نعمة الضمير

المجرم مهما كان موغلاً في الجرم، يناديه ضميره علی طول الخط ويقول له: إن هذا العمل سيئ فاتركه، وهذا العمل حسن فافعله.. وهذا ما عبّر عنه في لسان الشرع (بالحجة الباطنة).
نعمة الضمير
 نعمة الضمير



 

المجرم مهما كان موغلاً في الجرم، يناديه ضميره علی طول الخط ويقول له: إن هذا العمل سيئ فاتركه، وهذا العمل حسن فافعله.. وهذا ما عبّر عنه في لسان الشرع (بالحجة الباطنة).
ولا بأس أن أنقل هنا قصة نقلها لي أحد الخطباء، قال: إن مدير الأمن العام طلبه، وقد رهب بذلك أيّما إرهاب، لأنه كان يري أمره منتهياً لكنه اجبر إلي الذهاب.
قال: وقد أرهبت من وضع الدائرة ومن تعدد الغرف الكبار شبه المعتمة والرجال الذين خصصوا لأجل إلقاء الرعب في القلوب بحركاتهم وسكناتهم.. حتی وصلت إلي مدير الأمن العام، لكنه أظهر لي البشاشة والتواضع.
(وهذا أسلوب نفسي لاستدراج الضحية إلي الاعتراف فإن الإنسان عادة إذا رأی الوجه البشوش بعد الرعب فتح له قلبه وقال كل شيء).
ثم إن مدير الأمن قال: إن البلاد تقدمت تحت ظل (فلان) عمراناً، ثقافةً، صناعةً، أمناً، استقراراً، فاللازم علی أمثالكم من موجهي الناس أن تذكروا محاسن البلاد ومحاسن (فلان).. وأخذ يسرد من هذه الكلمات شيئاً كثيراً، وأنا معتصم بالصمت.
قال الخطيب: لكن لم أتمالك نفسي أخيراً وقلت له: هل تسمح لي بكلمة؟.
قال: تفضل.
قلت: إني أسألك بضميرك، وبالله الذي هو مطلع علی سرائرك، إنك إذا ذهبت إلي فراشك في الليل ووضعت رأسك علی الوسادة، ولا رقيب علی ضميرك إلا الله، هل تفكر كما قلت لي؟ وهل إنك مقتنع بأن البلاد في تقدم وأن (فلاناً) له محاسن؟.
قال الخطيب: فنكس مدير الأمن رأسه، وترقرقت الدمعة في عينيه، ولم يتفوه بكلمة.. قال سبحانه: (ولو تري إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ).

القلق

ومن آثار الاستبداد التي قد تسبب رجوع الظالمين إلي الصواب القلق الدائم تفاهة الحياة في أعينهم والمطاردة النفسية.. وكذلك مطاردة المجرمين من قبل السلطة أو من قبل الناس، علی طول الخط، مما يسبب لهم أعظم العناء والاضطراب.
كان عبد الكريم قاسم كما نقل مرافقه بعد مقتله لا ينام الليل كله، وكان دائماً يتساءل من مرافقيه: هل أنهم يسمعون ما يسمع من نداءات:
تنقل زوجة أحد الرؤساء في مذكراتها إن الرئيس كانت له حالات مختلفة وكثيراً ما كان ينبح نباح الكلاب مما يثير دهشة من في القصر.
وقد كان رجل تولّي قتل الملكيين في العراق: (عبد الإله وفيصل ونسائهم وأطفالهم) يسمّي ب(عبد الجبار السبع) لم تمض علیه إلا مدة وجيزة حتی جنّ وأدخل (دار المجانين).
وكان (پهلوي) في جزيرة (موريس) يقف أمام المرآة ويمدح نفسه، ثم يعفط لنفسه عفطة كبيرة، استهزاءً بنفسه.
ورأیت في أحوال الملك العثماني (عبد الحميد) إنه كان في أواخر أيامه لا يهدأ له بال، وإذا نام رأی في المنام مناظر بشعة، من القتلي الذين قتلهم تمثل أمامه وهم مقطوعوا الرأس وأوداجهم تشخب دماً مما ترعبه وتسلبه النوم من عينيه.
ومما ينتاب المجرمين كذلك هو حالة اليأس والوحشة والخوف من سوء المصير، قال سبحانه: (كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة علیهم).
وينقل إن هارون العباسي أشتد به المرض ويئس منه الأطباء، وتكلم الناس عن قرب موته، فأمر أن يؤتي إليه بدابّة ليخرج ويقطع ألسنة الناس، لكنه لم يتمكن من الركوب.
فقال متحسراً: لقد صدق الناس، هذه أوان مفارقتي للحياة.. ثم أمر بأن يحفر قبره في نفس غرفته أمام فراشه، لأنه يخاف من وحشة القبر في مكان منفرد، ولمّا حفر قبره نظر في القبر وأخذ يبكي ويقول قوله سبحانه: (ما أغني ماليه * هلك عني سلطانيه ).
لكن أمير المؤمنين علیاً (علیه السلام) لمّا ضربه ابن ملجم، قال: (فزت ورب الكعبة).
ومن غريب الأمر أن الديكتاتوريين المجرمين غالباً ما ينتظرهم مصير أسود، كالذلة والقتل والثورة علیهم..
فهذا (هتلر) و(نابليون) و(ستالين) و(عبد الحميد) و(عبد السلام عارف) و(عبد الناصر) و(هيلاس لاسي) و(نوري السعيد) و(القاهر العباسي) و(المتوكل) و(البهلويان) و(السادات) وغيرهم وغيرهم.. كثيرون، هؤلاء كلّهم طحنهم الظلم ولاقوا أبشع أنواع الذلة والصغار..
ألا يكفي هذا عبرة وذكري؟.
يقال: إن ملكاً ثار علی ملك آخر وأصبح في مكانه، فجاءه إنسان وقدم إليه مالاً، قال الملك: ولماذا هذا المال؟.
قال الرجل: إن أبي أوصاني أن أعطيه إليك.
قال الملك متعجباً: وكيف عرف أبوك أني أثور علی الملك السابق حتی أوصی لي بهذا المال؟.
قال الرجل: هذه وصية أبي وإني نفذتها.
فشدّد علیه الملك أن يقول الصحيح.
قال الرجل: إن أعطيتني الأمان قلت الصحيح.
قال الملك: لك الأمان..
قال الرجل: إن أبي أوصی أن أعطي هذه المال لأكثر الناس حمقاً، ولم أجد أنا أكثر حمقاً منك، ولذا قدّمت لك المال.
قال الملك: ومن أين عرفت حمقي؟.
قال الرجل: لأنك رأیت كيف انقلبت الأيام علی الملك الذي كان قبلك ومع ذلك تعتمد علی الملك وكأنك باق فيه إلي الأبد، وهل هناك أكثر حمقاً ممن رأی بنفسه كيف تلدغ الحية أناساً ومع ذلك يقدم إليها إصبعه لتلدغه؟.
وقصة ذلك الحكيم الذي كان جالساً في مجلس (عبد الملك) مشهورة، حيث إنه رأی رأس (مصعب) أمام عبد الملك، فقال لعبد الملك: أعيذك بالله من هذا المكان؟.
قال عبد الملك: ولم؟.
قال الرجل: إني كنت في هذا القصر، فرأیت رأس الحسين علیه السلام أمام ابن زياد.. ثم رأیت رأس (ابن زياد) أمام (المختار) في نفس هذا المكان.. ثم رأیت رأس (المختار) أمام (مصعب) في نفس هذا المكان.. والآن أری رأس (مصعب) أمامك في هذا القصر.. فأحذر أن تدور الدائرة ويري رأسك أمام إنسان آخر.
فتأثر عبد الملك بهذا الكلام وقام من مجلسه وأمر بهدم القصر. وفي القصة تعلیقات:
1. إن الأمويين سوّدوا صحائف التاريخ بهذه الأعمال البشعة، التي يندي لها جبين الإنسانية فسنّوا قطع رؤوس الناس، والطواف بها في البلاد، ثم تبعهم (بنو عباس).
2. إن الإمام الحسين علیه السلام كان داعياً إلي الصلاح، فقطع رأسه المجرمون، والمختار حاله معلوم أمّا (مصعب) و(ابن زياد) فقد أخذا بعض جزاء ما فعلا من الأعمال البشعة مما سوّدا به التاريخ.
3. إن الرجل الظالم (عبد الملك) ظنّ إن (الذنب) ذنب القصر ولذا أمر بهدمه ولم يفطن إلي أن الحجارة والجصّ والخشب لم تكن دخيلة في ذلك الأمر.. ولو عقل كان علیه أن يعدل، ويرجع الحق إلي نصابه، حتی يحفظ نفسه من غضبة المصلحين، ولو فرض إنه قتل بأيدي المجرمين إذا صار صالحاً كان له فضيلة وأجر وذكر أحسن. لكن..
من أين تعقل أرؤس أموية بالخمر تسكب في الضياع ذكائها)؟
نعم … قام عبد الملك من ذلك المكان وأمر بهدمه، لكنه تمادي في الظلم والعصيان والفسق والفجور وتمادي.. وتمادي.. حتی جاءه أمر الله، وقام بنو العباس بالسيف فيهم، يحصدونهم حصد السنبل (فهل تري لهم من باقية)؟
وصدق قول الله سبحانه فيهم: (كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك أورثناها قوماً آخرين * فما بكت علیهم السماء والأرض وما كانوا منظرين).
المصادر :
راسخون 2017
 


ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Sunday, October 15, 2017
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر