلا بالسخرية من الآخرين ، والاستهزاء بهم نتيجة احتقارهم لهم.
قال - .صلى الله عليه وآله وسلم - : " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (3)
فمثل هذا قد امتلأ سوءً ، ولكن السؤال لماذا تحتقر أخاك ؟
هل لأنَّه أقل منك في المؤهل ؟ أو في المركز الاجتماعي ؟ أو أقل منك مالا ؟ أو أنَّه ليس وسيما مثلك ؟
أخي .. اعلم أنَّ كل ذلك لا يساوى عند الله شيئا ، فما يغنى عنك مالك وجاهك ومؤهلك وشكلك ، كل ذلك سيهلك لا محالة ، ويبقى ما قدمت من العمل الصالح . " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ " [الحجرات / 13] .
وقد قال - .صلى الله عليه وآله وسلم - : " التقوى ههنا " وأشار إلى صدره ، بمعنى أنَّ محلها القلب ، وكيف بنا لو احتقرنا مؤمنا أفضل من ملء الأرض مثلنا ، لكنه خفي تقي نقي آثر الآخرة ، وترك الدنيا التي نتباهى بها .
انتبه ـ أخي ـ فلا ينبغي أن ينقدح في قلبك احتقار أحد كائنا من كان ، فعليك أن تبتعد عن السخرية والاحتقار ، وسبيلك لذلك أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل الناس أفضل منك. ولا يكون لك ذلك حتى تُعظِّم جنايتك ، وترى نفسك بعين الصغار ، وتديم ذم النفس التي أودت بك إلى مثل هذه المهالك من الذنوب والمعاصي ، وعليك أن تسئ الظن بها " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى " [النجم/32]
" ولا تلمزوا أنفسكم " واللمز : العيب بمعنى لا تعيبوا أنفسكم ، فسمى الله أخاك بالنفس كما قال تعالى : " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ..." [النور / 61] . بمعنى على إخوانكم ، فلا تعب على أخيك ؛ لأنك إذا عبته فقد عبت نفسك ، فأنت وهو شئ واحد .
ثم عليك أن تحسن إليه فتناديه بأحب الأسماء إليه " وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ " فلا تذكر اسماً له يكرهه ، وهذا طريق لتعميق أواصر الأخوة أن تحسن لفظك ، ولا تنطق أمامه إلا بما يحب .

الحسد .

هذا الداء العظيم الفتاك ينساب في النفوس البشرية في لحظات الغفلة الإيمانية كما ينساب الماء في أغصان الشجر ، فإن لم ينتبه إليه المسلم ويقطع دابره فسيكون سماً زعافًا يفتك بالجسم الأخوي .
قال تعالى : " فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [المائدة / 30]
حسد أخاه فقتله ، دب إليه الحسد ، وهو داء الأمم السابقة ، والحسد يغلى في قلب الشخص ، والحسود شخص سيئ الأدب مع الله ؛ لأنَّه ينظر إلى نعمة الله على أخيه ، فيتمنى لو زالت عنه " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ " [النساء / 54] .....
وقال النبي - .صلى الله عليه وآله وسلم - : " دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء هي الحالقة ، لا أقول : تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين . والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلكم لكم أفشوا السلام بينكم "(4)
فلماذا تحسد أخاك أنْ منَّ الله عليه بشيء ، فهذا ليس من قبل نفسه بل هو من عند الله ثم ألا تعلم أنَّ الله أعلم بالشاكرين ، فما يدريك بحقائق الأمور فربما أعطاك فطغيت ، وربما أعطى غيرك ليبتليه أيكفر أم يشكر ؟!
فالحسود يسئ الظن بالله ، ويسئ الأدب مع الله ، وتراه متسخطاً لا يرى نعمة الله عليه ، ولا يزري نفسه على ما خبت ، بل غاية شغله النظر لنعم الله على عباده ، ولذلك يفسد قلبه ودينه ، ويقع في المهالك
اللهم سلم سلم.
والحسد يظهر في الأقوال والتصرفات ، فإذا رأى أخوك أنك تحسده فإنه ينقطع عنك ، ويبتعد وتسوء بينكما العلاقة فتنتهي الأخوة ، وعلاج ذلك أن ترضى بما قسم الله لك ، ولا تتطلع إلى ما في أيدي الناس ، وأن تسأل الله من فضله ، وأن تحب الخير للمسلمين .
*المماراة والمنافسة .
من أشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة ، وهذا بداية التقاطع ؛ لأن التقاطع يقع أولاً بالأقوال ثم بالأبدان .
كان أبو أيوب اليقظان ميمون بن مهران الحكيم إمامَ أهل الجزيرة ، وكان حميد السيرة ، سديد السريرة ، وعمل كاتبا لعمر بن عبد العزيز قال عنه ابنه : إنَّ أبى لم يبلغ ما بلغ إلا أنه يكره أن يعصى الله .
قيل له : يا أبا أيوب .. مالك لا تفارق أخا لك عن قلى.
قال : إني لا أماريه ولا أشاريه ، وما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إليَّ من تحقيقه عليه ، فإن قال : " لم أقل " أحب إلىَّ من ثمانية تشهد عليه .
لماذا لا نتعامل بهذه النفسية ؟ خاصة وأنَّ الفتن تتلاحق بنا في هذه الأيام ، لماذا يكون من بعض الإخوة من يذهب للدعاة والشيوخ ويفسد ذات البين يقول له : استمع لهذا الشريط فإنَّ الشيخ فلان قال عنك : كيت وكيت .
لا .. لا هذا ليس من دأب الإخوة إطلاقا ، بل تأليف القلوب واجب ، حتى أجاز رسول الله - .صلى الله عليه وآله وسلم - حال التخاصم أن تنمى خيراً ، ولا تقل إلا خيرا ، وهذا الذي يسمونه بالكذب بين المتخاصمين .
تذهب لهذا فتقول له : إنَّ الرجل يقول : إنَّك رجل صالح ، وطيب الأخلاق ، وأنك على خير جم ، وأنك ... وأنك ... وأنه يحبك ، ويريد أن يتصالح معك ، فما زلت تنمى الخير حتى تنشرح الصدور .
فمن يقول ذلك اليوم ؟ للأسف الشديد كل يسعى لإشعال نار الفتنة، ونهاية المطاف ستحرقنا جميعا ، لأننا كلنا في خندق واحد ، فاللهم ألف بين قلوب المسلمين .
لابد أن نحب ذلك ، أن نرضى أن نسقط أقوال إخواننا إن اعتذروا عنها ، أو زعموا أنهم لم يقولوها .
قال تعالى في قصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : " يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" [يوسف / 5].
وقال جلا وعلا : " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا " [الإسراء / 53]....
لذلك دائما ما أنصحك ـ حبيبي في الله ـ أن تقول قولا حسنا لا بل قل القول الأحسن ، فالكلام قبيح وحسن وأحسن ، والله يأمرك أن تتوخى في كلامك دائما القول الأحسن الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا حتى لا ينزغ الشيطان ؛ ذلك لأنَّ الله يعلم صنيع الشيطان في التفرقة بين عباده " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ " ، كنت أقول : إن من محاسن إخوة التبليغ أنَّه عندما يقوم أحدهم ليلقى البيان تجد البقية جميعاً يلتمسون أن يسدد الله أخاهم ، فيدعون له أن يرزقه الله الفصاحة ، ويفتح عليه ، ويهدى به وهكذا .
لكنَّك تجد من الإخوة في المقابل محترفي اصطياد الأخطاء ، هذا صوفي ... وهذا أشعرى .. وهذا يحدث بأحاديث ضعيفة ... وهذا يخبط خبط عشواء .
أخيَّ ... هلا نظرت إلى نفسك ، إذا كان الإمام يخطئ لو كان وراءه مأموم لم يحسن الوضوء ، فيلبس القرآن على الإمام ، فكيف بمن لم يحسن الاستماع ، لابد أنه سيلبس على المتكلم ، نسأل الله لنا ولكم العافية من أمراض القلوب والأبدان .
قال الإمام أبو حازم الأعرج : " لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها أوفي خصلة فينا التواصي بما في أيدينا ، وما رأيت في مجلسه متماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا " .
فالتماري والجدال الأخرق يكون فيما لا ينفع ، أما ما ينفعك في دينك وآخرتك فيدخل من باب النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين .

القطيعة والتحامل القلبي .

الأصل في علاقة المسلم مع أخيه المسلم العفو والتسامح ؛ لأنَّ الله تعالى الذي يعبدونه يتصف بصفات الكمال التي منها العفو والكرم . اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا .
قال تعالى : " إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا " [النساء / 149] .
وقال تعالى : " وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلْتَقْوَى وَلَاْ تَنْسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ " [ البقرة/237]....
فما دمت تعفو فالجزاء من جنس العمل ، فإن الله سيعفو عنك ، نسأل الله تعالى أن يعفو عنا ، فالعفو من حقوق أخيك عليك ، فإنَّ أخاك ليس بمعصوم عن الخطأ ، فلابد له من هنات وسقطات ، ومع القرب تبدو هذه السقطات ، ولو ابتعدت ما رأيت ما رأيت .
لذلك حثك الله جل وعلا في مثل هذا أن تعفو " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى/40]
قال تعالى : " وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " [النور / 22] .
فانظر إلى هذه الكلمات الندية الجميلة الرائعة التي يخاطب الله بها القلب ويستثير بها العاطفة ويستجيش بها النفس ، إنَّ القرآن لا يعرف اللباب والقشور ، لا يعرف أن يترك مثل هذه الأمور الفرعية والجزئية في سبيل الأمور الأصلية والقضايا الأهم ، لا إنَّ الأمر كله دين ، ولا يمكن أن يسكت الوحي عن أي حادثة فيها مخالفة دون بيان ، فانظر كيف تكلم عن حادثة الإفك وعلم المسلمين فيها كيف يتعاملون مع مثل هذه القضايا الشائكة ، ثم ثنَّى بذكر هذه الحادثة .
هكذا يكون التعامل بترك التحامل القلبي ، قال تعالى : " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمرن / 133 - 134] .
فأهل الإيمان يتصفون بالعفو والرحمة " رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ " [الفتح / 29] "أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ " [المائدة / 54] ، وكيف تكون ذليلا على المؤمنين وأنت لا تعفو عنهم .
من الواجبات الضرورية للمسلم على أخيه " الوفاء " ، فإذا هجرك أخوك أو أساء إليك فلا تنسى سابق إحسانه .
عن عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي - .صلى الله عليه وآله وسلم - وهو عندي . فقال لها رسول الله - .صلى الله عليه وآله وسلم - من أنت ؟ قالت أنا جثامة المزنية ، فقال : بل أنت حسانة المزنية ، كيف كنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف أنت بعدنا ؟ قالت : بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله . فلما خرجت قلت : يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال . فقال : إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإنَّ حسن العهد من الإيمان (5) .
وتقول عائشة كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء ، قالت : فغرت يوما . فقلت : ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها .
قال : ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها ، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء (6) .
فالمقصود أنَّ الوفاء مطلوب ، وهو من المعاني المفقود ـ أيضا ـ في حياة المسلمين في هذا الزمان .
قال الإمام الشافعي : احفظ وداد من عاملك لحظة ، ولا تنسَ جميل من أفادك لفظة . هذا هو الوفاء حقا اللهم اجعلنا من عبادك الأوفياء .
الوفاء الثابت على الحب وإدامته حتى بعد الممات ، بل إنَّه لا يموت معكم، فإذا كان البعث قمت محباً لأخلائك ؛ لذلك لا تنس أخاك ، ولا تنس إن منَّ الله عليك بالجنة فسل عنى ، وحينها يلزمك أن تشفع لأخيك عند ربك فللمؤمنين شفاعة ،اللهم ارزقنا الجنة ، وما يقرب إليها من قول أو عمل.
ستنقطع الروابط غداً إلا الأخوة الإيمانية ، قال تعالى : " يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " [عبس / 34ـ37] وقال جل وعلا :" يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه " [المعارج11ـ14] ، فكل الوشائج تقطع إلا وشيجة ورابطة الأخوة في الله ؛ لأنَّ هذا الحب لم يرد به إلا الآخرة .
لابد من دوام الوصال ، والوفاء بالعهد الأخوي ، فإذا مات أخوك صل أولاده وأصدقاءه من بعده .
أخاف أن تنقض هذه الرابطة قبل أن تموت فيحبط العمل ويضيع السعي ، فمن أحدث قبل السلام بطلت صلاته ، ومن أكل قبل المغرب بطل صومه ، فحذار حذار أن ينقطع وفاؤك بأخيك فتشمت الشيطان فيك ، فإنَّه لا يجد متحابين في الله متعاونين على طاعته متواضعين على خير وبر إلا أجهد نفسه لإفساد ما بينهما ، رب نعوذ بك من همزات الشياطين ونعوذ بك رب أن يحضرون .
قال بشر : إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه . قال تعالى : " وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " [الزخرف / 36] .
فالأخوة مسلاة عن الهموم ، عون على الدين ، ومن الوفاء ألا يتغير حالك مع أخيك وإن ارتفع شأنك ، واتسعت ولايتك ، وعظم جاهك ، وزاد مالك وقويت صحتك ، فإنَّ الترفع على الإخوة بما استجد من الأحوال لؤم .
في صحيح مسلم أن رسول الله - .صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال : انظروا هذين حتى يصطلحا ثلاثاً . (7)
سامح أخاك ، قل : اللهم قد وهبت من أخطأ في حقي خطأه صدقة منِّى عليه ، فلعل الله يقبل صدقتك .

التجريح .

إن طول العهد بالأخوة والتقاء الوجوه نفسها مع بعضها البعض مع التقارب في العمر ـ خاصة إن كان في عمر الرباط الأخوي ـ مع أهميته وفائدته إلا أنَّه محفوف بآفات منها :
(1) تزيين بعضهم لبعض فيورث النفاق .
(2) الكلام والخلطة أكثر من الحاجة ، وهذا من السموم التي تفسد القلوب " فضول الكلام " و" فضول المخالطة " .
(3) أن يصير ذلك عادة وشهوة فينقطع بها عن المقصود .
(4) ظهور الأخطاء ووضوح العيوب .
ناهيك عن التجريح الآخر الذي ينتج عن فساد ذات البين ، وكل ذلك دواؤه الاستعانة بالله تعالى وإخلاص النية وتجديدها ، أن يظل شغل الإخوة الشاغل كيف يتعاونون على طاعة الله ، لا أن يتلاقوا على المشاكلة فحسب .
أخي .. أوصيك ونفسي بأن تتواصى بالإخلاص وصدق النية في إرضاء الله ـ جل وعلا ـ بلقاءاتنا .

الأخذ وعدم العطاء .

لا شك أنَّ مثل هذا السلوك إذا تتابع حتى صار ظاهرة يسبب شيئا في الصدر ، وهذه شيم البخلاء الذين يجمعون ولا ينفقون ، يأخذون ولا يعطون وعياذاً بالله أن يكون منا بخيلٌ .
قال بعض أهل العلم في تفسير قوله تعالى " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " [البقرة / 195] هو البخل .
وقال الله تعالى : " وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا" [الاسراء / 29] . ولا تجتمع خصلتان في مؤمن سوء الخلق والبخل ، وأى داء أدوأ من البخل .
فالمقصود ـ إخوتاه ـ أنَّ مثل هذا يوغر الصدور ، فلابد من تعاون وتآلف ، فعود نفسك البذل ، ولا أطالبك بأن تنتظر المقابل فذلك دليل فساد النية ، ولكن أطالبك يا من تعطى فتمنع ، وتأخذ ولا تنفق أن تتقى الله في إخوانك فإني أخشى أن يهلكك العجب والأثرة ، وتتمكن منك هذه الأمراض القذرة مثل الشح والبخل وسوء الخلق .
قال تعالى : "وَإِذَاْ حُيْيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ الْلَهَ كَاْنَ عَلَي كُلْ شَيْءٍ حَسِيبًا " [النساء/86].
وقال تعالى : "إِنَّ اللَهَ لَاْ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِيْن يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبُخْلِ " [النساء/36-37]
فإذا وجدت إخوانك يشكون هذا الصنيع فيك ، فقل في نفسك : أخي مرآة عيوبي ، واذهب في الحال وشاركهم في أي عمل ، وجد من نفسك ومالك ، وعامل الناس أفضل مما تحب أن يعاملوك به.

معرفة الحقوق ونسيان الواجبات (الأنانية والأثرة) .

كثيرٌ من الأخوة يشتكون من هذا السمت السيئ في بعض إخوانهم ، فتجد الأخ يعرف ماله جيدا ويطالب أخاه أن يصنع كذا وكذا بموجب ماله من حق عليه ، وينسى ويتغافل عن حقوق أخيه والواجبات التي عليه تجاه الآخرين .
وهذه الأثرة آفة الإنسان وغول فضائله ، إذا سيطرت نزعتها على المرء محقت خيره ونمت شره ، وحاصرته في كل صنائعه ، وجعلته محصورا في نطاق ضيق خسيس ، ولا يعرف فيه غير شخصه ، ولا يشعر بفرح أو حزن إلا لما يحسه من خير أو شر لنفسه .
هذا الصنف من الناس وقع في عبودية الذات ، ولا يحصل منه الخير أبدا ، يعامل الناس في حدود ما يصل إليه عن طريقهم ، لا يعرف إلا تحقيق آماله هو ولو على حساب الآخرين ، وهذا عنوان الكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس ، وهذا بريد التعاسة ـ علم الله ـ .
لا ينبغي أن يكون فينا من هذا وصفه ، فيا أيها الأناني يا صاحب الأثرة إن تعصبك لنفسك هو طريق الخذلان والحرمان ، فلا تقلب الأمور فبدل أن تحب أخاك تحب نفسك ، وبدل أن تؤثر أخاك تؤثر نفسك ، فتتحول الأمور إلى صراعات بين عنصريات وقوميات وطبقيات ، وتتعدد صور الهلاك والفساد نسأل الله لنا ولكم العافية .
إخوتاه .. أحيوا خلق الإيثار ، وحب الخير للمسلمين ، والإعانة على الطاعة .

عدم الاحتكام إلى شرع الله في العلاقات .

هذا لاشك من نواقض الأخوة المهلكة ، لأنَّ أساس العلاقة والرابطة هو الإيمان ، ومن مقتضيات الإيمان رد النزاع إلى الله ورسوله ليحكم بينهم .
فمن يحيد عن هذه الجادة ويترك بعض ما أنزل الله يهلك في الخصومات والتنازعات.
قال تعالى : " فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة/14]
أي أنهم لما غفلوا عن قدر مما ذكرهم الله به فيما أمرهم به ونهاهم عنه كانت العاقبة الوقوع في العداوات وفساد البين بالتشاحن والتباغض .
مع غياب الشرع تبدو المصلحة الشخصية والنظرة المادية والشهوة الخفية والأغراض الذاتية ، فيتحول الناس إلى حياة الغاب ، لا بقاء إلا لقوة المخلب والناب .
هذه موازين مقلوبة ، وأعراف منكرة ، وتصورات مشوهة ، مجتمع الجهل والأثرة والشهوة ، أما في مجتمع الإسلام فنقيض ذلك تماما نسأل الله لنا ولكم العافية .
المصادر :
1- أخرجه البخاري (6064) ك الأدب ، باب ما ينهي عن التحاسد والتدابر ـ واللفظ له ـ . ومسلم (2563) .
2- أخرجه البخاري (67) ك العلم ، باب قول النبي رب مبلغ أوعى من سامع ، ومسلم (1679) .
3- أخرجه مسلم (2564)
4- أخرجه الترمذي (2501) والإمام أحمد في مسنده (1/165، 167) . وقال الهيثمى في المجمع (8/30) .
5- الحاكم (1/15 - 16) .
6- أخرجه الإمام أحمد (6/117) .
7- أخرجه مسلم (2565) .

 



ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Wednesday, November 23, 2016
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر