الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام

عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن
الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام
 الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام


عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن ناخور بن سود بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم (خليل الرحمن) بن تارح" وهو آزر" بن ناخور بن ساروخ بن ارعواء بن فالح بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (عليهم‌السلام) (١).
وكنيته : أبو الحسن ، وأبو تراب (٢).
دخل الكوفة في الثاني عشر من شهر رجب من 36 للهجرة (٣) ، بعد رجوعه من البصرة ، ونقل مركز الخلافة اليها ، فأصبح" أميرا للكوفة" إضافة إلى كونه" أمير المؤمنين وخليفة المسلمين".
لست أدري ماذا أكتب عن الإمام عليّ بن أبي طالب؟ وأنا الفقير العاجز ، وما قدري ومعياري تجاه هذه الشخصية العظيمة ، الّتي كتب عنها آلاف الكتّاب والعباقرة ، والفلاسفة ، مسلمين وغير مسلمين ، وطبعت آلاف بل ملايين الكتب والنشرات وبشتّى اللغات ، تضم في صفحاتها حياة ذلك الرجل العظيم ، ولا أغالي إذا قلت : لا تخلوا أيّة مكتبة من مكتبات العالم ، إلّا وفيها كتاب عنه ، أو ذكر له.
وقبل هؤلاء الكتّاب وغيرهم ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(٤).
وقال عزّ من قائل : (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(5).
هاتين الآيتين الشريفتين وغيرهما (6) من الآيات المباركة ، قد فسّرها أكثر المؤرخين بأنّها قد نزلت في حقّ عليّ بن أبي طالب.
وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ ، حينما آخى بين المهاجرين والأنصار : (وأنت أخي) (7).
وقال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا ، حين استخلفه على المدينة عند ذهابه إلى غزوة تبوك : (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي) (8).
وقال له أيضا : يا عليّ .." أنت منّي وأنا منك" (9).
وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في" غدير خم" : (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله) (10).
فلقيه الخليفة عمر بن الخطاب فقال له : (بخ (11) ، بخ لك يا ابن أبي طالب ، فلقد أصبحت مولاي ، ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة) (12).
وهذا الحديث أخرجه كثير من المؤرخين ، ومن العلماء أمثال : الترمذي (13) والنسائي (14) والإمام أحمد بن حنبل (15) ، كما رواه ستة عشر صحابيّا ، وذكره عدد من الشعراء ، كان أولهم حسّان بن ثابت (16) :
يناديهم ، يوم الغدير ، نبيهم / بخم ، واسمع بالنبيّ مناديا
وقال : فمن مولاكم ووليكم / فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاليا
إلهك مولانا ، وأنت نبينا / ومالك منّا بالوصاية عاصيا
فقال له / قم يا عليّ ، فإننّي / رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه / فكونوا له أنصار صدق مواليا
وقال بولص سلامة (17) :
يا إلاهي من كنت مولاه حقا / فعليّ مولاه غير نكير
يا إلاهي وال الّذين يوالون / ابن عمّي وانصر حليف نصيري
كن عدوّا لمن يعاديه واخذل / كلّ نكس وخاذل شرير
قالها آخذا بضبع (18) عليّ / رافعا ساعد الإمام الهصور
حيدر زوج فاطم وأبو السبطين / الرمح يوم طعن النحور
وعن أبي هريرة أنّه قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو في محفل من أصحابه :
(إن تنظروا إلى آدم في علمه ، ونوح في همّه ، وإبراهيم في خلقه ، وموسى في مناجاته ، وعيسى في سنّه ، ومحمّد في هديه وعلمه ، فانظروا إلى هذا المقبل) فتطاول الناس بأعناقهم ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب) (19).
وقال الوالد الشيخ عبد الحسين الشيخ سلمان آل خليفه" رحمه‌الله" بحقّ عليّ : (20) :
لعالم الكون ربّ الكون صوره / كالروح للجسم أو كالنور للبصر
سرّ الخفيات كشّاف غوامضها / أعجوبة الدهر لا بل حيرة الحير
فلتخسأ الحكما عن حدّ مبدئه / من ذا يحدّد سرّ الله للبشر؟
حقيقة الغيب لم تدرك حقيقته / يجل عن حده أو رسمه الخطر
ولتقصر الشعراء عن وصفه مدحا / ولتعترف كلّها بالعجز والخور
ماذا تفوه به مدحا ومادحه / ربّ البرّية بالآيات والسور
الله عظّمه قدرا وشرّفه / على البرّية من بدو ومن حضر
ولادته : ولد الإمام عليّ عليه‌السلام في داخل الكعبة المشرفة ، ولم يولد قبله ولا بعده سواه ، وفي ذلك أيضا قال الوالد" رحمه‌الله" :
وذا عليّ ببيت الله مولده / أمّ القرى قد تردّت هيكل البشر
بوركت يا حرم الباري بمولده / وحزت أقصى مقام العزّ والظفر
أبوه : وأبوه" أبو طالب (21) " سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكّة ، وهو الّذي آوى محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكفّله ، وربّاه ، وتحمّل الأذى في سبيله ، وخاصّة تلك المقاطعة الّتي فرضتها قريش على آل أبي طالب ، والّتي حدثنا التاريخ عن بشاعتها ومأساتها ذلك هو" شعب أبي طالب" (22).
وعند ما شعر أبو طالب بقرب أجله ، أوصى قريشا وصيته المشهورة ، نقتطف منها :
(يا معشر قريش ، أوصيكم بتعظيم هذا البيت ، فإنّ فيه مرضاة الربّ ، وقوام العيش ألا وإنّي أوصيكم بمحمّد خيرا ، فإنّه الأمين في قريش ، والصادق في العرب ، وهو الجامع لكلّ ما أوصيكم به) (23).
ثمّ التفت إلى بني هاشم وقال : (وأنتم معاشر بني هاشم ، أجيبوا محمّدا ، وصدّقوه تفلحوا وترشدوا). ثمّ قال أبو طالب معبرا عن حبّه لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (24) :
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب / لدينا ، ولا يعني بقول إلّا باطل
حليم رشيد عادل غير طائش / يوالي إلاها ، ليس عنه بغافل
وأبيض ، يستسقي الغمام بوجهه / شمال اليتامى عصمة للأرامل
جدّه : وأما جدّه ، فعبد المطلب ، واسمه الحقيقي" شيبة" ولكثرة محامده سماه العرب : " شيبة الحمد" ووصفوه بأنّه ذلك الرجل الّذي يطعم الناس في السهل ، والوحوش في الجبال ، وهو الّذي هداه الله إلى مكان بئر زمزم ، فحفرها ، وتفجّرت منها المياه (25).
وعبد المطلب : هو الّذي قال كلمته المشهورة لأبرهة الحبشي حينما جاء ليهدم الكعبة : (أمّا إبلي فهي لي ، وأما البيت فله ربّ يحميه) (26).
أمّه : وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وهي الّتي أسمته" حيدرة" (27) وكانت أول هاشمية تزوجها هاشمي (28). وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّها كثيرا ، ويناديها : (أمّي) أو (يا أمّاه) ، ولمّا ماتت ، كفّنها بقميصه ، ونام في قبرها (29) ، فقال له أصحابه : (إنّا ما رأيناك يا رسول الله صنعت بأحد مثل ما صنعت بها؟) فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إنّه لم يكن أحد" بعد أبي طالب" أبرّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة ، واضطجعت معها ، ليهون عليها ضغطة القبر) (30).
زوجته : وأما زوجته ، فهي فاطمة الزهراء" البتول" بنت نبيّ الرحمة محمّد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّتي قال فيها أبوها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني) (31).
وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها أيضا : (فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة) (32).
وعن عائشة" أمّ المؤمنين" أنّها قالت : دعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابنته فاطمة في مرضه الّذي مات فيه ، فهمس في أذنها" فبكت". ثمّ همس في أذنها مرّة ثانية" فضحكت" ثمّ سألتها فيما بعد عن ذلك ، فقالت : سارّني النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرني أنّه يقبض في مرضه هذا فبكيت ، ثمّ سارّني مرّة أخرى فأخبرني بأنّي أوّل اللّاحقين به من أهل بيته فضحكت (33).
وهناك الكثير من الأحاديث النبويّة الشريفة الّتي قيلت بحقّ فاطمة عليها‌السلام.
ولداه : وولداه من فاطمة عليه‌السلام هما : الحسن والحسين عليهما‌السلام ، اللّذان قال فيهما جدّهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (الحسن والحسين ، سيدا شباب أهل الجنّة) (34).
وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا) (35). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هذان ابناي ، وابنا ابنتي ، اللهم إنّي أحبّهما ، وأحبّ من يحبّهما) (36). وهناك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة في ولديه الحسن والحسين" عليهما‌السلام" ولكنّني أكتفي بهذا القدر.
نشأته : ولمّا بلغ" عليه‌السلام" من العمر أربع سنوات ، أخذه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليعيش معه ومع خديجة الكبرى في دار واحدة. وعند ما جاء" الوحي" كانت خديجة أوّل المسلمات وكان عليّ عليه‌السلام أوّل المسلمين ، ومن ذلك الوقت ، أصبح عليه‌السلام ملازما للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يفارقه ، يصلّي معه ، ويصغي إليه ، وكم من آية وآيات كان عليه‌السلام أوّل من يسمعها ويعيها. وإذا صعب عليه فهم بعضها ، سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنها ، حتّى قال عليه‌السلام : (سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ما شئتم ، فو الله ما من آية من آياته ، إلّا وأنا أعلم أين نزلت ، ومتى نزلت ، وفيمن نزلت ، أفي ليل أمّ نهار) (37).
وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أقضاكم عليّ) (38).
وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها) (39).
وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ : (أنت منّي ، وأنا منك) (40).
وهكذا كان الإمام عليّ عليه‌السلام في كافّة العلوم ، ففي علم الفقه ، كان الخليفة عمر بن الخطاب يرجع إليه في كثير من المسائل الّتي أشكلت عليه ، وعلى غيره من الصحابة ومن أقوال عمر المأثورة : (لو لا عليّ لهلك عمر) (41).
وقال : (لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن) (42).
وثالثة : (لا يفتين أحد في المسجد وعليّ حاضر) (43).
ورابعة : (عليّ أقضانا) (44).
وأمّا فصاحته : فهو إمام الفصحاء ، وسيّد البلغاء ، وكلامه دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوق ، وكتابه نهج البلاغة خير دليل.
وأما علم النحو والعربية : فهو الّذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى قواعده على أبي الأسود الدؤلي (45).
وأمّا عبادته : فكان" عليه‌السلام" يأنس باللّيل إذا سجى ، لأنّه يتفرّغ لعبادة الله سبحانه وتعالى ، قال ضرار (46) يصف عليّا في مجلس معاوية : (كان والله ، بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان والله ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبأنا إذا استنبأناه ، ونحن مع تقريبه إيّانا ، وقربنا منه ، لا نكاد نكلّمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى اللّيل سدوله وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غري غيري ، أأليّ تعرضت؟ أمّ إليّ تشوّقت؟
هيهات .. هيهات ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وخطرك حقير ، آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق) (47).
فبكى معاوية ، وقال : رحم الله أبا الحسن فلقد كان كذلك. فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال : (حزن من ذبح واحدها في حجرها) (48).
وأما شجاعته وحروبه : فقد اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء ، وفاقت شجاعته كلّ ما يتصوّره الإنسان ، ومبيته عليه‌السلام على فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الهجرة ، كانت منتهى الشجاعة والتضحية ، حيث أجمعت قبائل قريش على قتل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانتخبت فارسا من كلّ قبيلة لكيلا يتمكّن بنو هاشم من المطالبة بدمه (49).
ولقد شارك" عليه‌السلام" مع النبيّ في جميع حروبه مع المشركين ، ما عدا غزوة تبوك ، فقد استخلفه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة ، ولمّا استفسر من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سبب إبقائه في المدينة قال الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي) (50).
وفي حرب الخندق : جاء المشركون إلى المدينة فحاصروها ، وتقدّم قائدهم" عمرو بن ودّ العامري" فعبر الخندق ، ونادى : هل من مبارز؟ فلم يجبه أحد ثمّ نادى : ثانية وثالثة ، فكان في كلّ مرّة يقوم إليه الإمام عليّ عليه‌السلام ولكنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجلسه.
وأخيرا قام الإمام عليه عليه‌السلام ، وتقدّم نحو القائد المنادي ، عندها قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (برز الإيمان كلّه على الشرك كلّه). وبعد لحظات من المبارزة كبّر الإمام عليّ عليه‌السلام وما انجلت الغبرة ، إلّا وكان عمرو بن ودّ مجندلا على الأرض.
وجاءت أخت عمرو ، فشاهدت أخاها قتيلا ، لم يسلب (51) منه أي شيء ، فسألت عن قاتل أخيها ، فقيل لها : إنه عليّ بن أبي طالب ، عندها قالت (52) :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله / بكيته ما أقام الروح في الجسد
لكن قاتله من كان لا نظير له
وكان يدعى أبوه" بيضة البلد"
ثمّ جاءت حرب خيبر ، وأمام حصنها المنيع عادت" أوّل يوم" كتيبة قوّية وكان يقودها أبو بكر الصدّيق ، ثمّ وفي اليوم الثاني ، رجعت كتيبة أخرى ، كان يقودها عمر بن الخطاب ، عندها غضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : (لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه) (53).
وفي الصباح ، نادى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أين عليّ؟ وجيء بعليّ وهو أرمد ، فوضع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ريقه الشريف على عينيّ الإمام عليه‌السلام فشفيتا في الحال ، ثمّ أعطاه الراية قائلا : (خذ هذه الراية ، فامضي بها حتّى يفتح الله عليك) (54).
فأخذ الإمام عليّ عليه‌السلام الراية ، وتقدّم نحو الحصن مهرولا وهو يقول (55) :
أنا عليّ بن أبي طالب / أنا الّذي سمتني أمي حيدره
وما هي إلّا لحظات ، حتّى سمع القوم عليّا يصيح : الله أكبر ، الله أكبر.
وباب الحصن بين يديه (56).
وقال أبو رافع" مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم" وكان ضمن كتيبة الإمام عليّ عليه‌السلام : (لقد هممت أنا وسبعة معي أن نحرك هذا الباب من مكانه على الأرض فما استطعنا) (57).
وفي ذلك قال ابن أبي الحديد في قصيدته العينية (58) :
يا قالع الباب الّذي عن هزها / عجزت أكفا أربعون وأربع
ثمّ جاءت حرب الجمل والنهروان ، وأخيرا حرب صفّين ، الّتي قتل فيها آلاف المسلمين ومن الصحابة الأجلاء" البدريين وغيرهم" مما تتفتت له الأكباد ، ويقطر القلب دما .
وهكذا كانت حياة الإمام عليّ عليه‌السلام إلى أن خضّبت لحيته بدمه ، وهو قائم يصلّي في المحراب ، ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، صبيحة التاسع عشر من شهر رمضان من سنة40 للهجرة ، ولكن لم تنته أخلاقه وسمعته وزوّاره ومحبيه وستبقى ذكراه إلى أن تقوم الساعة.
ولقد أجاد الشاعر (59) حيث قال مخاطبا معاوية على قبره بقصيدة طويلة نقتطف منها (60) :
أين القصور أبا يزيد ولهوها / والصافنات وزهوها والسؤدد
هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه / لأسال مدمعك المصير الأسود
كتل من الترب المهين بخربة / سكر الذباب بها فراح يعربد
ومنها :
قم وارمق النجف الشريف بنظرة / يرتدّ طرفك وهو باك أربد (61)
تلك العظام أعزّ ربّك قدرها / فتكاد لو لا خوف ربّك تعبد
فسلام عليك يا أمير المؤمنين ، يوم ولدت في الكعبة ، ويوم قتلت في محراب صلاتك بالكوفة ، ويوم تبعث حيّا.
المصادر :
1- المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٢ / ٢٦٥" عند ذكر نسب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم".
2- أبو تراب : وقد كناه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. البخاري. ج ٥ / ٢٣ والعسقلاني ـ نزهة الألباب. ج ٢ / ٢٥٣.
3- تاريخ ابن خياط. ج ١ / ٢٠١ وابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٢ / ٣٤٧ والمسعودي ـ المروج. ج ٢ / ٢٦٥ وتاريخ اليعقوبي. ج ٢ / ١٦٠ ومحمّد مقديش ـ نزهة الأنظار. ج ١ / ١٩٧.
4- سورة الإنسان ـ الآية : ٩.
5- سورة المائدة ـ الآية : ٥٨.
6- ومنها آية التطهير : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). سورة الأحزاب / ٣٣.
7- المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٥ / ٢٤٢ وخالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ ص ٦٠.
8- صحيح البخاري. ج ٦ / ٣ والمسعودي ـ مروج الذهب. ج ٣ / ١٤ وخالد محمّد خالد ـ رجال حول الرسول. ج ١ / ١٥٣.
9- صحيح البخاري. ج ٥ / ٢٢ وصحيح ابن ماجه ص ١٢ والخطيب البغدادي ـ تاريخ بغداد. ج ٨ / ٢٩٠ وابن حجر العسقلاني ـ الصواعق المحرقة ص ٢٥ والمسعودي ـ المروج. ج ٣ / ١٤.
10- صحيح الترمذي. ج ٢ / ٢٩٨ والخطيب البغدادي ـ تاريخ بغداد. ج ٨ / ٢٩٠ وصحيح ابن ماجه ص ١٢ والصواعق المحرقة. ابن حجر ص ٢٥ وباقر شريف القرشي ـ حياة الإمام الحسن بن عليّ. ج ١ / ١٠١.
11- بخ بخ : هنيئا هنيئا.
12- الخطيب البغدادي ـ تاريخ بغداد. ج ٨ / ٢٩٠ وجورج جرداق ـ الإمام عليّ / صوت العدالة الإنسانية. ص ٤٠.
13- صحيح الترمذي. ج ٢ / ٢٩٩.
14- خصائص النسائي. ص / ١٩.
15- مسند الإمام أحمد بن حنبل. ج ٤ / ٣٧٢.
16- باقر شريف القريشي ـ حياة الإمام الحسن بن عليّ. ج ١ / ١٠١.
17- بولص سلامة : مسيحي ، من أدباء لبنان./ بولص سلامة ـ عيد الغدير. ص ١١٠.
18- ضبع : العضد.
19- جورج جرداق ـ الإمام عليّ / صوت العدالة الإنسانية. ص ٤١.
20- حسين هادي القرشي ـ أضواء على سيرة العلامة الشيخ عبد الحسين آل خليفة ص ٢٥.
21- أبو طالب : واسمه" عبد مناف". ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ١١.
22- الشعب : وهو المكان الّذي حاصر به المشركون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآل أبي طالب وبني هاشم بعد إعلان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعوته.
23- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ. ص ٣٣ / ٣٠ / ٢٨.
24- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ. ص ٢٨ و٣٠ و٣٣ والرمهرمزي ـ أمثال الحديث. ص ١٠٨.
25- المصدران السابقان.
26- نفس المصدرين.
27- حيدرة : الأسد.
28- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١٦ / ١٣٧ وابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ١٣.
29- عبد العزيز سيد الأهل ـ أبو طالب. ص ١٠٢.
30- ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ١٤.
31- صحيح البخاري. ج ٥ / ٢٦ و٣٦.
32- المصدر السابق. ج ٥ / ٢٥ و٣٦.
33- نفس المصدر. ج ٥ / ٢٦.
34- ابن حجر ـ الصواعق المحرقة. ١٨٥.
35- صحيح البخاري. ج ٥ / ٣٣ وابن كثير ـ البداية والنهاية. ج ٨ / ٤١.
36- صحيح البخاري. ج ٥ / ٣٢.
37- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ. ص ٥٥.
38- ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ١٨.
39- جورج جرداق ـ صوت العدالة. ص ٧١.
40- صحيح البخاري. ج ٥ / ٢٢ وصحيح الترمذي. ج ٢ / ٢٩٩ ومسند الإمام أحمد بن حنبل. ج ١ / ١٠٨ وخصائص النسائي ص ١٩
41- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ ص ١٢٨.
42- ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ١٨.
43- نفس المصدر السابق.
44- السيوطي ـ تاريخ الخلفاء ص ١٩٤.
45- ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ٢٠.
46- ضرار : بن ضمرة الكناني.
47- المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٢ / ٤٢١ وخالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ. ص ٢٣٨.
48- أبو عليّ القالي ـ أمالي القالي. ج ٢ / ١٤٧.
49- المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٢ / ٢٧٩.
50- صحيح البخاري. ج ٥ / ٢٤ وخالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ. ص ١١٠.
51- لم يسلب : كان من عادة العرب أن تسلب من القتيل بعض حاجاته كالسيف أو الدرع ، انتقاصا منه.
52- ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة. ج ١ / ٢٠.
53- صحيح البخاري. ج ٤ / ٧٣.
54- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ ص ١٠٠.
55- ابن عنبه ـ عمدة الطالب. ص ٥٩.
56- خالد محمّد خالد ـ في رحاب عليّ ص ١٠١.
57- نفس المصدر السابق.
58- نفس المصدر السابق ، وابن أبي الحديد ـ القصائد السبع العلويات. ص ٤٣.
59- الشاعر : هو محمّد مجذوب من طرسوس بسوريا ، ألقيت قصيدته في النجف الأشرف سنة ١٣٦٧ للهجرة.
60- باقر القرشي ـ حياة الإمام الحسن بن عليّ. ج ٢ / ٣٤٧.
61- أربد : أسود
 
ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Thursday, February 8, 2018
الوقت المقدر للدراسة:
مؤلف: علی اکبر مظاهری
المزيد من العناصر