بشر بن مروان


هو بشر بن مروان بن الحكم بن العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. وكنيته : أبو مروان الأموي القرشيّ. (1) ولّاه أخوه عبد الملك إمارة الكوفة سنة (٧٢) للهجرة وذلك بعد عزل أميرها السابق (قطن بن عبد الله الحارثي) (2).
وقد خطب عبد الملك بن مروان في أهل الكوفة عند ما ولّى أخاه (بشر) إمارة الكوفة وقال : (... استعملت عليكم بشر بن مروان ، وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة والشدّة على أهل المعصية فاسمعوا له وأطيعوا) (3). وقال الشاعر في بشر بن مروان : (4)
قد استوى بشر على العراق / من غير سيف ودم مهراق
وعند ما رجع عبد الملك بن مروان من الكوفة إلى الشام ، أبقى جماعة من أهل الرأي والمشورة (من أهل الشام) مع بشر في الكوفة ، منهم : (روح ابن زنباع الجذاميّ) وكان بشر بن مروان : أديبا ، ظريفا ، يحب الشعر والسمر ، والسماع والمعاقرة ، وقد تضايق بشر من روح بن زنباع ، فشكى أمره إلى بعض ندمائه ، فقال له أحدهم : سأعمد إلى حيلة تنجيك منه ، فتمكن هذا من الذهاب (خفية) إلى دار روح بن زنباع ، وكتب على حائط غرفته الأبيات التالية : (5)
يا روح من لبنيات وأرملة / إذا نعاك لأهل المغرب الداعي
إنّ ابن مروان قد حانت منيته / فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع
ولا يغرّنك إبكار منعمة / واسمع هديت مقال الناصح الداعي
وحينما جاء روح بن زنباع ، ودخل غرفته ، وقرأ تلك الأبيات ، فخاف كثيرا ، وقال : لا مقام لي في العراق بعد اليوم ، فذهب إلى بشر بن مروان ، وطلب منه السماح له بالذهاب إلى دمشق لمواجهة عبد الملك. ولمّا وصل روح إلى دمشق ودخل على عبد الملك فتعجب منه وقال له : ما سبب مجيئك يا روح؟ ألأمر كرهته؟ أم أنّ حادث حدث لبشر؟ فقال روح : لا هذا ولا ذاك ، وإنّما لأمر أدهى وأعظم ، ثمّ أخبره بقصته. وأنشده الأبيات.
فضحك عبد الملك كثيرا وقال لروح : لقد ثقلت على بشر وأصحابه حتّى احتالوا عليك بما رأيت فلا تخف.
وكان بشر بن مروان ، إذا صلى العصر ، خلا بنفسه في غرفة من غرف القصر فيأخذ من الشراب ما لذّ منه وطاب ، وليس معه سوى خادمه (أعين). فأخذت (هند) (هند : هي بنت أسماء بن خارجة الفزاري ، تزوجت من عبيد الله بن زياد ، وكانت تحبه حبا كبيرا ولمّا مات جزعت عليه حتّى قالت يوما : لإني لأشتاق إلى القيامة لأرى وجه عبيد الله بن زياد ، ثمّ تزوجها بعده بشر بن مروان ، فولدت له (عبد الملك) ثمّ مات بشر وتزوجها الحجّاج بن يوسف الثقفيّ ثمّ طلقها.) تتجسس عليه حتّى عرفت خبره ، فبعثت خادم لها ، فاشترى لها أطيب الشراب وأرقه وأصفاه ، وهيئأت طعاما شهيا (علمت بأن بشر يشتهيه) ثمّ أرسلت إلى أخويها (مالك وعيينة) وأرسلت إلى بشر بن مروان ، فقدمت له كلّ ما أعدته ، فأكل وشرب وكان (مالك) يسقيه و (عيينه) يحدثه و (هند) تنظر إليه ، فلم يزل في ذلك حتّى المساء.
فقال بشر : هل عندكم من هذا شيء نعود إليه غدا؟ فقالت هند : هذا دائم لك متى ترغب. وبقي معها بشر حتّى مات ، فلم تجزع عليه هند ولم تحزن ، فقال الفرزدق في ذلك : (6)
فإن تك لا هند بكته فقد بكت / عليه الثريا في كواكبها الزهر
وجاء الأخطل إلى الكوفة ليمتدح بشر بن مروان فدعاه سعيد بن بيان التغلبي (7) إلى منزله فقدم له الطعام والشراب وزاد في إكرامه وتقديره ، فلمّا شرب الأخطل أخذ ينظر إلى وجه (برّه) (8) وجمالها وإلى وجه سعيد وقبحه وقال له سعيد : أنت تدخل في بيوت الخلفاء والملوك والأمراء ، فما هي منزلتنا من منزلتهم؟ فقال الأخطل : ما لبيتك عيب غيرك ، فقال سعيد : أنا والله أحمق منك يا نصراني حين دعوتك إلى منزلي ثمّ طرده وخرج الأخطل وهو يقول : (9)
وكيف يداويني الطبيب من الجوى / وبرّة عند الأعور ابن بيان
فهلا زجرت الطير إذا جاء خاطبا / بضيقة بين النجم والدّبران
وقيل : كان فتى من بني عجل (مع المهلّب بن أبي صفره في حربه مع الأزارقه) وكان عاشقا لأبنة عمّه ، فكتبت إليه ابنة عمّه تطلب زيارته ، فكتب اليها : (فعن الشعبي أنه قال : إذا ترك الرجل مركزه الحربي ، أو أخلّ أو تخلف عن الالتحاق بالمركز الحربي ، كانت عقوبته أيّام عمر وعثمان وعليّ هي : نزع عمامته ، والتشهير به أمام الناس ، ولمّا جاء مصعب بن الزبير قال : (ما هذا بشيء) وأضاف إلى تلك العقوبة حلق الرأس واللحية ، ولمّا جاء بشر بن مروان ، كان يعلق الرجل على الحائط ، وتدق يداه بالمسامير إلى أن يموت ، أو أن يخرق المسمار كفه فيسلم ، وعند ما جاء الحجّاج كانت عقوبته القتل لكل من يتخلف ، أو أن يعصى له أمرا.)
لو لا مخافة بشر أو عقوبته / أو أن يشدّ على كفي مسمار (10)
إذن لعطلت ثغري (11) ثمّ زرتكم / إنّ المحبّ إذا ما اشتاق زوار
فأجابته ابنة عمّه :
ليس المحبّ الّذي يخشى العقاب ولو / كانت عقوبته في فجوة النار
بل المحبّ الّذي لا شيء يفزعه / أو يستقرّ ومن يهواه في الدار
ولمّا قرأ ابن عمّها الكتاب ترك (ثغره) وذهب اليها وهو يقول : (12)
أستغفر الله إذ خفت الأمير ولم / أخشى الّذي أنا منه غير منتصر
فشأن بشر بلحمي فليعذبه / أو يعف عفو أمير خير مقتدر
فما أبالي إذا أمسيت راضية / يا هند ما نيل من شعري ومن بشري
ثم ذهب الشاب إلى البصرة ، ولمّا رآه الواشون ، ذهبوا إلى بشر بن مروان وأخبروه بهروبه ، فأمر بشر بإحضاره ، ولمّا جيء بالشاب ، قال له بشر : يا فاسق ، تركت ثغرك!! هاتوا الكرسي. فقال الشاب : أعزّ الله الأمير ، إنّ لي عذرا ، فأنشده الأبيات المارة الذكر ، فقبل عذره ورقّ قلبه له ، وكتب إلى المهلّب بن أبي صفرة بإعفائه (13) ، وقيل أعطاه بشر عشرة آلاف درهم ،وقال له : إلحق بابنة عمّك. (14)
وقيل إنّ بشر بن مروان لمّا ولّاه أخوه إمارة العراقين ، كتب إليه يقول : (أما بعد يا أمير المؤمنين ، فإنّك قد شغلت إحدى يدي ، وهي اليسرى ، وبقيت يدي اليمنى فارغة لا شيء فيها). فكتب إليه عبد الملك قائلا : (فإنّ أمير المؤمنين ، قد شغل يمينك بمكة والمدينة والحجاز واليمن). وحينما وصل الكتاب إلى بشر ، أصيبت يمينه بالقرحة ، فاقترح عليه الأطباء بقطعها ، ثمّ أخذت القرحة تسير حتّى وصلت إلى كتفه ، عندها كتب إلى أخيه عبد الملك يقول : (أما بعد يا أمير المؤمنين ، فإني كتبت اليك وأنا في أوّل يوم من أيّام الآخرة ، وآخر يوم من أيّام الدنيا) ، ثمّ ختم رسالته بهذه الأبيات : (15)
شكوت إلى الله الّذي أصابني / من الضرّ ما لم أجد لي مداويا
فؤاد ضعيف مستكين لما به / وعظم بدا خلو من الهمّ عاريا
فإن متّ يا خير البرية فالتمس / أخا لك يغني عنك مثل غنائيا
يواسيك في السراء والضرّ جهده / إذا لم تجد عند البلاء مواسيا
وقيل دخل الحسن البصري على بشر بن مروان (أمير البصرة) وكان بشرا جالسا على سرير عليه فراش وثير ، كاد أن يغوص فيه ، ورجل واقف عند رأسه يحمل سيفه ، فقال له بشر : من أنت؟ فقال : (أنا الفقيه ، حسن البصري) فقال له بشر : إجلس. ثمّ سأله بشر : ماذا تقول في زكاة أموالنا؟ أندفعها إلى السلطان ، أم إلى الفقراء؟ فقال الحسن البصري : (أيّهما فعلت ، أجزأ عنك). فتبسم بشر وقال : (لشيء ما يسود من يسود). وعند العشاء ، ذهب الحسن البصري إلى بشر بن مروان مرّة ثانية ، فرآه قد نزل عن سريره وهو يتململ وحوله الأطباء ، وعند ما أصبح الصباح ، وإذا بالناعية تنعاه. ووقف الفرزدق على قبره يرثيه ، فما بقي أحد إلا وبكى وحزن عليه ، وحزن عليه أخوه عبد الملك حزنا عظيما ، وطلب من الشعراء أن يرثوه ، فقال الفرزدق :
أعينيّ إلّا تسعداني ألمكما / فما بعد بشر من عزاء ولا صبر
ألم تر أن الأرض دكت جبالها / وأنّ نجوم اللّيل بعدك لا تسري
فإن لا تكن هند بكته فقد بكت / عليه الثريا في كواكبها الزهر
مات بشر بن مروان في البصرة سنة (٧٣) للهجرة وقيل (٧٤) وقيل (٧٥) وهو أوّل أمير مات بالبصرة.
المصادر :
1- ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٥ / ٢١٣.
2- تاريخ الطبري. ج ٦ / ١٦٤. والذهبي ـ سيرة أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٤٥.
3- ابن الجوزي ـ المنتظم. ج ٦ / ١١٢.
4- ابن العماد ـ الشذرات. ج ١ / ٧٩. وصالح خريسات ـ تهذيب تاريخ الطبري. ص ٤٠٠.
5- ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٥ / ٢١٥.
6- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ٢٠ / ٣٦٥ /.
7- سعيد بن بيان : سيّد بني تغلب ورئيسها.
8- برّة : زوجة سعيد بن بيان ، وكانت من أجمل النساء.
9- ابن قتيبة ـ عيون الأخبار. ج ٤ / ٣٤.
10- ابن الأثير ـ الكامل. ج ٤ / ٣٨٠. وابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٢ / ٢١٤.
11- الثغر : المركز الحربي ، أو جهة الحرب ، وتقابلها الآن : المعسكر.
12- ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٥ / ٢١٤.
13- أبو عليّ القالي ـ الأمالي. ج ٢ / ٣٠.
14- ابن منظور ـ مختصر تاريخ دمشق. ج ٥ / ٢١٣.
15- المصدر السابق. ج ٥ / ٢١٦.