أودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان غريزة الشهوة نفعاً للعباد، إذ إنّه من خلال هذه الرغبة والغريزة يسعى الذكر والأنثى للزواج ومن ثَمَّ الإنجاب مساهمَيْن في ذلك باستمرار الوجود البشريّ على وجه الأرض، فلولا ما أودعه الله تعالى من الرغبة بين الذكر والأنثى لم نكن اليوم موجودين في هذه الحياة.
هذه الحكمة الّتي أرادها الله تعالى من خلق الغريزة لدى الإنسان، قد تنحرف لتذهب في جهة الإفراط أو التفريط، بينما أراد لها الله تعالى أن تكون نافعة دون إفراط أو تفريط.
كبت الشهوة
لقد ذهبت بعض الأديان الموجودة إلى قمع هذه الغريزة واعتبرتها أمراً ثانويّاً بحيث لو أمكن اجتنابُها عنها قدر الإمكان أو أمكن الاستغناء عنها بشكل كامل لكان ذلك أفضل، يقول "بولس" في أحد ردوده على أسئلة وردت إليه: "أمّا بشأن ما كتبتموه لي فخير للرجل أن لا يلمس المرأة، ولكن تجنباً من الزنا على كلّ رجل أن يحتفظ بزوجته... لذا أقول للعزّاب والنساء الأرامل من الخير لهم أن يبقوا مثلي"1 أي أعزبَ طوال العمر. ويعلّق أحد الفلاسفة الغربيّين "راسل" على ذلك قائلاً: إنّ بولس لم يُشر إلى مسألة الأولاد وكأنّه غاب عن نظره الهدف البيولوجيّ من الزواج، ويعقّب قائلاً: "لا يسعني القول إلّا أنّها إفرازات عقل مريض"2.
تحرير الشهوة
في المقابل ذهب بعض الفلاسفة إلى جهة النقيض، حيث حبَّذوا أن تُعطَى الحريّة الكاملة للإنسان في تلبية الغرائز لديه بدون أيّ رقابة أو منع حتّى لا يحصل هناك كبت أو أيّة عُقَد أخرى، بل اعتبرها بعضهم أمثال فرويد بأنّها أساس التمدّن والثقافة وجميع الأفكار الإنسانيّة، والتغيّرات الاجتماعيّة3.
الحلّ الوسط
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾4.
إنّ الدين الإسلاميّ العظيم الّذي وضعه الله تعالى ليوفّر السعادة للإنسان، تعاطى مع هذه الغريزة بالوسطيّة، حيث لم يذهب إلى كبتها كبتاً شديداً يولّد الإضرار بالفرد، ويخلق لديه ردّة فعل عكسيّة، كما حصل بعد انهيار الكنيسة في أوروبا، وكذلك لم يحرّر الإنسان من كلّ القيود، كما ذهب إلى ذلك فرويد وأتباعه، بل سلك المنهج الوسط، فدعا إلى تلبية ندائها من خلال الزواج الشرعيّ الّذي يُعتبر الإطار الطبيعيّ لتلبية الرغبات الإنسانيّة، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "النكاح من سنّتي، فمن رغب عنه فقد رغب عن سنّتي"5.
وعنه صلى الله عليه واله أيضاً: "ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله من التزويج"6. وقد أكّد الرسول الأكرم صلى الله عليه واله نبيّ الإسلام وخاتم الأنبياء عليهم السلام على الزواج وخاصّة جيل الشباب, لأنّه في هذا العمر أي عمر الشباب تكون الغريزة في أعلى مستوياتها، فالتحصين بالزواج الشرعيّ يعصم الشباب من الوقوع في الزلل ويمنعهم من سلوك دروب الانحراف، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإنّ الصوم له وجاء"7.
ما وراء الزواج
إنّ تهذيب النفس يبدأ بتهذيب الجوارح، وبالتالي الغرائز الّتي تقف من ورائها، وقد حصر الإسلام السبيل لإفراغ هذه الغريزة، عبر الحياة الزوجيّة بالشروط الشرعيّة، واعتبر كلّ علاقة أو عمل آخر من خارج هذا الإطار عملاً محرّماً يُعاقب الله تعالى عليه، ومن الأمور الّتي أكّد الإسلام على تحريمها:
أ- الزنا:
يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾8.
لقد شدّد الإسلام على حرمة الزنا، وهذا ما يتجلّى في الآية الكريمة الّتي أمرت أن يعاقب مرتكب هذه الفاحشة أمام الناس بالجلد، لكي يحصل الاعتبار وينتهي الناس عن هذه الرذيلة الّتي تُضيّع الأنساب وتزرع الفساد في المجتمعات، ففي الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام: "حُرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد"9.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إيّاكم والزنا فإنّ فيه ستّ خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللواتي في الدنيا، فيذهب بالبهاء ويقطع الرزق الحلال ويعجّل الفناء إلى النار، وأمّا اللواتي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النار"10.
كما أنّ الزنا من أكبر الكبائر كما ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾11، قال: "معصية ﴿وَمَقْتًا﴾ فإنّ الله يمقته ويبغضه، قال: ﴿وَسَاء سَبِيلاً﴾ هو أشدّ الناس عذاباً، والزنا من أكبر الكبائر"12.
ب- العلاقة بين المثليّين:
فقد ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي من عمل قوم لوط"13.
وقد أمر الله تعالى أن يُعاقب فاعل هذا العمل في الدنيا بعذاب شديد ففي الرواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لشخص أراد أن يُقيم عليه الحدّ: "يا هذا إنّ رسول الله صلى الله عليه واله حكم في مثلك بثلاثة أشياء فاختر أيّهنّ شئت، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار"14.
وفي رواية أنّ إحدى النساء سألت الإمام الصادق عليه السلام: أخبرني عن الّلواتي مع الّلواتي، ما حدّ ما هنّ فيه؟ قال عليه السلام: "حدّ الزانية، إذا كان يوم القيامة يؤتى بهنَّ قد أُلبسن مقطّعات من النار، وقُنّعن بمقانع من نار، وسُربلن من نار، وأُدخل في أجوافهنّ إلى رؤوسهنّ أعمدة من نار، وقُذف بهنَّ في النار، أيّتها المرأة! أوّل من عمل هذا العمل قوم لوط، فاستغنى الرجال بالرجال، وبقي النساء بغير رجال، ففعلن كما فعل رجالهنّ"15.
ج- الإشباع الذاتيّ:
أي أن يُشبع الإنسان رغبة الغريزة من دون العلاقة بالطرف الآخر وهو المسمّى بالاستمناء، وقد حرّم الإسلام هذا النوع من العمل بكلّ أشكاله وصوره، ففي الرواية أنّ الإمام الصادق عليه السلام سُئل، عن الخضخضة فقال: "إثمٌ عظيم قد نهى الله تعالى عنه في كتابه.... ولو علمت من يفعل ما أكلت معه، فقال السائل: فبيّن لي يا بن رسول الله، من كتاب الله نهيه"، فقال: قول الله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾16وهو ما وراء ذلك، فقال الرجل: أيّهما أكبر الزنا أو هي؟ قال: "ذنب عظيم. ثمّ قال للقائل: بعض الذنوب أهون من بعض، والذنوب كلّها عظيمة عند الله لأنّها معاص"17...
العلاج
لقد أرشدنا الأئمّة عليهم السلام إلى حلّ لمن لا يقدر على الزواج لكي يخفّف من الضغط الحاصل له إزاء فوران هذه الغريزة، وذلك من خلال نفي الأسباب الّتي تؤدّي إلى ثورانها وذلك ضِمْنَ عدّة أمور ذكرها الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق فقال: "... والاستعانة عليه بغضّ البصر، فإنّه من أعون الأعوان، وكثرة ذكر الموت، والتهدّد لنفسك بالله، والتخويف لها به، وبالله العصمة والتأييد، ولا حول ولا قوّة إلّا به"18.
فذكر الموت يزهّد الإنسان في الدنيا ويجعلها أمراً تافهاً في نظره، وأمّا التخويف فلأنّه يجعل في قلب الإنسان منبّهاً إلى العاقبة الّتي تنتظره لو اقترف الفعل الخاطىء، والدعاء إلى الله تعالى بأن يرفع الهمّ، فالاعتصام بالله تعالى وطلب العون منه يجعلان الإرادة لدى الإنسان السالك إلى الله تعالى إرادة حديديّة, لأنّ الله يعطيه بالدعاء توفيقاً خفيّاً وقوّة لم يشعر بها من قبل، وبذلك يعصم النفس الأمّارة من الانقياد وراء الشهوات بتوفيق الله تعالى وسعيه لطاعته.
حقيقة التوحيد
من مواعظ الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب "الأربعون حديثا":
يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهيّة تُستحقّ إِلاّ لذاته المقدّسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتّفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كلّ هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنّك ترى لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أنّ إرادتهم هي النافذة، وترى أنّ المال والقوّة هما الطاقة المؤثّرة والفاعلة؟ وأنّ ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحقّ تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهريّة، وتغفل عن المؤثّر الحقيقيّ وعن مسبّب جميع الأسباب؟ ومع كلّ ذلك تدّعي الإِيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع أصحاب اللسانَيْن.
وأنت يا من تدّعي الزهد والإِخلاص، إذا كنت مخلصاً حقّاً، وأنّك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم إنّك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟
فاعلم أنّ زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيّين، بل إنّ زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وإنّ قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وإنّك كاذب في دعواك، وإنّك من المتلوّنين المنافقين...
وأنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإِلهيّة، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، إذا كنتَ عالماً بالحقائق في الأسباب والمسبّبات، وإذا كنت حقّاً عالماً بالصور البرزخيّة وأحوال الجنّة والنار، فلا بُدّ من أن لا يقرّ لك قرار، وعليك أن تصرف كلّ وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يُطاق. إذاً، لماذا لا تتقدّم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثّر في قلبك البراهين الفلسفيّة قدر جناح ذبابة؟ إذاً، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للّذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه.
وأنت يا من تدّعي المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبّة والفناء، إذا كنت حقّاً من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئاً لك. ولكنّ كلّ هذه الشطحات وهذا التلوّن وتلك الادّعاءات اللّامسؤولة الّتي تكشف عن حبّ الذات ووسوسة الشيطان، تتعارض مع المحبّة والانجذاب "إنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لاَ يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي". فأنت إذا كنت من أولياء الله المنجذبين إليه ومحبّيه، فإنّ الله يعلم بذلك، فلا تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسعَ لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله. واعلم أنّ عباد الله أعزّاء وقلوبهم ثمينة ويجب أن تشتغل في محبّة الله، فلا تتلاعب إلى هذا الحدّ ببيت الله، ولا تتعرّض لحرماته "فَإنَّ لِلْبَيْتِ رَبّاً" فإذا لم تكن صادقاً في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن ذوي الوجهين.
المصادر :
1- الأفكار والميول، الأستاذ تقي فلسفي ج2، ص 169.
2- الأفكار والميول، الأستاذ تقي فلسفي, ج2، ص 169.
3- م. ن، ج2، ص175.
4- البقرة:143.
5- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص153.
6- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص153.
7- م. ن.
8- النور:2.
9- علل الشرائع، الشيخ الصدوق, ج2، ص479.
10- م. ن.
11- الإسراء:32.
12- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري, ج4، ص1160.
13- م. ن، ج4، ص2806.
14- جواهر الكلام، الشيخ الجواهري, ج41، ص376.
15- الكافي، الشيخ الكليني، ج5، ص552.
16- المؤمنون:7.
17- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص355.
18- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص157.
هذه الحكمة الّتي أرادها الله تعالى من خلق الغريزة لدى الإنسان، قد تنحرف لتذهب في جهة الإفراط أو التفريط، بينما أراد لها الله تعالى أن تكون نافعة دون إفراط أو تفريط.
كبت الشهوة
لقد ذهبت بعض الأديان الموجودة إلى قمع هذه الغريزة واعتبرتها أمراً ثانويّاً بحيث لو أمكن اجتنابُها عنها قدر الإمكان أو أمكن الاستغناء عنها بشكل كامل لكان ذلك أفضل، يقول "بولس" في أحد ردوده على أسئلة وردت إليه: "أمّا بشأن ما كتبتموه لي فخير للرجل أن لا يلمس المرأة، ولكن تجنباً من الزنا على كلّ رجل أن يحتفظ بزوجته... لذا أقول للعزّاب والنساء الأرامل من الخير لهم أن يبقوا مثلي"1 أي أعزبَ طوال العمر. ويعلّق أحد الفلاسفة الغربيّين "راسل" على ذلك قائلاً: إنّ بولس لم يُشر إلى مسألة الأولاد وكأنّه غاب عن نظره الهدف البيولوجيّ من الزواج، ويعقّب قائلاً: "لا يسعني القول إلّا أنّها إفرازات عقل مريض"2.
تحرير الشهوة
في المقابل ذهب بعض الفلاسفة إلى جهة النقيض، حيث حبَّذوا أن تُعطَى الحريّة الكاملة للإنسان في تلبية الغرائز لديه بدون أيّ رقابة أو منع حتّى لا يحصل هناك كبت أو أيّة عُقَد أخرى، بل اعتبرها بعضهم أمثال فرويد بأنّها أساس التمدّن والثقافة وجميع الأفكار الإنسانيّة، والتغيّرات الاجتماعيّة3.
الحلّ الوسط
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾4.
إنّ الدين الإسلاميّ العظيم الّذي وضعه الله تعالى ليوفّر السعادة للإنسان، تعاطى مع هذه الغريزة بالوسطيّة، حيث لم يذهب إلى كبتها كبتاً شديداً يولّد الإضرار بالفرد، ويخلق لديه ردّة فعل عكسيّة، كما حصل بعد انهيار الكنيسة في أوروبا، وكذلك لم يحرّر الإنسان من كلّ القيود، كما ذهب إلى ذلك فرويد وأتباعه، بل سلك المنهج الوسط، فدعا إلى تلبية ندائها من خلال الزواج الشرعيّ الّذي يُعتبر الإطار الطبيعيّ لتلبية الرغبات الإنسانيّة، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "النكاح من سنّتي، فمن رغب عنه فقد رغب عن سنّتي"5.
وعنه صلى الله عليه واله أيضاً: "ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله من التزويج"6. وقد أكّد الرسول الأكرم صلى الله عليه واله نبيّ الإسلام وخاتم الأنبياء عليهم السلام على الزواج وخاصّة جيل الشباب, لأنّه في هذا العمر أي عمر الشباب تكون الغريزة في أعلى مستوياتها، فالتحصين بالزواج الشرعيّ يعصم الشباب من الوقوع في الزلل ويمنعهم من سلوك دروب الانحراف، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإنّ الصوم له وجاء"7.
ما وراء الزواج
إنّ تهذيب النفس يبدأ بتهذيب الجوارح، وبالتالي الغرائز الّتي تقف من ورائها، وقد حصر الإسلام السبيل لإفراغ هذه الغريزة، عبر الحياة الزوجيّة بالشروط الشرعيّة، واعتبر كلّ علاقة أو عمل آخر من خارج هذا الإطار عملاً محرّماً يُعاقب الله تعالى عليه، ومن الأمور الّتي أكّد الإسلام على تحريمها:
أ- الزنا:
يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾8.
لقد شدّد الإسلام على حرمة الزنا، وهذا ما يتجلّى في الآية الكريمة الّتي أمرت أن يعاقب مرتكب هذه الفاحشة أمام الناس بالجلد، لكي يحصل الاعتبار وينتهي الناس عن هذه الرذيلة الّتي تُضيّع الأنساب وتزرع الفساد في المجتمعات، ففي الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام: "حُرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد"9.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إيّاكم والزنا فإنّ فيه ستّ خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللواتي في الدنيا، فيذهب بالبهاء ويقطع الرزق الحلال ويعجّل الفناء إلى النار، وأمّا اللواتي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمان والخلود في النار"10.
كما أنّ الزنا من أكبر الكبائر كما ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾11، قال: "معصية ﴿وَمَقْتًا﴾ فإنّ الله يمقته ويبغضه، قال: ﴿وَسَاء سَبِيلاً﴾ هو أشدّ الناس عذاباً، والزنا من أكبر الكبائر"12.
ب- العلاقة بين المثليّين:
فقد ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "إنّ أخوف ما أخاف على أمّتي من عمل قوم لوط"13.
وقد أمر الله تعالى أن يُعاقب فاعل هذا العمل في الدنيا بعذاب شديد ففي الرواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لشخص أراد أن يُقيم عليه الحدّ: "يا هذا إنّ رسول الله صلى الله عليه واله حكم في مثلك بثلاثة أشياء فاختر أيّهنّ شئت، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار"14.
وفي رواية أنّ إحدى النساء سألت الإمام الصادق عليه السلام: أخبرني عن الّلواتي مع الّلواتي، ما حدّ ما هنّ فيه؟ قال عليه السلام: "حدّ الزانية، إذا كان يوم القيامة يؤتى بهنَّ قد أُلبسن مقطّعات من النار، وقُنّعن بمقانع من نار، وسُربلن من نار، وأُدخل في أجوافهنّ إلى رؤوسهنّ أعمدة من نار، وقُذف بهنَّ في النار، أيّتها المرأة! أوّل من عمل هذا العمل قوم لوط، فاستغنى الرجال بالرجال، وبقي النساء بغير رجال، ففعلن كما فعل رجالهنّ"15.
ج- الإشباع الذاتيّ:
أي أن يُشبع الإنسان رغبة الغريزة من دون العلاقة بالطرف الآخر وهو المسمّى بالاستمناء، وقد حرّم الإسلام هذا النوع من العمل بكلّ أشكاله وصوره، ففي الرواية أنّ الإمام الصادق عليه السلام سُئل، عن الخضخضة فقال: "إثمٌ عظيم قد نهى الله تعالى عنه في كتابه.... ولو علمت من يفعل ما أكلت معه، فقال السائل: فبيّن لي يا بن رسول الله، من كتاب الله نهيه"، فقال: قول الله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾16وهو ما وراء ذلك، فقال الرجل: أيّهما أكبر الزنا أو هي؟ قال: "ذنب عظيم. ثمّ قال للقائل: بعض الذنوب أهون من بعض، والذنوب كلّها عظيمة عند الله لأنّها معاص"17...
العلاج
لقد أرشدنا الأئمّة عليهم السلام إلى حلّ لمن لا يقدر على الزواج لكي يخفّف من الضغط الحاصل له إزاء فوران هذه الغريزة، وذلك من خلال نفي الأسباب الّتي تؤدّي إلى ثورانها وذلك ضِمْنَ عدّة أمور ذكرها الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق فقال: "... والاستعانة عليه بغضّ البصر، فإنّه من أعون الأعوان، وكثرة ذكر الموت، والتهدّد لنفسك بالله، والتخويف لها به، وبالله العصمة والتأييد، ولا حول ولا قوّة إلّا به"18.
فذكر الموت يزهّد الإنسان في الدنيا ويجعلها أمراً تافهاً في نظره، وأمّا التخويف فلأنّه يجعل في قلب الإنسان منبّهاً إلى العاقبة الّتي تنتظره لو اقترف الفعل الخاطىء، والدعاء إلى الله تعالى بأن يرفع الهمّ، فالاعتصام بالله تعالى وطلب العون منه يجعلان الإرادة لدى الإنسان السالك إلى الله تعالى إرادة حديديّة, لأنّ الله يعطيه بالدعاء توفيقاً خفيّاً وقوّة لم يشعر بها من قبل، وبذلك يعصم النفس الأمّارة من الانقياد وراء الشهوات بتوفيق الله تعالى وسعيه لطاعته.
حقيقة التوحيد
من مواعظ الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب "الأربعون حديثا":
يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهيّة تُستحقّ إِلاّ لذاته المقدّسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتّفقان فيما تدّعي، فلماذا نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كلّ هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنّك ترى لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أنّ إرادتهم هي النافذة، وترى أنّ المال والقوّة هما الطاقة المؤثّرة والفاعلة؟ وأنّ ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحقّ تعالى، فتخضع لجميع الأسباب الظاهريّة، وتغفل عن المؤثّر الحقيقيّ وعن مسبّب جميع الأسباب؟ ومع كلّ ذلك تدّعي الإِيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة المنافقين ومحشور مع أصحاب اللسانَيْن.
وأنت يا من تدّعي الزهد والإِخلاص، إذا كنت مخلصاً حقّاً، وأنّك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم إنّك من أهل الصلاح والسداد؟ فيملأ السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها، وتفرّ من الفقراء والمساكين؟
فاعلم أنّ زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيّين، بل إنّ زهدك في الدنيا هو من أجل الدنيا، وإنّ قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وإنّك كاذب في دعواك، وإنّك من المتلوّنين المنافقين...
وأنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإِلهيّة، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، إذا كنتَ عالماً بالحقائق في الأسباب والمسبّبات، وإذا كنت حقّاً عالماً بالصور البرزخيّة وأحوال الجنّة والنار، فلا بُدّ من أن لا يقرّ لك قرار، وعليك أن تصرف كلّ وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يُطاق. إذاً، لماذا لا تتقدّم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثّر في قلبك البراهين الفلسفيّة قدر جناح ذبابة؟ إذاً، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء، ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للّذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، دون أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه.
وأنت يا من تدّعي المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبّة والفناء، إذا كنت حقّاً من أهل الله ومن أصحاب القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئاً لك. ولكنّ كلّ هذه الشطحات وهذا التلوّن وتلك الادّعاءات اللّامسؤولة الّتي تكشف عن حبّ الذات ووسوسة الشيطان، تتعارض مع المحبّة والانجذاب "إنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لاَ يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي". فأنت إذا كنت من أولياء الله المنجذبين إليه ومحبّيه، فإنّ الله يعلم بذلك، فلا تظهر للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسعَ لتلفت قلوب عباد الله الضعيفة من وجهة خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله. واعلم أنّ عباد الله أعزّاء وقلوبهم ثمينة ويجب أن تشتغل في محبّة الله، فلا تتلاعب إلى هذا الحدّ ببيت الله، ولا تتعرّض لحرماته "فَإنَّ لِلْبَيْتِ رَبّاً" فإذا لم تكن صادقاً في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن ذوي الوجهين.
المصادر :
1- الأفكار والميول، الأستاذ تقي فلسفي ج2، ص 169.
2- الأفكار والميول، الأستاذ تقي فلسفي, ج2، ص 169.
3- م. ن، ج2، ص175.
4- البقرة:143.
5- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص153.
6- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص153.
7- م. ن.
8- النور:2.
9- علل الشرائع، الشيخ الصدوق, ج2، ص479.
10- م. ن.
11- الإسراء:32.
12- ميزان الحكمة، محمدي الريشهري, ج4، ص1160.
13- م. ن، ج4، ص2806.
14- جواهر الكلام، الشيخ الجواهري, ج41، ص376.
15- الكافي، الشيخ الكليني، ج5، ص552.
16- المؤمنون:7.
17- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص355.
18- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري ج14، ص157.