مصعب بن الزبير


هو : مصعب ببن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب القريشيّ ، الأسديّ. وكنيته : أبو عبد الله وقيل أبو عيسى. (1)
دخل مصعب بن الزبير إلى الكوفة سنة (٦٧) للهجرة ، وذلك بعد قتل المختار بن عبيد الثقفيّ. (2)
نشأ مصعب عند أخيه عبد الله بن الزبير ، فكان عضده القوي لتثبيت ملكه في الحجاز والعراق (3). وكان مصعب بن الزبير شجاعا ، جميلا ، وسيما ، سفّاكا للدماء ، كان يحسد على جماله ، وقيل : ما رؤي أميرا قط أحسن من مصعب ، وكان يلقب ب (آنية النحل) وذلك لكثرة سخائه وعطاءه ، وفيه قال عبيد الله بن قيس الرقيات : (4)
إنّما مصعب شهاب من الله / تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك عزّة ليس فيها / جبروت يخشى ولا كبرياء
يتّقي الله في الأمور وقد / أفلح من كان همّه الاتقاء
وكان عبد الله بن الزبير ، قد أرسل ابنه (حمزة) أميرا على البصرة سنة (٦٨) (5) للهجرة ، وكان حمزة ضعيف الشخصية ، فاستضعفه أهل البصرة ، فعندها عزله أبوه وعيّن مكانه أخاه (مصعب) ، ولمّا وصل مصعب إلى البصرة ، خطب فيهم وقال : (يا أهل البصرة ، بلغني عنكم بأنّه لا يأتيكم أمير إلا ولقبتموه ، وإنّي ألقب نفسي (أنا الجزار) أو قال : (أنا القصاب». (6)
وفي سنة (٦٧) للهجرة ، أمر عبد الله بن الزبير أخاه (مصعب) بالتوجّه إلى الكوفة لمحاربة المختار بن عبيد الثقفيّ ، ولمّا وصل مصعب إلى الكوفة ، حاصر المختار في قصر الإمارة ، ثمّ قتله وقتل جميع من كان معه ، وقتل زوجته (ابنة النعمان بن بشير الأنصاريّ) ، وفي قتلها قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت : (7)
أتى راكب بالأمر ذي النبأ العجب / بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب
بقتل فتاة ذات دلّ ستيرة / مهذّبة الأخلاق والخيم والنسب
أتاني بأن الملحدين توافقوا / على قتلها لا جبنّوا القتل والسلب
فلا هنأت آل الزبير معيشة / وذاقوا لباس الذلّ والخوف والحرب
إلى أن قال :
عجبت لها إذ كفّنت وهي حيّة / إلّا أنّ هذا الخطب من أعجب العجب
وقيل : بعد ما قتل المختار ، بقي معزولا عن البصرة ، عزله أخوه عبد الله ابن الزبير وولّى أبنه (حمزّه) ثمّ ذهب مصعب إلى (مكّة) فأعاده أخوه إلى إمارة البصرة. ولمّا قتل المختار في الكوفة ، رجع مصعب إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة ، الحارث بن أبي ربيعة (8) (القباع).
وفي سنة (٧١) للهجرة ، ذهب مصعب إلى مكّة لاداء فريضة الحج ، ومعه وجوه وزعماء أهل الكوفة ، فدخل على أخيه (عبد الله) فقال له : (يا أمير المؤمنين ، قد جئتك بزعماء أهل العراق ، ووجهائهم). فقال عبد الله : (جئتني بعبيد أهل العراق؟ لا أعطهم مال الله ، ووددت والله أنّ لي بكلّ عشرة منهم رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم). (9)
فخرج مصعب ، ومن معه من أهل العراق ثائرين ، غاضبين على عبد الله بن الزبير لأنّه حرمهم عمّا كانوا يأملون ، ثمّ فسدت قلوبهم ، وتغيّرت اتجاهاتهم ، فكتبوا سرّا إلى عبد الملك بن مروان ، للتخلّص من مصعب بن الزبير. (10)
ولمّا استقرّت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام ، قرّر المجيء إلى العراق لمحاربة مصعب بن الزبير ، فقال له الحجّاج بن يوسف الثقفيّ : (سلطني يا أمير المؤمنين على أهل الشام ، والله لأخرجنهم معك جميعا). (11)
فأخذ الحجّاج يحرق دار كلّ رجل يتخلّف عن اللّحاق بجيش عبد الملك بن مروان ، فلمّا رآى أهل الشام ذلك خرجوا جميعا ، فسار بهم عبد الملك حتّى قرب من العراق ، وجاء مصعب بجيش أيضا حتّى التقى الجيشان في (مسكن) (12). وكان عبد الملك ، قد كاتب وجوه أهل العراق ، بأنه سيولّيهم المناصب ، ويغرق عليهم الأموال الطائلة ، إن هم خذلوا مصعب بن الزبير في الحرب ، ولمّا التقا الجيشان ، هرب أصحاب مصعب إلى جانب جيش عبد الملك ولم يبق مع مصعب سوى نفر قلّة ، فأخذ يقاتل مقاتلة الأبطال ، يضرب بالسيف تارة ، ويطعن بالرمح تارة أخرى ، وهو يقول : (13)
وإنّي على المكروه عند حضوره / أكذّب نفسي والجفون له تنضي
وما ذاك من ذلّ ، ولكن حفيضة / أذبّ بها عند المكارم عن عرضي
وإنّي لأهل الشرّ بالشرّ مرصد / وإنّيّ لذي سلم أذلّ من الأرض
وقيل إنّ كافة الّذين كاتبوا عبد الملك من قادة أهل العراق قد أجابوه إلى طلبه ما عدا إبراهيم بن مالك الأشتر ، فإنّه ذهب إلى مصعب ، وأخبره بأن عبد الملك قد كتب إليه كتابا يعده بأمرة العراق إنّ هو ترك مصعبا ، وتخلّى عنه ، وأنه قد كتب كتبا مماثلة إلى فلان وفلان من وجوه أهل العراق ، وهي موجودة لديه ، ثمّ اقترح ابن الأشتر على مصعب ، أن يقتل أولئك الّذين كاتبهم عبد الملك ، فرفض مصعب وقال : (إذا تغضب عشائرهم). (14)
فقال إبراهيم : (فاسجنهم لحين انتهاء الحرب). فقال مصعب : (إنّي لفي شغل عن ذلك). وعند ما التقى الجيشان ، هرب أشراف العراق ، والتحقوا بعبد الملك ، وهرب عتاب بن ورقاء وخذلوا (مصعب).
وفي ذلك قال عبد الله بن قيس الرقيات : (15)
إنّ الرّزية يوم مسكن / والمصيبة والفجيعة
بابن الحواري الّذي / لم يعده يوم الوقيعة
غدرت به مضر العراق / وأمكنت منه ربيعة
تا الله لو كانت له / بالدير يوم الدير شيعة
لوجدتموه حين يحدر / لا يعرس بالمضيعة
وقيل إنّ مصعب بن الزبير ، لما رأى غدر أهل العراق ، قال لابنه (عيسى) اذهب إلى عمّك أمير المؤمنين ، واخبره بما فعل أهل العراق ، ودعني فإنّي مقتول لا محالة ، فقال له ابنه (عيسى) لا أخبر قريشا عنك أبدا ولكن اذهب أنت إلى البصرة فهم على الطاعة ، أو الحقّ بأمير المؤمنين. فقال له أبوه مصعب : (لا تتحدث قريش بأنني فررت لخذلان ربيعة ، وما السيف بعار ، وما الفرار لي بعادة ولا خلق). فقاتل عيسى مع أبيه حتّى قتل. (16)
وقيل إنّ عبد الملك بن مروان قد عرض الأمان لمصعب على أن يوليه إمارة العراقين طيلة حياته ، ومليوني درهم على أن لا يقاتل ، فرفض مصعب ، وكان عبد الملك ودودا لمصعب وصديقا له. (17)
وقيل إنّ مصعب بن الزبير سأل عروة بن المغيرة ، كيف قاتل الحسين ابن عليّ القوم ولم يستسلم فقال له متمثلا بقول سليمان بن قتة : (18)
إنّ الأولى بالطفّ من آل هاشم / تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا
فقال عروة : (عندها علمت أنّ مصعب لا يفرّ أبدا).
ثم قتل مصعب بن الزبير عند (دير الجاثليق) على شاطئ الفرات سنة (٧٢) للهجرة وعمره أربعون سنة ، وقيل (٤٥) سنة ، قتله عبيد الله بن زياد ابن ظبيان (ثأرا لأخيه). (18) وقيل قتله غلام لعبيد الله بن ظبيان ، ثمّ قطع رأسه وذهب به إلى عبد الملك بن مروان وهو يقول : (19)
نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا / وليس علينا قتلهم بمحرم
وقيل إنّ الّذي قتله هو زائدة بن قيس السعديّ ، وقيل الثقفيّ ، حيث طعنه بسهم وكان زائدة في جيش مصعب. (20)
وقيل قتل مصعب بن الزبير في يوم الخميس من شهر جمادي الآخر سنة (٧١) (٤) للهجرة ، وقيل قتل يوم الثلاثاء ، في الثالث عشر من شهر جمادي الأولى من سنة (٧٢) للهجرة ، وقيل قتل في شهر ذي القعدة من سنة (٧٢) (21) للهجرة. ثمّ استولى عبد الملك بن مروان على العراق ، فولّى أخاه (بشر بن مروان) وفيه قال الشاعر : (22)
قد استولى ابن بشر على العراق / من غير سيف ودم مهراق
وقال عبد الله بن قيس الرقيّات يرثي مصعبا : (23)
لقد أورث المصرين خزيا وذلّة / قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما قاتلت في الله بكر بن وائل / ولا صبرت عند اللقاء تميم
ولكنه رام القيام ولم يكن / لها مغري يوم ذاك كريم
وقيل : لما وضع رأس مصعب أمام عبد الملك قال : (متى تلد قريش مثلك!!) ، ثمّ قال أيضا : (هذا سيّد شباب قريش). وقيل لعبد الملك : (هل كان مصعب يشرب الخمر؟) ، فقال : (لو علم مصعب أنّ الماء يفسد مروءته ما شربه). (26)
ولمّا سمع عبد الله بن الزبير بمقتل أخيه مصعب ، خطب بالناس قائلا : (الحمد لله الّذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ، إنّه لن يذلّ من كان الحقّ معه وإن كان فردا ، ولن يعزّ من كان أولياء الشيطان حزبه ، وإن كان معه الأنام). وقال في خطبته أيضا : (ألا إنّ أهل العراق ، أهل الشقاق والنفاق ، باعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه ... أما والله ، لا نموت حتف أنوفنا ، كما يموت بنو مروان ، ولكن قعصا بالرماح ، وموتا تحت ضلال السيوف ... الخ). (27)
وقيل إنّ عبيد الله بن ظبيان ، لما قتل مصعب قال : (28)
إنّ عبيد الله ما دام سالما / لسار على رغم العدو وغادي
نحن قتلنا ابن الزبير ورأسه / حززناه برأس النابئ ابن زياد
المصادر :
1- الخطيب البغدادي ـ تاريخ بغداد. ج ١٣ / ١٠٥.
2- البراقي ـ تاريخ الكوفة. ص ٢٤٣.
3- الزركلي ـ الأعلام. ج؟ / ١٤٩.
4- ابن قتيبة ـ عيون الأخبار. ج ١ / ١٠٣. والذهبي ـ سير أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٤٢.
5- ابن العماد ـ شذرات الذهب. ج ١ / ٧٦.
6- تاريخ الطبري. ج ٦ / ٩٣. وابن عبد ربه الأندلسي ـ العقد الفريد. ج ٣ / ٤٣.
7- تاريخ اليعقوبي. ج ٢ / ١١. وتاريخ الطبري. ج ٦ / ١١٢.
8- تاريخ الطبري. ج ٦ / ١١٩ وابن الأثير. ج ٤ / ٢٧٩ و٢٨١.
9- ابن عبد ربه الأندلسي ـ العقد الفريد. ج ٢ / ٩٨.
10- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١٩ / ١٢٢.
11- ابن عبد ربه الأندلسي ـ العقد الفريد. ج ٤ / ٤١٠.
12- مسكن : اسم مكان على نهر دجيل ، قرب دير الجاثليق ، وفيه قبر مصعب بن الزبير.
13- الخطيب البغدادي ـ تاريخ بغداد. ج ١٣ / ١٠٧.
14- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١٩ / ١٢٤. والذهبي ـ سير أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٤٤.
15- المصدر السابق. ج ١٩ / ١٢٨. ونفس المصدر التالي.
16- أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١٩ / ١٢٥.
17- الزركلي ـ الأعلام. ج ٨ / ١٤٩.
18- الدينوري ـ الأخبار الطوال. ص ٣١١.
19- الذهبي ـ سير أعلام النبلاء. ج ٤ / ١٤٥.
20- ابن قتيبة ـ الإمامة والسياسة. ج ٢ / ٣٠. والمسعودي ـ مروج الذهب. ج ٣ / ١٠٨.
21- الزركلي ـ الأعلام. ج ٨ / ١٤٩.
22- محمّد مختار باشا ـ التوفيقات الإلهامية. ص ١٠٣.
23- تاريخ اليعقوبي. ج ٢ / ٢٦٥. وابن العماد ـ الشذرات. ج ١ / ٧٩. وصالح خريسات ـ تهذيب الطبري. ص ٤٠٠.
24- ابن العماد ـ شذرات الذهب. ج ١ / ٧٩.
25- ابن أعثم الكوفي ـ الفتوح. ج ٦ / ٢٦٨. وأبو الفرج الأصبهاني ـ الاغاني. ج ١٩ / ١٢٦. وابن العمري ـ مسالك الأبصار. ج ١ / ٣٠٨.
26- ابن عبد ربه الأندلسي ـ العقد الفريد. ج ٤ / ٤١١.
27- المصدر السابق. ج ٤ / ٤١٢.
28- قال عبد الله بن ظبيان لما قتل مصعب (عن قتلنا ابن الزبير وراسه) النذوات ج ١ / ٧٩ ، يلاحظ المسعودي ج ٣ / ١٠٨.