في رحاب ليلة القدر


تبلغ دقائق ولحظات ونفحات ليلة القدر المباركة قمّة العظمة والجلال، ونحن قد تعوّدنا الحديث عنها بما يربطنا بحـظيرة القدس المباركة من خلال حمده وتسبيحه والشكر له والثناء عليه وتهليله وتكبيره جل وعلا، ومن ثمّ الخضوع والتبتّل والخشوع والتوسّل والطلب ممّا نطمع في عطائه ورحمته ورزقه وممّا لا ينتهي من النعم والخيرات. ويظلّ هذا الطمع مادام سبحانه غنيّاً حميداً وعظيماً قديراً، وهو إلى الأبد كذلك، فنبقى نتوسّل إليه بوسائله المتمثّلة في أنبيائه ورسله، وبعميدهم وخاتمهم وسيّدهم محمد صلى الله عليه وآله الأئمة الهداة الميامين عليهم السلام، فهم الوسيلة وبهم الشفاعة، وهذا هو حقّ هذه الليلة المباركة وحدودها في الحديث وما يلهج به اللسان.

الساعات المباركة تحدّد مصير الإنسان

وقد يعجز الإنسان عشرين أو خمسين أو سبعين أو مائة عام أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ولكنّ ساعة أو ربّما دقائق ولحظات في حياته قد تحدّد مصيره. نعم؛ إنّها ساعة واحدة قد تهديك الى سبيل الجنّة والمغفرة والرضوان، وقد تسوقك – والعياذ بالله – إلى العذاب النار. فلا ريب أن مثل هذه الساعات من هذه الليلة الربّانية، ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر هي الساعات الأكثر قرباً من تلك الساعة.
فإنك حين تعدّ ألف شهر، وتصبّها في قالب السنين، تجد أنّ هذه الشهور تساوي بعدّتها ما يقارب اثنين وثمانين عاماً، فليلة واحدة من هذه الليالي العطرة المباركة بالرحمة والمغفرة تعادل كفّتها في الميزان كفّة العمر كلّه، بل وتزيد عنه خيراً، كما يقول تعالى: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر/3) ولست أبالغ إذا قلت إنّ ساعة من هذه الليلة التي تبدأ من غروب الشمس الى طلوع خيط الفجر إذا ما نظر إليك فيها الربّ الكريم الرؤوف الرحيم من فوق عرشه الذي استوى عليه، نظرةً ملؤها الرحمة والرأفة، فسوف تصبح حينئذ أسعد إنسان، ويحقّ لي أن أغبطك على بلوغ هذه الدرجة، إذ ستنتقل بوثيقة الرحمة الإلهية من صفّ المطرودين المنبوذين الآيسين من روح الله ورحمته إلى صف أولئك المحصّنين بحصن الله الذي لا حصن أقوى منه.
ففي تلك الساعة تكون قد دخلت عالم رحمة الله الواسعة من الباب الذي فتحه لك سبحانه ودخلت من خلاله في حصنه المنيع.
لتفكّر خير من العبادة
لقد ورد في الحديث الشريف: "تفكّر ساعة خير من عبادة سنة"، (1) فأنت قد تعمّر سبعين عاماً تعبد الله فيها ولكن من غير توجّه تام أو تفكّر وتبصّر، ولكنك حين تعبد الله ساعـة لا ينقطع فيها تفكيرك، وتوجّهك، واتصال كيانك بالله من خلال شعورك وعقلك وبدنك، فتلك هي العبادة الحقّة التي ربّما تعادل سنّي عمرك السبعين التي قضيتها في العبادة.
ولا فرصة أعظم وأثمن لبلوغ هذه الساعة من ساعات ليلة القدر، وهنا أوضح لك دليلاً تهتدي به لنيل ثواب هذه الساعة العظيمة؛ توضّأ من أول الليل، ثم اشرع بقراءة سورة القدر ألف مرّة، ثم قم وصلِّ مائة ركعة، واقرأ في كلّ واحدة فيها سورة الإخلاص عشر مرات، وبعد أن تنتهي منها، عليك بدعاء الجوشن الكبير الذي إن قرأته بوعي ومن صميم الروح والقلب بحيث تذوب في معانيه عند قراءته، فإني أضمن لك عند الله الدخول في حفظه في الدنيا، والتحصّن بحصنه في الآخرة.
ثم عليك بعد ذلك بالدعاء لمولانا الإمام المنتظر صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف، وعندما تفرغ من الدعاء له، توجّه الى حيث سيّد الشهداء عليه السلام وأنت تعرف مقامه وعظم مصابه، فليكن توجّهك مساوياً لهذه المعرفة وذلك المقام العظيم، ولتكن منكراً في قلبك لما علمته من مصابه الأليم.
وكلّ هذه الأعمال إنّما هي مقدّمات ووسائل، فإن كنت قد أدّيتَ هذه الأعمال بشكل روتيني ومن غير اندماج وتفاعل، وبلا روح ولا مناعة ولا تفكّر ولا توجّه، فإنّ حالك سوف لا يختلف عن حال الحجر والصخر، وهذا هو الواقع!!

الاتصال بين القلب والخالق

ومن أجل كسب ثواب هذه الساعة العظيمة فإنّ المهم في الأمر أن يتمّ الاتصال بين قلبك وبين ربك، والمهمّ أيضاً أن تزول وتسقط تلك الحواجز والحجب التي تحول بين النفس وبارئها.
فكم من النعم والخيرات والبركات التي أنعم الله بها علينا كما يقول تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ (ابراهيم/34) لو فقدنا واحدة منها لتحوّلت حياتنا الى ألم وفاقة لا ينقطعان، وذلك خزي محيط بنا – والعياذ بالله -.
وتعتبر نعمة البصر من تلك النعم التي لا تحصى، فانظروا وتأمّلوا كم هي عظيمة، وكيف أنّ الحياة ستفقد طعمها وقيمتها إن هي فقدت، وقد قال لي أحد الذين حُرموا من هذه النعمة: لولا انّ الانتحار حرام لفضّلته على هذه الحياة وأنا لا أعرف تعبيراً أبلغ من هذا يظهر قيمة هذه النعمة العظيمة وفضله الكبير - سبحانه- في منحها لنا. وأنت لو نظرت في ملامح الرجل الضرير وتقاسيم وجهه بدقّة للاحظت فيه آثاراً من الذلّة، لعلّ أولى علائمها احتياجه لمن يقوده ويهديه.

النكران وقلّة الشكر

ومع ذلك كله؛ ترى عظم نكراننا، وقلّة شكرنا إن كان هناك شكر، وقلّة حمدنا إن وفّقنا لهذا الحمد. والأنكى من ذلك جرأتنا على الله تعالى في كثير من أفعالنا وأقوالنا، والحمد لله حمداً لا ينقطع إذ عاملنا بالفضل ولم يعاملنا بالعدل، وإلاّ فنحن لا نستحقّ حتى هذا الهواء الذي نتنفّسه.
أفليس الأولى بنا أن ننظر الى هؤلاء الذين من حولنا من المعوّقين الذين يستشعرون الذلّ والحاجة لمن يعيش معهم، تُرى ما الذي يجول في خاطر كسيح الرجلين واليدين وهو يرى الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً يسيرون بسهولة، ويأكلون ويشربون ويكتبون ويعملون بأيديهم بدون أي حرج أو حاجة إلى مُعين؟ لو فكّرنا بما يدور في خاطر هذا المعوّق لعرفنا قيمة النعمة العظيمة التي نرفل فيها.
لقد أعطى الله سبحانه الواحد منّا الرجلين، ولكنّه لم يشكره أو يودّي حق هذا الشكر، فمن النادر أن نجد من بيننا من يصلّي وهو متوجّه الى ربّه بكامل حواسّه وجوارحه، فنحن نصلّي ولكننا لا نؤدّي تلك الصلاة الكافية لأداء بعض هذا الشكر.
وبالاضافة الى ذلك فنحن الآن معافون، نستطيع التمنّي والعمل والتنـزّه، بينما لنا إخوة في المستشفيات يعانون ما يعانون. فلنقدّر قيمة نعمة العافية التي نحن غافلون عنها.
وينقل في هذا المجال عن أحد الأثرياء الأميريكيين أنّه كان يعاني أمراضاً في المعدة، يبدو أنه لم يجد لها علاجاً يشفيها، فحرّم عليه الاطباء أغلب أنواع الطعام، وقد قيل إنّ هذا الغني المليونير كان ينظر الى العمّال البسطاء وهم يجلسون للغذاء ويتناولون "السندويتشات" فيقول ليتني كنت مثلهم، وإنّي لمستعدّ أن أتخلّى عن نصف أموالي شريطة أن أعثر على العلاج الذي يشفيني ويتيح لي أن أتناول هذه السندويتشة.
أمّا نحن؛ فنجلس إلى المائدة كلّ يوم ونتناول الطعام ثلاث مرّات أو أكثر، ومع ذلك فإنّنا لا نحسّ بقيمة نعمة العافية، ونغفل عن عظيم فضلها.

لا مصلحة لله في شكرنا

ولننظر الى ضخامة وتشعّب الأمور التربويّة والأخلاقية التي أمرنا الله سبحانه أن نلتزم بها وهي في نفعنا نحن، وليس له سبحانه – مصلحة – سواء تمسّكنا بها أم لم نتمسّك، لأنها ستعود علينا بالضرر إن لم نلتزم بها اجتماعياً وربّما اقتصادياً وثقافياً، وإن التزمنا بها فإن التزامنا هذا سوف لا يضرّه ولا ينفعه.
وحتّى فيما يخصّ العبادة والفرائض العبادية التي أمرنا تعالى بتأديتها، فانّها هي الأخرى تنعكس علينا نفعاً أو ضرراً في الدنيا والآخرة في حالة التزامنا أو عصياننا، كما أشار الى ذلك تعالى في قوله: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ (الفرقان/77).
فهو سبحانه يأمرنا بالكثير من الالتزامات الأخلاقية كالصدق والوفاء والإخلاص والتضحية والإيثار، وينهانا عن ما يخالفها من السلبيات، ولكنّك ترانا نعمل بما يخالف إرادته سبحانه فلا نلتزم بما أمر، ونفعل الذي ينهانا عنه، فترانا نكذب ونخون ونسرق ونغتاب ونستأثر ونرتكب ما شاكل ذلك من السلبيّات الأخلاقيّة غافلين عن أنّ كلّ واحدة منها تشكل حجاباً يحجبنا عن رحمة الرحمن ولطفه، وقد يستمرّ هذا الحجاب يوم القيامة خمسمائة عام كما تؤكّد على ذلك الروايات.

رحمة الله واسعة

لقد وسعت رحمة الله كل شيء. فنحن وإن ارتكبنا من المعاصي والآثام ما ارتكبناه، وتجمّعت في سماء قلوبنا تلك الغيوم السوداء المدلهمّة، لكنّه تعالى لم يقطع الأمل منّا في اللجوء الى جناح رحمته، ولم يحرمنا من الفرص التي هي واسعة تمرّ ولا يُحْرَم من وافرها إلاّ الشقيّ، ولا يفوز بها إلاّ ذو حظّ عظيم، ومن المؤكد أنّ هذه الفرص تقع في هذه الليلة، ليلة القدر المباركة.
وقد ذكرت الروايات أنّ دمعة واحدة تخرج بصدق من عين تائب صادقاً في توبته، خاشع منكسر لائذٍ بربّه، تكفي لتطفئ نيران وحرّ وادٍ من وديان جهنّم، وما أدراك ما وديانها؟!
فالله سبحانه يحبّ العبد التائب المستغفر المنكسر القلب، الخاشع، وهو أيضاً يحبّ المتطهّرين؛ وغير الآيسين من رحمته:
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ (الزمر/53).
وكثيراً ما نردّد مع أنفسنا ومع الله فنقول: "استغفر الله ربي وأتوب إليه"، ولكنّنا لسنا في مسيرة التوبة، وفي جهتها الحقيقية، لأن التوبة الحقيقية إنّما تصدر من صميم قلب الإنسان ووجدانه وتظهر على حركاته وسكناته وأفعاله، وتظهر على علاقاته مع زملاه ومجتمعه وتعامله مع الناس، ووفائه بالحقوق وما في ذمّته، ثم تبرز سماتها على وجهه.

المعنى الحقيقي للتوبة

فللتوبة معنىً عظيم يحمل أبعاداً واسعة لا يمكن أن تفي هذه السطور حقّها في الحديث عنها، بل تحتاج الى مجلّدات لتفصيلها، فنحن نؤمن بالتوبة، وتلهج بها ألسنتنا، ولكن هل هي التوبة الحقيقية التي يحبّها الله من العبد؟، فنحن نقول إنّنا تائبون، ولكنّنا لو دقّقنا في واقعنا وقلوبنا لوجدنا الكبر والحسد والأنانية مازالت جاثمة علينا، فلا ندع مجالاً للتوبة لكي تتجسّد عملاً بعد أن أُقرَّت لساناً، وإنّه لمن الكبر والغفلة أن ترانا نقنع أنفسنا بأنّنا مؤمنون ومستحقّون للجنّة، ولا ينقصنا من الإيمان شيء، فنأمن عذاب ناره، بينما نحن في واقعنا مملوؤون بالخطايا والذنوب والآثام.
والمجرمون حين يعرضون على النار يوم القيامة تتلى عليهم تلك الاسئلة التي يعرض لها القرآن من مثل: ألم تأتكم آياتي، ألم تأتكم رسلي، ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم؟ وما شاكل ذلك من أسئلة يذكّرون بها بمهمّات الرسل والبلاغات والإنذارات والتحذيرات وما آلت إليه الأمم الكافرة، وعندما لا يجدون مفرّاً من الاعتراف فيرمون في تلك النار المستعرة، وهيهات لهم من الخلاص والخروج إلاّ برحمة من الله ومغفرة.

فرص ثمينة للتوبة

فتلك الساعات التي نحياها في ليلة القدر هي الفرص المتاحة لنا للتوبة النصوح والانابة الى الله، إنها الساعات التي نرجع فيها إلى ربّنا أذلاّء خاضعين خاشعين، فنطهّر بذلك قلوبنا من الكبر وجنون العظمة بالبكاء والتضرّع والتذلّل والتصاغر والتحاقر لله.
فأنت مؤمن وتعرف أنّ الكبرياء والعظمة إنّما هما لله سبحانه، فليس لك أن تتكبّر وتصاب بالغرور فتأمن سخط الله ومكره وعذابه، فاذرف من تلك الدموع ما شئت لتطفئ تلك الوديان، وديان السعير التي أُجِّجت لعصيانك وكفرك، وتب الى الله توبة نصوحاً، واعبده وأحسن عبادته وأكثر منها، ولا تقل صلّيتُ ما فيه الكفاية، وقرأت من الدعاء ما يكفي، فلا تستكثر إيمانك، فأنت مهما عبدت وصلّيت وأخلصت بقيت محتاجاً وفقيراً في عملك الى الله، وإنّه لمن بقايا الكبر والغرور أن ترى نفسك قد بلغت درجة عالية من الإيمان، لأن المسيرة الإيمانية، مسيرة التقوى، هي كمسيرة العلم، فأنت مهما تعلّمت فإنّك تبقى لا تعلم شيئاً، وهذا المنهج في التقوى علّمنا إيّاه أئمتنا من أهل البيت عليهم السلام في أدعيتهم وتبتّلهم ومناجاتهم.

طول الأمل نوع آخر من الغرور

وقد يصاب الإنسان بنوع من الغرور هو أخطر على مستقبله الإيماني وعاقبته، ألا وهو الأمل وطول الأمل الذي قيل عنه:
يـا مـن بدنيـاه أشتغـل قـد غـرّه طـول الأمـل - فـالمـوت يـأتـي بغتـة و القبـر صنـدوق العمـل
فأحدنا قد يؤمّل نفسه قائلاً: لقد فاتتني ليلة القدر لهذا العام، وسأتوب في السنة القادمة، أو قد يوفّقني الله لأزور بيته الحرام فأتوب حينئذ هناك، وربّما يجد في نفسه الذنوب والانحراف عن الجادّة فيتماهل في توبته وقت إحساسه هذا ويقول؛ أمامي أعوام أخرى سأتوب الى الله فيها!
وهذه هي الوسوسة التي يحدّث الشيطان بها الإنسان، ولا أدري متى كان الشيطان يحبّ ويريد التوبة للانسان وهو عدوّ لدود له، فالأولى للإنسان المؤمن أن يحذر الشيطان حينما يسوّف له التوبة.
وهناك حقيقة أخرى ذكرتها الروايات وانتبه إليها علماء النفس بتجاربهم، وهي أنّ حالة الوثوق بالنفس تنمو لدى الإنسان كلّما مرّت عليه سنّي العمر، فيزداد إصراره على ما يؤمن ويعتقد به، ولذلك فمن الصعب عليه أن يبدّل عاداته، ومعنى ذلك أنّه لو كان في شبابه لسهلت عليه التوبة، ولكنّه حينما يتقدّم في العمر يزداد رسوخاً في كفره وعصيانه كما يشير إلى ذلك الدعاء الشريف:
"يا ويلتا كلّما كبر سنّي كثرت معاصي، فكم ذا أتوب وكم ذا أعود، ما آن لي أن أستحيي من ربّي". (2)
وكما يقول تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (الحديد/16).
ولا أدري متى سنعود الى صوابنا ونعزم على التوبة؟ وإن كانت هذه الفرص والساعات التي نعيشها في ليلة القدر حيث المجالس والاجتماعات الروحانية والأجواء الإيمانية المعطّرة برياحين القرآن والأحاديث الشريفة والأدعية المباركة والمناجاة. أقول: إن كانت هذه الفرص لا تؤثّر في نفوسنا وقلوبنا ولا تطهّر أرواحنا إذن فما أقسى قلوبنا والعياذ بالله!
فلتكن لدينا الهمّة والعزيمة، ولنتّكل على الله في ولوج أبواب رحمته سبحانه وهو أرحم الراحمين.

ضمان الجنة

ومن الأعمال المستحبة الأخرى التي توصّلنا الى رحاب المغفرة والعفو وقبول التوبة قراءة سورة الروم والعنكبوت. فقد روي عن أبي بصير، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنه قال: من قرء سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين، فهو والله يا أبا محمد من أهل الجنة، لا أستثني فيه أحداً، ولا أخاف أن يكتب الله عليَّ في يميني إثماً، وإنَّ لهاتين السورتين من الله مكاناً".(3)
وحقّاً فإنّ هذا أمر يثير الدهشة، فأنا حين أقرأ سورة الروم وأتعمّق فيها أقف متسائلاً عن السرّ الذي تشتمل عليه هذه السورة الكريمة والذي جعل الإمام الصادق عليه السلام يؤكّد عليها ويعتبرها مفتاحاً لدخول الجنّة، وهكذا الحال بالنسبة إلى سورة العنكبوت وأيضاً سورة الدخان التي من المستحب قراءتها في هذه الليلة. ترى ما هي أسرار هذه السور المباركة؟
أمّا بالنسبة إلى سورة الدخان؛ فإن سرّها واضح، لأنها نـزلت في ليلة القدر متحدّثة عنها وعن فضلها، ولذلك فإن تلاوتها في هذه الليلة جاءت مناسبة، وأما فيما يتعلّق بسورة العنكبوت؛ فإنها – على ما يبدو – توحي بأن مثل هذه الدنيا كمثل بيت العنكبوت؛ بحضاراتها ودولها وإمكانياتها وقدراتها، فهي لا قيمة لها، ولا هدف يرجى منها في حدّ ذاتها بل إنّ الآخرة هي الهدف وهي الرجاء، وعلى العكس من ذلك فإن الدنيا واهنة زائلة: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ (العنكبوت/41).
المصادر :
1- بحار الأنوار، ج68، ص327.
2- بحار الأنوار، ج84، ص242.
3- بحار الأنوار، ج94، ص19.