الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


المعروف: هو عبارة عن الأعمال الصالحة التي أمرنا الله تعالى بها كالصلاة والصيام والخمس، والجهاد وصلة الرحم، وبرّ الوالدين والصدق، والأمانة وغيرها.
والمنكر: هو عبارة عن الأعمال القبيحة التي نهانا الله تعالى عنها كالكذب والغيبة، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، والإساءة إلى الناس، وشبهها.
وجوبهما
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان كفائيّان على كلّ المكلّفين، ولا يسقط هذا الوجوب إلّاَ إذا قام به الآخرون1، قال تعالى:﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾2.
أهميـّتهما
هما من أشرف الفرائض الدينيّة وأعظمها، ووجوبهما من ضروريّات الدين، ومنكره مع الالتفات إلى لوازمه والإلتزام به خارج عن ملّة المسلمين3.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"لا تزال أمّتي بخير ما أمروا بالمعروفِ ونهوا عن المنكرِ وتعاوَنوا على البرِّ والتقوى، فإذا لم يفعلوا ذلكَ نُزِعْت منهم البركاتِ وسُلِّطَ بعضهم على بعضٍ ولم يكنْ لهم ناصرٌ في الأرضِ ولا في السماءِ"4.
وورد عنه أيضاً:"إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليبغضُ المؤمنَ الضعيفَ الذي لا دينَ له، فقيل: وما المؤمن الضعيفُ الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر"5.
هذه الأهمّيّة البالغة لهذه الفريضة، إنّما كانت لأنّ الإسلام شرع الأمر بالمعروف بهدف صيانة الإسلام، وحراسة المجتمع الإسلاميّ من الضلال والانحراف، فعن طريقهما تتمّ عمليّة تبليغ الرسالة لمن يجهلها، وتتمّ هداية الضالّ، ويرشد الإنسان إلى فعل الخير، وتتمّ مكافحة الشرّ والفساد، وتنمو روح اليقظة والحذر في الأمّة تجاه أيّ شاذّ أو غريب عن رسالتها أو فكرها6.
شرائط وجوبهما
تجب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كلّ مكلّف، إذا توفّرت الشروط التالية7:
1ـ العلم بالمعروف والمنكر.
فالجاهل الذي لا يعرف المعروف ولا المنكر لا يجب عليه الأمر والنهي، بل هو بحاجة إلى من يأمره وينهاه8 9.
2ـ احتمال التأثير.
فلو علم المكلَّف بأنّ أمره أو نهيه لا يؤثّران في الآخر، لا يجب عليه الأمر ولا النهي10 11.
3ـ أمن الضرر.
4ـ الإصرار على المعصية.
فلو علم المكلَّف أنّ العاصي ترك المعصية ولن يعود إليها، لا يجب عليه الأمر أو النهي12.
مرّاتب الأمر والنهي‏
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب ودرجات، لا يجوز الانتقال من مرتبة إلى أخرى مع حصول الغرض من المرتبة الدانية، وهذه المراتب على الشكل التالي:
1ـ الإنكار بالقلب13
ويتمّ ذلك من خلال إظهار الانزعاج القلبيّ من فعل المنكر، وله أمثلة عديدة، كإظهار كراهية فعله بتغميض العينين وإعراض الوجه والعبوس، أو هجره وترك مودّته والخروج من داره وما إلى ذلك.
2ـ الإنكار باللسان 14
ويتمّ ذلك من خلال الكلمة الطيّبة والقول الليّن والوعظ والإرشاد وبيان الثواب والعقاب والخوف من الله، فإن لم ينزجر عن فعل المنكر، يجوز الانتقال إلى غلظة القول، والتشدّيد، والتهدّيد، والوعيد إذا كان ذلك نافعاً.
3ـ الإنكار باليد15
إذا علم المكلّف أو اطمأن بأنّ المطلوب لا يحصل بالمرتبتين السابقتين، يجوز الانتقال إلى هذه المرتبة، مع التأكيد على أنّ يكون الضرب بهدف الإصلاح والتأديب، وليس التشفي أو الانتقام، إضافة إلى وجوب الاقتصار على الضرب الخفيف الذي يحصل به الغرض، وعدم وصول ذلك إلى درجة الجرح أو القتل، لأنّه من مختصَّات الإمام عليه السلام
أو نائبه في غيبته16.
ملاحظة: ليس لأحد تكفّل الأمور السياسية كإجراء الحدود، والقضائيّة والماليّة إلا الإمام عليه السلام أو نائبه في زمن الغيبة17.
اداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر18
1ـ أن يكون الآمر بالمعروف كالطبيب المشفق الذي يعالج مريضاً.
2ـ أن يكون في إنكاره لطف ورحمة على العاصي خاصّة والأمّة عامّة.
3ـ أن يجرّد الآمر نيّته وقصده لله تعالى ولمرضاته.
4ـ أن لا يرى الآمر نفسه منزَّهة عن الشوائب فيتعالى على المذنب، فقد يكون للمذنب صفة نفسانيّة أحبّه الله تعالى لها وإن أبغض عمله، ويكون الآمر أو الناهي بعكسه.

محسنٌ ومسيء

عندما دعا المأمون الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام إلى خراسان، وقلّده ولاية العهد بشروط خاصّة، كان أخوه – زيد النار – في خراسان أيضاً.
كان المأمون آنذاك غاضباً على زيد غضباً شديداً، لأنّه كان قد قام في المدينة بانقلاب ضدّه، إلّا أنّ سياسته كانت تقتضي أن يحترم الإمام الرضا عليه السلام في أخيه زيد، وأن يصرف النظر عن قتله أو حبسه.
كان الإمام ذات يوم في مجلس عام، وحوله أصحابه وجماعته يحدّثهم بحديثه، ويملأ أسماعهم بنصائحه وحكمه ومواعظه وكان أخوه زيد حاضراً في المجلس أيضاً، وقد جذب انتباه جماعته من أهل المجلس بالحديث الذي كان يمدح فيه نفسه وأسرته ويفتخر بهم، فعندما التفت إليه الإمام عليه السلام وسمع حديثه، قال له: يا زيد أغرَّك قولُ بقالِ الكوفة: إنّ فاطمة أحصنَت فرجها فحرَّم اللهُ ذرِّيَتها على النار، حتّى صرت تكرِّره على الناس وتحشوا به أسماعهم، ما هذه الأقوال التي تلقيها عليهم؟ فوالله: ما ذاك إلا الحسن والحسين وولِد بطنها خاصّة. إذا كان الأمر كما تقول، وإنّ أبناء فاطمة يتمتّعون بوضع خاصّ، وأنّهم من السعداء على كلّ حال، فأنت ـ على هذا ـ أفضل وأعزّ عند الله من موسى بن جعفر، وإنّك الرابح والسعيد، لأنّه يطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله، وأنت تعصيه ثمّ تجيئان يوم القيامة سواءً، إنّ علي بن الحسين عليهما السلام كان يقول:"لِمُحْسِنِنا ضعفانِ من الأجرِ، ولمسيئِنا ضعفانِ من العذابِ"19.
كما صرّح القرآن بذلك بالنسبة إلى أزواج النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّه من عمل منّا عملاً صالحاً، ففي الحقيقة قد عمل عملين، أحدهما أنّه عمل عملاً صالحاً، وثانيهما أنّه احترم النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، ومن عمل عملاً سيئاً فكأنّما أساء مرّتين، أحدهما أنّه عمل عملاً سيِّئاً، وثانيهما أنّه لم يحفظ مقام النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم واحترامه في ذلك.
المصادر :
1- تحرير الوسيلة، ج‏1، ص‏463، م‏2.
2- آل عمران: 104.
3- تحرير الوسيلة، ج‏1، ص‏462.
4- م.ن.
5- م. ن.
6- أجوبة الاستفتاءات، ج‏1، ص‏321، س‏1065.
7- اجوبة الاستفتاءات,ج1,ص118,س1058.
8- الإمام الخامنائي: يجب أن يكون الآمر والناهي عالماً بالمعروف والمنكر، وعالماً بأنّ الفاعل يعرف ذلك أيضاً ومع ذلك يخالف عمداً وبلا عذر شرعي...
9- أجوبة الاستفتاءات، ج‏1، ص‏119، س‏1060.
10- الإمام الخامنائي: إنما يجب على المكلّف المبادرة إلى الأمر والنهي فيما إذا احتمل تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقّ ذلك الشخص.
11- م.ن.
12- تحرير الوسيلة، ج‏1، ص‏470.
13- م.ن، ص‏476، م‏1.
14- م.ن، ج‏1، ص‏477، م‏1.
15- تحرير الوسيلة ص‏480، م‏1.
16- الإمام الخامنائي: في ظلّ الحكومة الإسلاميّة يقتصر على الأمر والنهي باللسان، أمّا المرّاتب الأخرى منهما فتقع على عاتق المسؤولين المختصيّن في القوات الانتظامية والقضائيّة.
17- م.ن، ج‏1، ص‏480، م‏1.
18- م.ن، ص‏480، م‏14.
19- انظر:بحار الانوار:العلامة المجلسي:ج43:ص230.