اليتيم في المجتمع المسلم

لم يترك الكتاب الكريم جانباً من جوانب انعاش اليتيم إلا وتعرض إليه ، و الآية الكريمة التالية تصور لنا مشهداً مألوفاً لنا طالما نرى مثله في حياتنا اليومية حيث يتجمع الضعفاء في كل مكان يرجون فيه خيراً من طعام ، أو كساء أو ما شاكل.
اليتيم في المجتمع المسلم
 اليتيم في المجتمع المسلم



 

لم يترك الكتاب الكريم جانباً من جوانب انعاش اليتيم إلا وتعرض إليه ، و الآية الكريمة التالية تصور لنا مشهداً مألوفاً لنا طالما نرى مثله في حياتنا اليومية حيث يتجمع الضعفاء في كل مكان يرجون فيه خيراً من طعام ، أو كساء أو ما شاكل.
( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ) (١).
فنراهم اذا سمعوا بوليمة تجمعوا حول ذلك المكان علهم ينالوا من ذلك الطعام ما يسد به جوعهم.
وقد اختلف المفسرون في مجلس القسمة والذي يحضره هؤلاء الضعفاء من أولى القربى ، واليتامى ، والمساكين فهل هو مجلس تقسيم الميراث ، أو هو مجلس الوصية حيث يقسم الميت ما يستحقه من المال بعد وفاته ؟.
فقيل : ان المراد بذلك حضور الضعفاء من الاصناف المذكورة مجلس القسمة لميراث الميت فقد يتفق ان يحضر أقرباء الميت ممن لا ينالهم من الميراث شيء ، وهكذا من لف لفهم من اليتامى ، والمساكين يرجون أن ينالهم شيء من ذلك المال.
وعلى هذا التفسير ، فيكون الخطاب في قوله تعالى ـ فَارْزُقُوهُم ـ موجهاً إلى الورثة الذين يستحقون الميراث بأن يأخذوا بعين الاعتبار رعاية هؤلاء الذين تجمعهم مع الميت وشائج النسب ، والرحم ولم تشملهم الفرائض الميراثية لوجود ممن هو أسبق منهم من الطبقات الميراثية.
وبتعبير أوضح : المطلوب من الطبقات القريبة أن تعطف بشيء على الارحام تحقيقاً للاوامر التي تحث على رعاية صلة الرحم.
وهكذا بقية الطبقات الضعيفة ممن تناولتهم الآية الكريمة.
وذهب بعض المفسرين : إلى أن المجلس المذكور هو مجلس الوصية ، وحينئذ فيكون الخطاب موجهاً إلى ( المورثين ) وهم من تحضرهم الوفاة فقد أمروا أن لا يغفلوا ذوي قرباهم حين الوصية امتثالاً لما أوصى به الله من رعاية الارحام ، وتفقدهم وكذلك اليتامى ، والمساكين.
ولأي من التفسيرين يميل الباحث فان الآية الكريمة لا شك انها لاحظت باطارها العام جانب المعوزين ولم تتركهم حتى في حالة عدم استحقاقهم الشرعي وخاطبت الورثة ، أو المورث. على الخلاف فيه بلزوم رعاية المحتاجين من أرحامهم ليحققوا بذلك غاية نبيلة انسانية.
وتكون النتائج الحتمية لهذه العملية هي تقوية أواصر المحبة ، والود بين أفراد الاسرة الواحدة والتي تجمع أفرادها وحدة النسب ، والسبب.
وكان اليتامى على التفسيرين من جملة من شملهم العطف الإِلهي في هذه الوصية المقدسة.

تربية اليتيم :

( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ ).
والآن وحيث استوفت الآيات القرآنية الجوانب المعاشية لليتيم ودفعت بالاثرياء لأن يساعدوا الايتام ، ويهيئوا لهم الملاجيء السكينة فلا بد من الاتجاه ، والحث على تربية هؤلاء تربية صالحة للئلا يبقى اليتيم عاطلاً لا تستفيد الامة من مواهبه.
وفي هذه الآية الكريمة يتضح لنا جانب من هذه النقطة الدقيقة حيث جاء سياقها مذكراً النبي الاكرم (صلی الله عليه وآله وسلم) بما منَّ الله عليه به من قبل فقد نشأ (صلی الله عليه وآله وسلم) في جو مليء بالعقائد المنحرفة ، والاوضاع المتلونة النابعة من عادات جاهلية سالفة لذلك شملته العناية الالهية باتمام العقل ، والهداية ، وجعله بالمنزلة اللائقة لتحمل أعباء الرسالة ، والسفارة السماوية لابناء الارض.
فالهداية من متممات النعمة ، والمنّة عليه ، ولذلك لا بد من رعاية هذه الجهة بالنسبة إلى يتامى الناس ، وانتشالهم من هوة الجهل التي تلازم هؤلاء المساكين الذين باتوا ، ولا كافل لهم.
ولا بد من تطبيق هذا الدرس على يتامى الناس ، وإحتضانهم وهدايتهم بتثقيفهم ، وتعليمهم ، ورعايتهم من الجوانب التعليمية وجعلهم كأداة صالحة ، ونافعة في هذه الحياة.
فكما هداك ، ومن عليك من قبل لا بد أن تسير على هذا النهج من التطبيق وقد أسلفنا ان هذا النوع من التذكير للنبي الاكرم إنما هو لاجل جعل المشرع الاسلامي (صلی الله عليه وآله وسلم) أمام أمر واقع مر به ، وذاق طعمه المرير ليكون التبليغ أوصل ، وأنفع.
( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ).
وفي هذه الآية الكريمة يبدو لنا واضحاً ما ترمي إليه من تصحيح المفاهيم الخاطئة والتي يبني البعض عليها الجوانب التي يتطلع إليها في حياته اليومية فقد جاءت هذه الآية تعقيباً لما يتصوره البعض من ذلك.
( فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) (2).
لقد جعل الانسان هذا المقياس ركيزة يبني عليها واقعه الاجتماعي حيث يصرح بأن توفير الخير عليه هو لكرامته عند الله بينما يعتبر التقتير عليه مادياً اهانة له من الله.
ولكن الحقيقة تكمن وراء كل هذا اللف ، والدوران من هذا الانسان المراوغ.
أنه يجابه بها من القرآن الكريم في قوله تعالى :
( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ).
أنه ظن خاطيء يلجأ إليه الانسان في تكوينه لذلك المعيار الذي اعتبره لتحقيق كرامته ، واهانته.
إن الله جلّت عظمته بيده كل شيء ورحمته أوسع من كل هذه الحيالات ، والتصورات فلا يوفر الرزق لكرامة الانسان ولا يقتره لاهانته ، بل يعطي ، ويمنح حسبما تقتضيه الحكمة الإِلهية ولربما كان التوفير على أحد في رزقه نقمة عليه.
( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ).
وإنما الاهانة لها أسبابها الخاصة ومن تلك الاسباب هو : هذا الجفاء الذي يلاقيه الضعفاء منكم خصوصاً إذا كانوا يتامى ( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ).
والاكرام بنفسه شامل لكل صور حفظ اليتيم من ناحية حقوقه الاجتماعية سواء فيها الايواء ، أو الانفاق ، أو التربية.
فمن اكرامه عدم تركه بلا تربية ، وتعليم.
ومن اكرامه تهذيبه كما يهذب الشخص أولاده.
وليس المراد بالاكرام في الآية الكريمة هو الانفاق عليه فقط بل المقصود ـ كما قلنا ـ كل ما يحقق اكرامه ، ويظهر لنا ذلك جلياً من المقابلة بينه ، وبين المسكين في الآية التي تلي هذه الآية.
( وَلا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ المِسْكِينِ ) :
فالمسؤولية بالنسبة إلى المساكين إنما تنحصر في اطعامهم والانفاق عليهم ولذلك أخذ الشارع المقدس يصحح مفاهيمهم بإنكم لا تحاضون أي تتواصون على هذا الشيء فتتركون هؤلاء المساكين تفترسهم أنياب الفقر ، والجوع.
أما اليتيم فانكم لا تكرمونه ، والاكرام أمر يختلف عن التعبير بالتواصي على إطعام المسكين فهو يضم بين جوانبه كلما يحقق الأخذ بيده لما فيه رفعته ، وكلما يحتاج إليه كصبي فقد كفيله ، وليكن مكرماً كما لو كان أبوه حياً فبنفس تلك الطريقة من الايواء ، والانفاق ، والتربية لا بد من معاملته ليحصل بذلك تكريمه.

الرفق باليتيم :

وهناك جهة عالجها الشارع المقدس ، فأولاها عناية وأكد عليها وهي الإِرفاق باليتيم في التحدث معه ، والابتسامة في وجهه لتبعد بذلك عنه الانكسار الذي يشعر به ، والذل الذي يحيط به من جميع جوانبه.
( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ).
درس بليغ في التحذير من قهر اليتيم فلماذا هذا التطاول عليه ، ولماذا هذا العبوس في وجهه وهو صبي لا ذنب له.
والآية الكريمة تخاطب النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) وحاشاه أن يقهر يتيماً ، أو يقطب في وجهه وهو الذي قال فيه عز وجل :
( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ).
وجاء في بعض الأخبار عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) قوله :
« يا بني عبد المطلب انكم لن تسعوا الناس بأموالكم فألقوهم بطلاقه الوجه وحسن البشر » (3).
« وقيل كان (صلی الله عليه وآله وسلم) لا يأخذه أحد بيده فينزع يده حتى كان الرجل هو الذي يرسله ولم يكن ركبته خارجة من ركبة جليسه ولم يكن أحد يكلمه إلا أقبل بوجهه عليه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه » (4).
فالخطاب إنما هو للأمة على الصورة التذكيرية للنبي الأكرم.
ولماذا هذا القهر لليتيم وقد وجد في الاسلام مدافعاً عن حقوقه الاجتماعية ، والمالية.
أكرم اليتيم ولا تقهره ففي كنف الاسلام يأمن الضعيف.
وفي رعاية التشريع يجد اليتيم تلك اليد الرقيقة التي تحنو عليه ، وتمسح على رأسه لتزيل عنه غبار اليتم ، وتضفي عليه هالة من العطف ، والحنان.
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، وَلا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ المِسْكِينِ ) (5).
فدفع اليتيم ، وقهره كان سبباً لان يكون القاهر في نظر الآية المباركة هو المكذب بالدين لأن المتمسك بالدين لا يقهر اليتيم ولا يمنعه حقه وليحسب الانسان بعد كل هذا يترك سدى يطلق لنفسه عنان الشهوات ويختار لنفسه ما يشاء دون أن يحاسب على أفعاله يقهر يتيماً ، ويدفع مسكيناً عن حقه فهو مخطيء حينما ينسج له مقاييس وهمية ليبني عليها واقعه الاجتماعي ، وليهرب من مواجهة الحقيقة ، ويبرر بذلك موقفه من موجات الظلم المتلاحقة الصادرة منه.
( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَادِ ).
يحاسبه على كل صغيرة ، وكبيرة ، وسيجازيه عن كل ما يرتكبه وليقول العبد في ذلك اليوم ( يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ولتتمثل له عندها الطبقات الضعيفة تحاسبه على تجاوزه على حقوقها التي كانت له كنبتة الربيع.
( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ، وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) (6).
وصدق الله العظيم في وعده وليعض الظالم في ذلك اليوم على يديه ندماً ، ولتتحرق نفسه وهو يرى أن لا مناص من الجزاء وبذلة النادم يضرع إلى ربه وهو يصيح والموت يتراءى له بمنظره الموحش ليجسد له أعماله.
( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ).
وجاء في تفسير الآية الكريمة أن المراد بما ترك تركته المالية حيث لم يؤد ما عليه من الحقوق وقيل : المراد فيما فرطت وليكن هذا أو ذاك فالمعنى يحوم حول ندمه على ما لم يقم به في دنياه مما فرضته عليه الشريعة المقدسة ولكن :
( كَلاًّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ).
فقد فاتته الفرصة ، وخسر الجولة فقد جاءه الموت ليلفه بشراعه ، وليجد أعماله تنتظره إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
وتتوالى التوسلات والفرد يجد نفسه نال الجزاء وفي جهنم يبقى خالداً وقد صدق الله في إخباره حيث قال :
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ).
( قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ).
وينتهي المشهد وتذهب التوسلات أدراج الرياح عندما يأتي النداء من الله عز وجل.
( قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) (7).
وهذه اللفظة تستعمل لزجر الكلب ونزلوا وهم في النار منزلة الكلاب المزجورة اذلالاً لهم ، وإهانة ، وإظهاراً للغضب عليهم.
وفي الآيات الكريمة التي تلي هذه الآيات عرض للأسباب التي نال بها هؤلاء هذه العقوبة وهذا الاعراض حيث كانوا يسخرون من الأنبياء والمرشدين وكانوا منهم يضحكون.

اليتيم وحقوقه المالية :

لا ملازمة لعنوان اليتيم مع الفقر فكثير من الأيتام لهم من الاموال ما ليس للكبار منها شيء.
ومشكلة اليتامى الاثرياء ليست بأقل من مشكلة اليتامى الفقراء لان المشكلة تكمن في الرواسب الخلفية ، والتي تفسح المجال للاقوياء في التسلط على الضعفاء. واليتيم في أغلب الموارد ضعيف فقد من يكفله ، وبقي تحت رحمة الاولياء والاوصياء. لذلك نجد الشريعة المقدسة تولي الإِهتمام بهذه الجهة لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة الضعيفة كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحياتية المعاشية ، والتربوية.
وقد بدى ذلك واضحاً من الآيات العديدة التي راعت هذه الجهة فأكدت على إحترام مال اليتيم ، وعدم التصرف فيه إلا بما فيه مصلحة تعود إليه.
لذلك نرى هذه المجموعة من الآيات ، والتي خصصت لمعالجة مشكلة اليتامى الأثرياء تتمشى مع اليتيم في ثلاثة مراحل :
المرحلة الأولى :
في المحافظة على ما يترك لليتيم من مالٍ ميراثاً كان ذلك المال ، أو هبة تعود إليه ، وعدم التجاوز على حقوق هؤلاء الضعفاء.
المرحلة الثانية :
وتتكفل ببيان الخطوط التي تنهي دور اليتم ، وترفع عنه هذا العنوان ، وبذلك تنتهي مهمة الاولياء ، والاوصياء عندما يشب الطفل ، ويترعرع فيصبح قابلاً لتسلم ماله من الاموال وقادراً على إدارتها بنفسه شأنه في ذلك شأن بقية الكبار.
المرحلة الثالثة :
وهي في الحقيقة مرتبطة بالمرحلة الثانية حيث يؤكد فيها على تثبت ارجاع المال ، والتأكد من إستلامه بما يرفع النزاع في المستقبل من دعوى عدم التسليم أو دعوى نقصان المال المسلم ، ولذلك يطلق على هذه المرحلة إسم « الاشهاد على التسليم ».
ومع هذه المراحل بنحو من التفصيل :
١ ـ المحافظة على أموال اليتامى :
وبهذا الصدد يقول تعالى :
( وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) (8).
ايتاء اليتامى أمولهم يكون بالصرف عليهم من ذلك المال في حالة الصغر ، وأما في حال البلوغ وإستئناس الرشد منهم فيتحقق ذلك بتسليمه اليهم كما تتكفل بيانه المرحلة الثانية.
وأول شيء تعرضت له الآية الكريمة هو ترك عملية تبديل أموال اليتامى حيث كان ذلك سائداً عندهم فقد نقل أئمة التفسير أن بعض الاوصياء كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ، والغالي منه ، ويبدلونه بالرديء لذلك جاءت الآية الكريمة لتنهي عن هذه التجاوزات غير المشروعة بتبديل أموال هذه المجموعات من الصغار الضعفاء.
وتستمر الآيات الكريمة لتعالج جميع الحالات التي كان التجاوز فيها حاصلاً فيما بينهم على أموال الضعفاء من الايتام فتشمل ما هو أعظم من التبديل ، ذلك هو التجاوز على أصل المال حيث كان الفرد إذا أمن العقوبة يضم مال اليتيم إلى ماله فيتصرف بالجميع ، ويترك هذا المسكين يقاسي متاعب هذه الحياة الكالحة ، وقد جمع بهذا التجاوز على اليتيم إضافة إلى مشكلة يتمه ، مشكلة الفقر.
لذلك وقف القرآن وهو يصرخ في وجوه هؤلاء الأولياء المتجاوزين ويحذرهم مغبة هذا التعدي الوقح فقال سبحانه :
( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ).
إثم عظيم يقترفه الانسان بضم مال اليتيم إلى ماله ليجحف به ويوصل الضرر إليه.
وتتوالى الصرخات التحذيرية من القرآن الكريم ناهية عن هذا النوع من التجاوز غير المشروع.
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (9).
تصوير مرعب تطالعنا به الآية المباركة حيث صورت الفرد منا والنار تستعر في جوفه فيعلم أهل الموقف أن ذلك جزاء من أكل مال اليتيم ومن وراء ذلك جهنم سيصلاه مخلداً فيها.
وقد روي عن الامام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال :
قال رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) : يبعث اناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواهم ناراً فقيل له من هؤلاء فقرأ هذه الآية.
وجاء في كتب التفسير أن هذه الآية لما نزلت وكذلك قوله تعالى : ( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (10)
بادر كل من عنده مال ليتيم فعزل طعامه وشرابه واجتنبوا أمورهم نظراً لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم.
وطبيعي أن يوجب هذا الوضع التشويش ، والاضطراب في قلوب المسلمين لأن ذلك مما يوجب تنفير هذه الفئة الضعيفة منهم
وليس ذلك في صلاح هؤلاء الاطفال لذلك قصدوا للسؤال من النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) عن أمر اليتامى ومخالطتهم وفيهم من لا يمكن تركه.
فجاءت الآية الكريمة لتخفف عنهم هذه الشدة ، وتصحح لهم المفهوم الخاطيء الذي تصوروه في ذلك فتسهل عليهم معاشرتهم.
( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) (11).
وكان الجواب صريحاً في الطريق الذي لا بد لهم من سلوكه مع الأيتام فلا داعي لهذا التجنب ولا داعي لهذه الهوة التي أحدثوها فيما بينهم فكلما فيه صلاح اليتيم لا بد من رعايته وإذا كانت هناك مصلحة في مخالطتهم والتعايش معهم فهم اخوانكم ، والمخالطة مع الاخوان مما يؤكد عرى المحبة.
والاصلاح في الآية مطلق لا يقتصر على جهة معينة بل يشمل كل صور الاصلاح لأموالهم باستثمارها ، وتنحيتها ، والعمل بها في ميادين التجارة والكسب لتوفر على اليتيم ربحاً وفيراً في ماله.
وفي الوقت نفسه تشمل اصلاح اليتيم مع بقية نواحيه ولو كانت غير مالية كالتربية ، والتهذيب إذ أن الآية الكريمة تريد أن يكون اليتيم في نظر الآخرين كالاخ الصغير حيث يختضنه الأخ الكبير ، ويحوطه بعنايته فهو يقوم برعايته من النواحي المالية ، والاخلاقية ، ويخالطه ، ويعاشره بنحو لا يكون في البين طمع من الكبير في أموال الصغير ، بل رعايته ، وتوجيهه بحسن نية ، واخلاص ممزوجين بعطف أخوي.
ولم تقتصر الآيات الكريمة في مقام التهديد على النهي عن التجاوز ، وأكل مال اليتيم ، والتوعيد بالعذاب الاخروي بل سلكت طريقاً آخر مستوحىً من الواقع الحياتي الذي يعيشه الفرد في كل يوم.
إن هذه الطريقة الجديدة تتمثل في تنبيه المتجاوزين بإنهم لو ظلموا اليتامى ، وتجاوزوا على حقوقهم ، فليحذروا أن يكون جزاؤهم نفس ما عملوه مع اليتيم ، ولينتظروا يوماً يعامل فيه أيتامهم بنفس الطريقة التي أساؤوا بها إلى أيتام الآخرين.
قال تعالى :
( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ) (12).
وقد جاء عن الامام الصادق (عليه السلام)قوله :
« إن أكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا ، والآخرة. أما في الدنيا : فان الله تعالى يقول : ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ). وأما في الآخرة فان الله عز وجل يقول : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (13).
إذاً فلرعاية الايتام أثار وضعية دنيوية ، وللإِساءة اليهم مثلها إذ كل شخص في هذه الحياة عرضة إلى الموت وأبنائه معرضون إلى اليتم في كل لحظة ، فليتق الله في الأيتام ليتق غيره في أيتامه.
وبالعكس ، فرعايتهم ، والأخذ بأيديهم له الأثار الوضعية أيضاً فالله لا ينسى تلك الأيادي البيضاء على هؤلاء المقطوعين الذين لف كفيلهم رداء الموت.
وقد عرض القرآن الكريم نماذج من هذا النحو من الرعاية المتقابلة فقال تعالى :
( وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) (14).
لقد حفظ الله ، ورعى لاب هذين اليتيمين جزاء صلاحه يتيميه فقيظ لهما من بنىٰ لهما الجدار الذي ذخر الكنز لهما تحته ريثما يبلغا أشدهما ، ويستخرجا كنزهما كل ذلك رحمة من ربك ، ومعاملة حسنة بالمقايضة ، والمقابلة.
المصادر :
1- سورة النساء : آية ٨٠.
2- سورة الفجر : آية ( ١٥ ـ ١٦ ).
3- المحجة البيضاء : للفيض نقلاً عن المواهب المدنية.
4- للقسطلاني ٣ / ٣٦٤.
5- سورة الماعون : آية ( ١ ـ ٢ ـ ٣ ).
6- سورة الفجر : آية ( ٢٥ ، ٢٦ ).
7- الايات الكريمة المذكورة من سورة المؤمنون : من آية ( ٩٩ ـ ١٠٩ ).
8- سورة النساء : آية (٢).
9- سورة النساء آية (١٠).
10- سورة الانعام : آية (١٥٢).
11- سورة البقرة : آية (٢٢٠).
12- سورة النساء : آية (٩).
13- وسائل الشيعة : ١٢ / ١٨١ حديث (٤) الطبعة الجديدة.
14- سورة الكهف : آية (٨٢).
 
ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Tuesday, August 15, 2017
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر