الصخب السياسي في لبنان



 

إن الأزمات التي يمر بها لبنان مع الأسف هي أزمات طائفية أو مذهبية أو في قليل من الأحيان لها البعد السياسي الصاخب. إذاً ما هي مشكلة لبنان؟ يمكن للمطّلعين أن يقولوا إن المشكلة اللبنانية هي مشكلة عيش حقيقي بين الطوائف، التكاذب والتعايش الذي يُرفع شعاره دائماً يسقط مع كل هزة ريح. لهذا السبب نقول يجب التفتيش عن مكونات صلبة لقيام النظام السياسي الحديث. فلنكن موضوعيين ونصارح بعضنا بعضاً، إن النظام الطوائفي تشكل بناءً لرغبات خارجية ويستمر انطلاقاً من دعم الخارج لهذه الطائفة أو تلك.
كيف نخرج من الهيمنة المارونية إلى الهيمنة السنية فالهيمنة الشيعية؟ فإذا كان لبنان يتألف من ثماني عشرة طائفة كيف سنوفق بين هذه المكونات؟ من هنا كانت فكرة المواطنة أي أن نحمل مفهوم الإنسان كقيمة للإنسان نفسه لا أن نترك الإنسان عرضة لمزاج زعيم الطائفة أو المسؤول الطائفي وتعلقه بمذهبه وطائفته. من هنا الفكرة الأساس أن يُحترم الإنسان كفرد.
وانطلاقاً من احترام الإنسان كفرد فكرنا بمسلمات أساس انطلاقاً من التجارب الكبيرة التي عرفتها المجتمعات المسيحية حول التحول الكبير من الدولة الأمة في أوروبا والصراع الكبير الذي عشناه بين الكنيسة والملكية واستمر هذا الصراع طويلاً بين الدين ومفهوم المؤسسة السياسية إلى أن تفجر هذا الصراع وانتصرت الثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر وأدى ذلك إلى ضرب المكونات السياسية الدينية ورفع شعار فصل الدين عن الدولة.
وعايشنا التحول الكبير من الدولة التي ركيزتها المسيحية إلى الدولة التي ترتكز على القانون الوضعي المدني. هذه التحولات نقلت أوروبا وعلى رأسها فرنسا من مجتمعات متخلفة إلى مجتمعات متطورة وأصبحت تضاهي في التأثير بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس. إن التجارب التي عرفها لبنان من تدخلات خارجية من عهد القائمقاميتين إلى التدخل الخارجي حين كانت كل دولة تحمي طائفة محددة، هذا كله أجَّج الصراعات الطائفية في لبنان.
ما زلنا نعيش في مرحلة ما بعد الاستقلال التعقيدات التاريخية السلبية، بين الطوائف ما أدى إلى هذه الخلخلة الطائفية والمذهبية منذ قيام لبنان حتى اليوم. لن أفرق بين طائفة وأخرى لأن النظام السياسي المبني على طوائف ومذاهب أدى إلى هذا البنيان السياسي الهش الذي جعل لبنان عرضة لكل هبة ريح داخلية، إقليمية أو دولية، يتأثر بها ويستنزف قواه. وما زلنا نعيش هذا المسلسل منذ 1860 وحتى اليوم. من هنا اقترحنا تطبيق مبدأ المواطنية.
المواطنية كمفهوم هي شكل من أشكال الانتماء إلى الوطن وإلى مجتمع مدني ينخرط فيه المواطنون بملء حريتهم، معبرين عن إرادتهم بالعيش معاً متضامنين في بنائه من خلال المؤسسات الرسمية والخاصة ومستعدين للذود عنه عندما يهددهم عدد من داخل وخارج، وذلك بدعم المؤسسات المختصة بشكل محدد لها حسب القانون.
إذاً في هذا التحديد الشامل لمفهوم المواطنة يكون للإنسان حقوق وعليه واجبات انطلاقاً من قيمته كفرد وليس من قيمته كشخص ينتمي إلى طائفة أو مذهب أو ما شابه. من هنا قدمت المواطنية الإنسان كفرد له قيمة مستقلة وسابقة على الانتماء إلى الطائفة والعائلة والمذهب. هذا أولاً في مفهوم المواطنية. فالمواطنية تهدف فيما تهدف من وراء ذلك إلى تعزيز قدرات المجتمع المدني لكي يكون له التأثير في تغيير الذهنية السائدة وصولاً إلى المبتغى من قيام الدولة المدنية.
ما هي شروط الدولة المدنية؟ هي دولة تمثل جميع المواطنين وتحمي جميع الحقوق وتأخذ موقفاً حيادياً من الجميع، ونتيجتها المؤسسات القادرة والعادلة، فتطبق الدولة المدنية القانون المدني على الجميع دون تمييز. إن تطبيق قوانين الأحوال الشخصية يكون مع مراعاة قوانين كل طائفة في بلد متنوع كلبنان. والقاضي المدني هو الذي يبتُّ في هذه النزاعات، وهي تكفل لكل إنسان حق اختيار الدين الذي يريد، كما عليها أن تحترم خيار من يصرِّح بأنه لا ينتمي إلى أي دين.
الدولة المدنية التي مصدرها المجتمع المدني تحترم كل الأديان ولا تنحاز إلى دينٍ معين، ويكون دستورها مدنياً وقوانينها مدنية وتستمد شرعيتها من صناديق الانتخاب والقانون الذي ينظم هذه الانتخابات. الدولة المدنية تعبر عن مصالح الناس مهما اختلف الدين أو المذهب أو غيره، لأنها تصرُّ على فصل الدين عن الدولة، وهذه قضية للنقاش أيضاً بين كل المكونات التي تتألف منها، فميزات الانتماء إلى الدولة المدنية تسمح بالتمتع بالحقوق اللازمة للشخص والالتزام بواجباته وليس التمتع بقانون الالتزام بالطائفة أو المذهب. وهنا الفرق كبير، ما هي الحقوق الشخصية للفرد في الدولة المدنية؟ الحقوق الفردية للشخص تتلخص بالحرية التي كفلها الدستور لكل أبناء الوطن والمساواة أمام القانون والعدالة دون استنساب وممارسة الديمقراطية بأبهى صورها ونبذ العنف مهما كان نوعه.
أما الحقوق الاجتماعية في الدولة المدنية فتتلخص بالتعليم المجاني وتأمين العمل والعناية الصحية والحفاظ على البيئة.
أما الواجبات فهي التشبث بالوطن والحفاظ على وحدته وحريته وسيادته واستقلاله. ويتجلى ذلك بنبذ منطق الميليشيات والاستقواء بالخارج ما يؤدي إلى تصدع الوحدة الوطنية والخوف على المستقبل والمصير وانعدام الثقة وتفويت فرص العمل بسبب قلة الاستثمارات وتكاثر أعداد المهاجرين بحثاً عن عمل، وفي كثيرٍ من الأحيان عن أوطان بديلة، وهذا ما نعيشه في هذه الأيام العصيبة.
أيها السادة لا يمكن لهذه القضايا أن تطبق إلا بقيام دولة قادرة وعادلة بمؤسساتها التي تقدم أمثولة في الانضباط وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وسياسة الثواب والعقاب لأن الدولة المدنية تقوم على القانون الوضعي وتحدُّ من هيمنة الطوائف على الدولة ولكنها لا تدعو إلى الإلحاد، بل تحدُّ من تدخل الطوائف والمذاهب في عمل الدولة، أما المستويات الثلاثة التي تقوم عليها هذه الدولة،
فهي أولاً: الديمقراطية التي تقوم على التسامح وضمان حرية التعبير لكل الأفراد عن معتقداتهم السياسية والفلسفية وحتى الدينية شرط أن لا تتعارض ومشاريع وبرامج وقوانين الدولة المدنية.
ثانياً: الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية لكي تقوم دولة الحق والقانون.
ثالثاً: العدالة: لا يكفي للدولة المدنية أن تكتفي بالديمقراطية الشكلية بل عليها أن تطبق مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وحق الأقلية في مراقبة أعمال الحكومة كي لا تنزلق الحكومات التي تدعي الديمقراطية إلى الديكتاتورية. إن الانطلاق لتغيير المفاهيم السائدة في المجتمع اللبناني يتطلب أولاً: برنامجاً تربوياً موحداً لكل المواطنين، ثانياً: إلغاء التمييز الطائفي في الوظائف والمؤسسات، ثالثاً: إعلاماً وطنياً موحداً، رابعاً: قانوناً موحداً للأحوال الشخصية، خامساً: قانون أحزاب جديداً يتوافق والمبادئ المذكورة أعلاه، سادساً: قانون انتخاب يعيد النظر بالدوائر الانتخابية ويطبق مبدأ النسبية.
إن هذه المبادئ طرحناها في منطقة البقاع على مجموعة من الشبان. توجهنا إلى النخب البقاعية من بعلبك الهرمل إلى قضاء زحلة فقضاء البقاع الغربي وملأنا مئتي استمارة حول هذه المبادئ وحصلنا على نتائج في بعض الأحيان مشجعة، وفي بعض الأحيان كان هناك تقبّل وفي قليل من الأحيان كان هناك رفض لأن المعاناة كبيرة في كل الطوائف والمذاهب من عدم عدالة النظام السياسي الذي نعيش في ظله. وأصارحكم القول أن المواطنين كل المواطنين في البقاع يتمنون العدالة، يتمنون فرص العمل، يتمنون النظام السياسي العادل والمؤسسات العادلة، وتطبيق الأمن والقانون على الجميع. ولكن هناك تخوف، فقد تبين معنا من خلال الإحصاءات أن 25 أو26 % بالمئة يحبذون القانون الموحّد للأحوال الشخصية، بينما 75 بالمئة يقولون إن لكل طائفة ولكل مذهب خصوصيته ويجب الاحتفاظ ولو مؤقتاً بنظام المحاكم الشرعية لدى المسلمين أو لدى المسيحيين. لهذا نقول إن هذه المبادئ تُقبل في بعض اللحظات وقد ترفض في لحظات أخرى ولكن نقول إن لبنان، صدِّقوني، من خلال القراءات التاريخية التي اطلعتم عليها، لن يتمكن من الاستمرار في ظل ثماني عشرة طائفة على الرغم من الذين ينظِّرون لهذا العيش، هناك من يقول إن لدى المسيحيين رسالة عيش مشترك ويقول إن لبنان رسالة تعايش، كما قال قداسة الباب هو رسالة محبة وسلام إلى كل العالم العربي. هذه كلها كلمات لا تعالج المشاكل الحقيقية البنيوية التي يعيشها النظام السياسي اللبناني، فلنفكر كلنا بمبدأ كيف نصل إلى مقاربة هذه القضايا لكي نصل إلى حلول لهذه المشاكل التي يعيشها لبنان.
أصدرت دراسة بسيطة في عام 1996 حول القانون الأجدر للانتخابات وصدرت في الجرائد وأخذت الكثير من النقاشات كأن يوزع لبنان إلى عشر محافظات تشتمل على أقليات طائفية من الجميع دون أن تؤثر واحدة على أخرى. وافترضنا تقسيم لبنان على عشر محافظات عرضية من البحر إلى الجبل توزع حسب التوزيع المستطيل للبنان من الناقورة وصولاً إلى عكار وقلنا هذه مقدمة لكي ننشئ أربعة أحزاب في لبنان يمين ووسط وبيئة ويسار.
وهذه القوى تتوزع على المحافظات العشر دون أن يكون لأي طائفة الغلبة في تنظيمها السياسي، أي أن كل طلب ترخيص لحزب يجب أن يشتمل على كل الطوائف والمذاهب الموجودة في لبنان. هذه المحاولة أظنها مرحلة أساساً وصولاً إلى المجتمع المدني فالدولة المدنية. كما حاولنا أن نشرح فصل النيابة عن الوزارة ومن ثم إدخال النسبية لكي تتمثل كل القوى وكل المحافظات وتصبح الانتخابات على أساس اللائحة الحزبية. من هنا التعارض كان كبيراً من كل القوى الإقطاعية والطائفية لهذا المشروع لأنه لا يناسب القوى السياسية الحاكمة.
فما نقترحه هو القبول بالمبدأ. وإذا أحببنا أن يستمر لبنان على القوى المؤثرة أن تتنازل لمصلحة الدولة العادلة والقادرة والتي تستطيع أن تدير شؤون التكوينات اللبنانية المختلفة. مع ثماني عشرة طائفة لا يمكن لهذا النظام الطائفي أن يستمر فهو ينتج الأزمات وينتج الأحداث وينتج المشاكل كل فترة عشر سنوات إذا يمن السّنَّة على الحكم بعدها يطالب الشيعة وبعد ذلك يطالب الموارنة وهذه القضية لا تنتهي. ما نطمح إليه هو أن نعايش شباباً يعيشون القضايا المطلبية التي غابت اليوم عن مجتمع الشباب. كل فئة من الشباب تحاول أن تلتزم بمطالب الفريق السياسي التي تمثل. لقد غابت القضايا المصيرية.
كنا في الجامعة اللبنانية في 1968 و1969 والـ1970 نعمل لقيام البناء الجامعي وعايشناه في الحدث بناءً على مطالبات مستمرة من قبل طلاب الجامعة اللبنانية. أين طلاب الجامعة من هذه القضايا المصيرية. أين الأبنية الجامعية؟ أين محاربة الغلاء؟ أين محاربة القضايا التي يعاني منها المواطنون في كل الطوائف والمذاهب؟ لهذا أمنيتي إلى الجميع أن نعزّز دور الشباب في قضاياهم المطلبية ونبعدهم قدر الإمكان عن المشاكل السياسية التي تعيشها الأحزاب بمختلف فئاتها في لبنان.
ويجب أن أركِّز على قضية فلسطين. كنا في مطلع الخمسينات والستينات نعالج قضايا أساساً، كقضية فلسطين، اليوم أصبحت القضايا القومية بمثابة مطالب شفوية، وهذا يدمي القلب لأن المطالب القومية تدحرجت أمام المشاكل الكبيرة التي يعيشها الشعب اللبناني والمواطنون اللبنانيون. من هنا يجب أن نقول إن المقاومة انتصرت بدعم كل الشعب اللبناني وحرَّرت الأرض. ويجب أن نتكتل حول القضايا القومية لكي تبقى مستمرة حتى تحرير الأرض المغتصبة، إن في الجنوب أو في فلسطين من الاغتصاب الإسرائيلي.
أنا حاضر لكي أجيب عما ذكرت حول هذه الأفكار، هذه الأفكار التي قد تكون غريبة عن المجتمع الذي تعيشون فيه ولكنها متداولة في قسم كبير من الأوساط الفكرية السياسية. ولكن أقول لكم لن يكون التغيير غداً ولكن التغيير يبدأ بقفزة نوعية متضامنة من كل الفئات اللبنانية وشكراً لكم.
إن المجتمع اللبناني مدرك لمشاكله ويعترف بوجودها. ولكن للأسف إن الشعب خاضع لتدبير عيشه بشقاءٍ وتعب بسبب سياسة التجويع التي تمارسها الحكومات المتعاقبة على هذا الشعب الأبي المناضل الذي تميز بمقاومته للغزاة الطامعين بأرضه على مرّ السنين ولأجيال طويلة.
إن الطائفية زعزعت التاريخ السياسي للبنان وهدّدت وحدته. لقد سأل "ريمون إده" "هنري كسنجر": ما سبب قيام الحروب على أرض لبنان؟ فكان جوابه أن الزلزال لا يصيب إلا الأرض المتصدعة. وهذا الكلام الخطير هو جزء من الواقع اللبناني الذي يدفعنا إلى السعي لإحداث تغيير جذري في القاعدة الفكرية عند هذا الشعب. فهذا التصدع يخدم الدول الكبرى التي تهدف للحفاظ على أمن دولة "إسرائيل" التي تلعب دوراً كبيراً في التعبئة الطائفية. ومن خلال هذه المقابلات مع بعض نخب المجتمع رأت هذه النخب أن التغيير يبدأ من الأسرة والمدرسة إلى جانب المجتمع الأهلي والجمعيات والأحزاب، حتى الإعلام له الدور الأكبر بترسيخ المواطنية عند الرأي العام. ولكن تعتبر هذه الآراء نظرية غير مطبقة على أرض الواقع لأنه دون القيام بالمبادرة والسعي لتحقيقها ستبقى أفكاراً وأحلاماً وردية في رؤوس مقترحيها. أحد الزعماء العلمانيين أوصى لأبناء عقيدته: "... اتضح أن التوصيات الدينية والحزبيات الملية هي بلاء لا بلاء بعده... يجب أن نكون عصبة واحدة لا تفرق بيننا أي فكرة محلها الآخرة ولا يتميز بيننا أحد إلا بمقدار ما يجاهد ويبذل لخير الجميع... على الشعب أن ينهض نهضة واحدة بعقيدة واحدة وإيمان واحد...".
هذه الكلمات ليست بشعارات بل هي الحل لنهضة الشعب اللبناني المتميز بتنوعه وتعايش أبناء شعبه. ويجب إكمال ما بدأه فؤاد شهاب ورجالات الاستقلال والمقاومة اللبنانية لنتخطى العصبية الطائفية نحو المواطنية. ولكن لأي مدى مسموح لهذا الشعب بأن يرتقي من المصلحة الفردية إلى مصلحة الجماعة؟؟؟
المصادر :
من کتاب الجذور التاريخية للمسألة الطائفية/ مسعود ضاهر ، معهد الإنماء العربي 1986
وکتاب الطائفية كلام آخر، فؤاد خليل/ دار الفارابي، بيروت2000