لماذا أمهات أکثر الأئمة علیهم السلام من الجواری

مما یدعو إلى الالتفات ویثیر التساؤل هو أن أکثر أمهات الأئمة جوارٍ من غیر العرب، فأمّ کلّ من الائمة السجّاد والکاظم والرضا والجواد والهادی والعسکری والحجة (علیهم السلام) أمهات أولاد، وقعن فی الأسر، واقترن بهنّ الأئمة (علیهم
لماذا أمهات أکثر الأئمة علیهم السلام من الجواری
 لماذا أمهات أکثر الأئمة علیهم السلام من الجواری

 





 

مما یدعو إلى الالتفات ویثیر التساؤل هو أن أکثر أمهات الأئمة جوارٍ من غیر العرب، فأمّ کلّ من الائمة السجّاد والکاظم والرضا والجواد والهادی والعسکری والحجة (علیهم السلام) أمهات أولاد، وقعن فی الأسر، واقترن بهنّ الأئمة (علیهم السلام)، مع أنّه لا یغیب عن بالنا ما یجری فی سوق العبید والجواری، مضافاً إلى أن مسألة الإمامة لیست من المسائل العادیة، فإنّها تستوجب الحیطة والحذر فی کل ما یرتبط بولادة الإمام المعصوم وتربیته ونشأته، وکما أن الأب ینبغی أن یکون فی أعلى درجات الکمال الممکن، فکذلک الأم وعلى ذلک قامت الأدلّة.
والسؤال الذی یواجهنا هو ما هو السر فی اختیار الأئمة (علیهم السلام) للجواری من دون الحرائر العربیّات من البیوتات الرفیعة ذات المنزلة الاجتماعیة؟ ولماذا یقترن الأئمة (علیهم السلام) بالجواری لیلدن لهم أفضل الأولاد والبنات؟
وللإجابة عن ذلک لابد أن نسلّط الأضواء على بعض المفاهیم العامّة والرکائز الأساسیة ذات الصلة بما نحن فیه لنخرج من خلالها بما یرفع الغموض والإبهام عن هذه المسألة.
والذی یظهر من خلال دراسة بعض المفاهیم العامّة والقواعد الأساسیة أن وراء اختیار الأئمة (علیهم السلام) الجواری أسباباً أهمّها ثلاثة.
الأوّل: إن ممّا لا شک فیه أن أئمة أهل البیت (علیهم السلام) ـ کما نعتقد وعلیه قامت الأدلة ـ قد أوتوا العلم بحقائق الأمور والأشیاء ومعرفة مداخلها ومخارجها، ومنها العلم بأحوال الناس وخصوصیاتهم، وقد ورثوا ذلک عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) أو أطلعهم الله تعالى علیه لنفوذ بصائرهم، وصفاء نفوسهم وطهارة ذواتهم، ولمّا کان الأمر یتعلق بالإمامة ومنصب الولایة فلابد من اختیار الوعاء الطاهر، والأصل الزاکی، والحجر العفیف الذی سیکون حاملاً وحاضناً لولیّ الله، وخلیفته على العباد، والحجة على الخلق، ویعدّ ذلک من المسلمات البدیهیة فی عقیدة الشیعة الإمامیة، وإنّما وقع اختیار الأئمة (علیهم السلام) على هؤلاء الجواری من دون سائر النساء لعلمهم (علیهم السلام) بأنهنّ قد جمعن شرائط الاقتران بالمعصوم (علیه السلام) وصلاحیتهنّ للأمومة التی ستنجب الإمام المعصوم إذ کما یشترط أن یکون الآباء طاهرین مطهّرین فکذلک الحال بالنسبة للأمهات.
وغنیّ عن البیان مدى تأثیر الأم على ولدها، فإن لعامل الوراثة مدخلاً کبیراً فی التکوین الخلقی المنعکس على الولد من قبل أبویه، کما نصت علیه روایات أهل البیت (علیهم السلام) وأیّدته البحوث العلمیّة التی عنیت بهذا الجانب فی حیاة الإنسان.
ومما یؤید هذا الوجه أن الإمام (علیه السلام) قد یختار واحدة بعینها من دون سار الجواری اللاتی عرضن للبیع، وقد تکون غیر صالحة ـ بحسب المعاییر المادیّة ـ للبیع والشراء إلا أن الإمام (علیه السلام) لا یختار غیرها، بل تذکر المصادر أن هذه الجاریة ـ مثلاً ـ قد تمتنع عن الاستسلام لأی مشتر یتقدم لشرائها حتى یکون الذی یشتریها هو الإمام (علیه السلام)، مع أنها فی ظروف لا تملک من أمرها شیئاً، الأمر الذی یؤکّد على أن هناک تخطیطاً إلهیاً متقناً لأن تکون هذه المرأة قرینة للإمام (علیه السلام) وقد أعدّها الله تعالى لتصبح أمّاً للمعصوم (علیه السلام)
روى الصدوق بسنده عن هشام بن أحمد، قال: قال أبو الحسن الأول (علیه السلام): هل علمت أحداً من أهل المغرب قدم؟ قلت: لا.
فقال (علیه السلام)
بلى، قد قدم رجل أحمر، فانطلق بنا، فرکب ورکبنا معه حتى انتهینا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقیق، فقال له: أعرض علینا، فعرض علینا تسع جوار کلّ ذلک یقول أبو الحسن (علیه السلام): لا حاجة لی فیها، ثم قال له: اعرض علینا، قال: ما عندی شیء. فقال له: بلى اعرض علینا. قال: لا والله، ما عندی إلا جاریة مریضة. فقال له: ما علیک أن تعرضها. فأبى علیه. ثم انصرف (علیه السلام). ثم أرسلنی من الغد إلیه. فقال لی: قل له کم غایتک فیها؟ فإذا قال: کذا وکذا فقل: قد أخذتها، فأتیته. فقال: ما أرید أن أنقصها من کذا. فقلت: قد أخذتها وهو لک. فقال: هی لک. ولکن من الرجل الذی کان معک بالأمس؟ فقلت: رجل من بنی هاشم. فقال: من أی بنی هاشم؟ فقتل: من نقبائهم. فقال: أرید أکثر منه. فقلت: ما عندی أکثر من هذا. فقال: أخبرک عن هذه الوصیفة، إنی اشتریتها من أقصى بلاد المغرب، فلقیتنی امرأة من أهل الکتاب فقالت: ما هذه الوصیفة معک؟ فقتل: اشتریتها لنفسی. فقالت: ما ینبغی أن تکون هذه الوصیفة عند مثلک. إنّ هذه الجاریة ینبغی أن تکون عند خیر أهل الأرض. فلا تلبث عنده إلا قلیلاً حتى تلد منه غلاماً یدین له شرق الأرض وغربها. قال: فأتیته بها، فلم تلبث عنده إلا قلیلاً حتى ولدت له علیّاً (علیه السلام).(1)
ونقل المحدّث القمی أنه (علیه السلام) لمّا ابتاعها (أی تکتم) جمع قوماً من أصحابه ثم قال: والله ما اشتریت هذه الأمة إلا بأمر الله..(2)
على أن المرأة التی یقع اختیار الإمام (علیه السلام) علیها لم تکن من عامّة الناس، بل من أشرف النساء، وذات مکانة فی قومها، غیر أنها وقعت فی الأسر وجرّها ذلک إلى سوق النخّاسین.
روى الشیخ الطوسی بسنده عن محمد بن بحیر بن سهل الشیبانی أنه قال: قال بشر بن سلیمان النخاس وهو من ولد أبی أیوب الأنصاری أحد موالی أبی الحسن وأبی محمد وجارهما بسرّ من رأى: أتانی کافور الخادم. فقال: مولانا أبو الحسن علی بن محمد العسکری یدعوک إلیه. فأتیته. فلمّا جلست بین یدیه قال لی: یا بشر، إنّک من ولد الأنصار، وهذه الموالاة لم تزل فیکم یرثها خلف عن سلف، وأنتم ثقاتنا أهل البیت، وإنّی مزکّیک ومشرّفک بفضیلة تسبق بها الشیعة فی الموالاة بسرّ أطلعک علیه، وأنفذک فی ابتیاع أمة. فکتب کتاباً لطیفاً بخطّ رومی وبغلة رومیة، وطبع علیه خاتمه، وأخرج شقیقة صفراء فیها مائتان وعشرون دیناراً.
فقال: خذها، وتوجّه بها إلى بغداد، واحضر معبر الفرات ضحوة یوم کذا، فإذا وصلت إلى جانبک زواریق السبایا وترى الجواری فیها، ستجد طوائف المبتاعین من وکلاء قوّاد بنی العباس، وشرذمة من فتیان العرب، فإذا رأیت ذلک فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن یزید النخّاس عامّة نهارک، إلى أن تبرز للمبتاعین جاریة صفتها کذا وکذا، لابسة حریرین صفیقین، تمتنع من العرض ولمس المعترض، والانقیاد لمن یحاول لمسها، وتسمع صرخة رومیّة من وراء ستر رقیق.
فاعلم أنها تقول: واهتک ستراه.
فیقول بعض المبتاعین: علیّ ثلاثمائة دینار فقد زادنی العفاف فیها رغبة، فتقول بالعربیة: لو برزت فی زیّ سلیمان بن داود، وعلى شبه ملکه ما بدت لی فیک رغبة، فأشفق على مالک، فیقول النخّاس: فما الحلیة؟! ولابد من بیعک، فتقول الجاریة: وما العجلة؟ ولابد من اختیار مبتاع یسکن قلبی إلیه والى وفائه وأمانته، فعند ذلک قم إلى عمر بن یزید النخّاس، وقل له: إن معک کتاباً ملصقاً لبعض الأشراف کتبه بلغة رومیّة وخط رومی، ووصف فیه کرمه، ووقاره، ونبله، وسخاءه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إلیه ورضیته فأنا وکیله فی ابتیاعها منک.
قال بشر بن سلیمان: فامتثلت جمیع ما حدّه لی مولای أبو الحسن (علیه السلام) فی أمر الجاریة، هنا سقط فلمّا نظرت فی الکتاب بکت بکاء شدیداً وقالت لعمر بن یزید: بعنی من صاحب هذا الکتاب وحلفت بالمحرّجة والمغلّظة أنه متى امتنع من بیعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه فی ثمنها حتى استقرّ الأمر فیه على مقدار ما کان أصحبنیه مولای (علیه السلام) من الدنانیر فاستوفاه، وتسلّمت الجاریة ضاحکة مستبشرة.
وانصرفت بها إلى الحجیرة التی کنت آوی إلیها ببغداد، فما أخذها القرار حتى أخرجت کتاب مولانا (علیه السلام) من جیبها وهی تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدّها وتمسحه على بدنها.
فقلت تعجباً منها: تلثمین کتاباً لا تعرفین صاحبه؟! فقالت: أیّها العاجز الضعیف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبیاء، أعرنی سمعک وفرّغ لی قلبک، أنا ملیکة بنت یشوعا بن قیصر ملک الروم، وأمی من ولد الحواریین، تنسب إلى وصی المسیح شمعون أنبئک العجب..(3)
إلى غیر ذلک من القضایا التی دلّت على أن الأمر لم یکن بصورة عفویّة، أو من القضایا الاتفاقیةّ، بل کانت على وفق تخطیط إلهی محکم، وإن کانت لا تخرج عن ظاهرة الخضوع للأسباب المتعارفة، والتی کانت یبدو فیها أن الأمر طبیعی جداً.
أقول: لا یبعد أن یکون هذا أحد الأسباب التی دعت إلى أن تکون أمهات بعض الأئمة (علیهم السلام) من الجواری.
وحیث أن أم الإمام الرضا (علیه السلام) کانت إحدى الجواری، وإنما وقع اختیار الإمام الکاظم (علیه السلام) علیها لأنّها کانت ذات شرف ومکانة وطهر وعفاف، ولمّا کانت السیدة فاطمة شقیقة الإمام الرضا (علیه السلام) حیث یتحدان فی الأب والأم یتبیّن أن أمّها لم تکن امرأة عادیة من سائر النساء، بل کانت جلیلة القدر عظیمة الشأن ذات منزلة رفیعة کما سیأتی بیان ذلک فی محلّه من هذه الصفحات.
الثانی: إن من أعظم الرّکائز التی قام علیه الدین هو إلغاء الفوارق الطبقیّة بین أبنائه والمنتسبین إلیه، وقد أکّد القرآن الکریم فی آیاته، والرسول العظیم (صلّى الله علیه وآله) فی سیرته على ذلک، وکانت النظرة إلى جمیع الناس على أساس من التساوی ونبذ الفوارق العرقیّة والنسبیة، وأنّ المعیار فی التفاضل بین الناس هو مقدار ما یتحلّى به الإنسان من الإیمان والتقوى ومکتسباته الشخصیة: (إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاکُمْ)(4)، (لیس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى)(5) ولیس للعنصر العربی فضل على سواه، ولیس لسواه فضل علیه، ولیس ثمّة ما یمیّز أحدهما على الآخر إلا مقدار قربه من الله تعالى، أو بعده عنه، ولذا رفع الإسلام من شأن سلمان الفارسی الأصل حتى غدا ینسب إلى أهل بیت العصمة فقال (صلّى الله علیه وآله): (سلمان منّا أهل البیت)(6)، ووضع الإسلام أبا لهب العربی الأصل والقرشی النسب، وهو عم النبی (صلّى الله علیه وآله) حتى غدا من أشد الناس عداوة لله ولرسوله، ونزل فیه قرآن یتلى: (تَبَّتْ یَدَا أَبِی لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا کَسَبَ سَیَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ)(7)
وقد اتّخذه هذا المنهج القویم صوراً وأشکالاً مختلفة، لتثبیت هذه القاعدة، حتى تکون هی المنطلق والأساس فی تقییم الأشخاص، وسعى سعیاً حثیثاً بالقول تارة، وبالفعل أخرى، لبیان أن الإنسان لا یقعد به نسبه، ولا یعیقه عنصره، أو صنفه، عن تسنّم أرفع الدرجات، إذا کانت على وفق ما یرید الله ورسوله: (أَنِّی لاَ أُضِیعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْکُمْ مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُکُمْ مِنْ بَعْضٍ)(8)
ولم یکن الأمر یقتصر على القضایا الرئیسیة ذات الأهمیة القصوى، بل کانت تشمل الشؤون الجانبیة الأخرى، فما کان النبی (صلّى الله علیه وآله) یفاضل بین أحد من المسلمین فی العطاء ـ مثلاً ـ وکان یرى أن المال مال الله والناس عباد الله، وهکذا کان أمیر المؤمنین (علیه السلام) الذی اتخذ هذه السیرة النبویة منهاجاً له، یقتفی خطى النبی (صلّى الله علیه وآله) فی تطبیقها على المسلمین معتبراً نفسه واحداً منهم، وأنّهم جمیعاً أخوة فی الدین، حتى أصبح هذا المبدأ أحد الأسس التی مهدت السبیل أمام کثیر من الناس للالتحاق بهذا الدین والسیر فی رکابه.
ولو أن هذا المبدأ أخذ مجراه کما أراد الله تعالى ورسوله، وسعى أمیر المؤمنین (علیه السلام) لتطبیقه، لما احتجنا إلى حروب الفتوحات التی یعتبره البعض إحدى إنجازات الإسلام الکبرى.
وما یدرینا فلعلّ ما یحیق بالمسلمین من خصومهم من الکید والعدوان إنما هو عمل انتقامی واقتصاص ممّا جرى فی سالف الزمان من حروب الفتوحات إذ ترکت حقداً دفیناً تتوارثه الأجیال، حتى إذا أمکنتهم الفرصة لانتقام شنّوا حروباً لا هوادة فیها على الدین والأخلاق وبأسالیب مختلفة.
على أن هؤلاء القائمین على هذه الفتوحات لم یکونوا إلا ذوی أطماع فی الدنیا وتهالک علیها، ولم یکن لهم نصیب من الإسلام.
والذی یؤید ذلک: ما رواه ابن کثیر فی تفسیره ـ عند قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ کَفَرُوا لَنْ تُغْنِیَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَیْئاً وَأُولَئِکَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ)(9) ـ بسنده عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس، قالت: بینما نحن بمکة قام رسول الله (صلّى الله علیه وآله) من اللیل فنادى: هل بلّغت، اللهم هل بلّغت، ثلاثاً، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم. ثم أصبح، فقال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): لیظهرنّ الإسلام حتى یردّ الکفر إلى مواطنه، ولیخوضنّ رجال البحار بالإسلام ولیأتینّ على الناس زمان یتعلمون القرآن ویقرؤونه، ثم یقولون قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذی هو خیر منّا، فهل فی أولئک من خیر؟ (وفی روایة أخرى) فما فی أولئک من خیر، قالوا: یا رسول الله فمن أولئک؟ قال: أولئک منکم، وهم وقود النار(10)
أقول: کان هذا المبدأ أحد الرکائز التی فتحت الباب على مصراعیه للدخول فی دین الله، ولکن سیاسة القائمین على الأمر بعد رسول الله (صلّى الله علیه وآله) هی التی أوصدت الباب، وأحکمت إغلاقه، حیث رأت غیر هذا.
وأول من أحدث الطبقیّة بین المسلمین وأوجد الفوارق وأحیى النعرات الجاهلیة بینهم فمیّز العرب على غیرهم، والقرشیین على سائر القبائل، والمهاجرین على الأنصار، والأحرار على الموالی، وفرّق بین المسلمین هو عمر بن الخطاب.(11)
وقد کانت هذه النزعة إحدى الفلتات التی کانت تظهر علیه فی حیاة النبی (صلّى الله علیه وآله)، ولمّا آل الأمر إلیه اتّخذها سیاسة أجراها على الناس.
روى الکلینی بسنده عن حنان، قال: سمعت أبی یروی عن أبی جعفر (علیه السلام)، قال: کان سلمان جالساً مع نفر من قرش فی المسجد، فأقبلوا ینتسبون، ویرفعون فی أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر بن الخطاب: أخبرنی من أنت؟ ومن أبوک؟ وما أصلک؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله، کنت ضالاً فهدانی الله عزّ وجلّ بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، وکنت عائلاً فأغنانی الله بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، وکنت مملوکاً فأعتقنی الله بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، هذا نسبی، وهذا حسبی، قال: فخرج النبی (صلّى الله علیه وآله) وسلمان (رضی الله عنه) یکلّمهم، فقال له سلمان: یا رسول الله ما لقیت من هؤلاء، جلست معهم فأخذوا ینتسبون، ویرفعون فی أنسابهم حتى إذا بلغوا إلیّ قال عمر بن الخطاب: من أنت؟ وما أصلک؟ وما حسبک؟ فقال النبی (صلّى الله علیه وآله): فما قلت له یا سلمان؟ قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد الله، کنت ضالاً فهدانی الله عزّ ذکره بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، وکنت عائلاً فأغنانی الله عزّ ذکره بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، وکنت مملوکاً فأعتقنی الله عزّ ذکره بمحمد (صلّى الله علیه وآله)، هذا نسبی، وهذا حسبی، فقال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): یا معشر قریش إن حسب الرجل دینه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، قال الله عزّ وجلّ: (إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاکُمْ)(12)، ثم قال النبی (صلّى الله علیه وآله) لسلمان: لیس لأحد من هؤلاء علیک فضل إلا بتقوى الله عزّ وجلّ، وإن کانت التقوى لک علیهم فأنت أفضل. (13)
وکانت هذه السیاسة منه طامّة کبرى حرفت مسار الإسلام عن طریقه المستقیم، ولو أعطینا التأمل حقّه فی هذا الأمر لرأینا أن ما أحدثه عمر من التمایز والتفاضل بین المسلمین على أساس من اعتبارات محضة، لا واقع لها أو بإزائها، قد أوجد ثغرة کبیرة، وأحدثت ردّة فعل عنیفة راح ضحیّتها کثیر من المبادئ المشرقة، بل إن ذلک أوجد الخلاف والشقاق بین المسلمین أنفسهم، وما تمرّد المتمرّدین على أمیر المؤمنین (علیه السلام) إلا نتیجة طبیعة لهذه السیاسة التی أسّسها عمر بن الخطاب، وذلک لأنّ علیّا (علیه السلام) أراد أن یرجع بالناس إلى سیرة الرسول (صلّى الله علیه وآله) فأباها أکثرهم، وکان الخلاف والشقاق إذا اعترضوا عل أمیر المؤمنین (علیه السلام) لمساواته بینهم وبین عبیدهم، ومن یرون أن لهم شأناً، ذلک الشأن الذی غرسه عمر فی أنفسهم، ووافق هوى فی قلوبهم، فصدّقوا، وقد حلیت الدنیا فی أعینهم فأبوا الحقّ بل حاربوه.
ولذا فلیس من البعید القول بأنّ قتل عمر إنما هو نتیجة لسیاسته التی انتهجها وطبّقها على الناس من تفضیل العرب على غیرهم، فکان الساعی لحتفه بظلفه، وإن کانت المسألة فی واقعها أبعد من ذلک.
ولقد استشرت هذه السیاسة العمریّة، ولا سیّما فی العصر الأموی وما تلاه من العصور، لأنّها وافقت هوى بنی أمیّة الذین تباهوا بأصولهم العربیة حتى بلغ الأمر أن ألغی الإسلام، وکانت الجزیة تؤخذ ممن أسلم بحجّة أنّه إنّما أسلم هرباً من دفع الجزیة، فانطمست قیم الدین من نفوس الناس، ولم یبق من الإسلام إلا شکل لا یحمل محتوى، وأصبح هم القائمین على الأمر فرض سیطرتهم وسیاستهم على الناس فی معزل عن الدین، وأصبح الکتّاب والشعراء بعد ذلک یتغنّون بهذه الأمجاد الزائفة حیث یتشدّقون بأنّ الإسلام قد ضرب بأطنابه فی أقصى الشرق وأقصى الغرب وما علموا أنّ هذا الإسلام الذی یتحدّثون عنه إنما هو قشور خالیة من اللّباب(14)، ولذا تلاشى ذلک الإسلام عند أول وثبة من بعض أهل تلک المناطق، فعادت البلدان إلى کفرها بعد أن کانت بحسب الظاهر فی عداد البلاد الإسلامیة وأهلها فی عداد المسلمین.
إذن کانت هذه السیاسة خطیرة إلى حد کبیر، وقد تربّت علیها النفوس، وأصبح الذین یرون أنفسهم من سادة القوم أن الاقتران بالجواری عار لا یلیق بالأشراف.
ویدل على ذلک ما ورد من معاتبة عبد الملک بن مروان للإمام زین العابدین (علیه السلام)، واعتراضه علیه حین تزوّج بإحدى الجواری، فقد روى الکلینی بسنده عن یزید بن حاتم، قال: کان لعبد الملک بن مروان عین بالمدینة یکتب إلیه بأخبار ما یحدث فیها، وإنّ علی بن الحسین (علیهما السلام) أعتق جاریة ثم تزوّجها، فکتب العین إلى عبد الملک، فکتب عبد الملک إلى علی بن الحسین (علیهما السلام): أما بعد، فقد بلغنی تزویجک مولاتک، وقد علمت أنّه کان فی أکفائک من قریش من تمجّد به فی الصّهر، وتستنجبه فی الولد، فلا لنفسک نظرت، ولا على ولدک أبقیت، والسلام.
فکتب إلیه علی بن الحسین (علیهما السلام) أما بعد، فقد بلغنی کتاب تعنّفنی بتزویجی مولاتی، وتزعم أنه کان فی نساء قرش من أتمجّد به فی الصّهر، واستنجبه فی الولد، وأنه لیس فوق رسول الله (صلّى الله علیه وآله) مرتقىً فی مجد ولا مستزاد فی کرم، وإنّما کان ملک یمین خرجت متى أراد الله عزّ وجلّ منی بأمر التمس به ثوابه، ثم ارتجعتها على سنّة، ومن کان زکیّاً فی دین الله فلیس یخیلّ به شیء من أمره، وقد رفع الله بالإسلام الخسیسة، وتمّم به النقیصة، وأذهب به اللّؤم فلا لؤم على امرئ مسلم، وإنّما اللؤم لؤم الجاهلیّة، والسلام.
فلمّا قرأ الکتاب رمى به إلى ابنه سلیمان، فقرأه فقال: یا أمیر المؤمنین لشدّ ما فخر علیک علی بن الحسین (علیهما السلام)، فقال: یا بنی لا تقل ذلک، فإنّه ألسن بنی هاشم التی تفلق الصخر، وتغرف من بحر، إنّ علی بن الحسین (علیهما السلام) یا بنیّ یرتفع من حیث یتّضع الناس.(15)
وعرض بعض المحقّقین صوراً من هذه السیاسة الهوجاء التی اتبعها الحکّام فی احتقار کل من هو غیر عربی فقال: لقد أمر الحجّاج أن لا یؤم فی الکوفة إلا عربی..، وقال لرجل من أهل الکوفة: لا یصلح للقضاء إلا عربی. کما طرد غیر العرب من البصرة والبلاد المجاورة لها، واجتمعوا یندبون: وا محمدا وا محمدا، ولا یعرفون أین یذهبون، ولا عجب أن ترى أهل البصرة یلحقون بهم ویشترکون معهم فی نعی ما نزل بهم من حیف وظلم.
بل لقد قالوا: لا یقطع الصلاة إلا حمار، أو کلب، أو مولى.
وقد أراد معاویة أن یقتل شطراً من الموالی عندما رآهم کثروا، فنهاه الأحنف عن ذلک.
وتزوّج رجل من الموالی بنتاً من أعراب بنی سلیم، فرکب محمد بن بشیر الخارجی إلى المدینة، ووالیها یومئذ إبراهیم بن هشام بن إسماعیل، فشکا إلیه ذلک، فأرسل الوالی إلى المولى، ففرّق بینه وبین زوجته، وضربه مائتی سوط، وحلق رأسه وحاجبه ولحیته، فقال محمد بن بشیر فی جملة أبیات له:
قضیت بسنّة وحکمت عدلاً***ولم ترث الخلافة من بعید
ولم تفشل ثورة المختار إلا لأنّه استعان فیها بغیر العرب، فتفرّق العرب عنه لذلک.
ویقول أبو الفرج الأصفهانی: .. کان العرب.. إلى أن جاءت الدولة العباسیة إذا جاء العربی من السوق ومعه شیء ورأى مولى دفعه إلیه فلا یمتنع.
بل کان لا یلی الخلافة أحد من أبناء المولّدین الذین ولدوا من أمّهات أعجمیّات.
وأخیراً فإن البعض یقول: إن قتل الحسین کان الکبیرة التی هوّنت على الأمویین أن یقاوموا اندفاع الإیرانیین إلى الدخول فی الإسلام.(16)
ونقل المرحوم السدی عبد الرزاق المقرّم فی کتابه مقتل الحسین (علیه السلام) عن أحمد أمین فی کتابه (ضحى الإسلام) قوله: الحق أنّ الحکم الأموی لم یکن حکماً إسلامیاً یسوّی فیه بین الناس، ویکافئ المحسن عربیّاً کان أو مولى ویعاقب المجرم عربیّاً کان أو مولى، وإنّما الحکم فیه عربی، والحکام خدمة للعرب، وکانت تسود العرب فیه النزعة الجاهلیة لا النزعة الإسلامیة.(17)
ولما کان أهل البیت (علیهم السلام) هم أئمة الدین، أردوا إظهار فساد هذه السیاسة بإجراء عملیّ، وبدأوا بأنفسهم، وهم إن لم یعطوا الفرصة لیمارسوا دورهم فی تطبیق تعالیم الدین إلا أنّهم لا یتخلّون عن أداء وظیفتهم مهما أمکن، لذلک اختاروا أمّهات الأولاد الجواری ـ مع ملاحظة سائر الشرائط ـ لیثبتوا أن لا فرق بین أحد من الناس، وأنّ ما وضع من الامتیازات لبعض دون بعض لم تکن بحسب المقاییس الإلهیة، وإذا کانت الظروف قد قهرت بعض أولئک النسوة فأصبحن یبعن فی أسواق الرقیق فلا یعنی ذلک أنّهن خالیات من الشرف والفضیلة، بل قد یکون العکس صحیحاً، فربّ جالیة أحاطتها العنایة الإلهیة لتکون قرینة للعصمة وأمّاً للمعصوم، وهذا ما حدث بالنسبة إلى أمّهات بعض الأئمة (علیهم السلام).
ولا یقاس بعد ذلک فضل هذه الجواری والإماء اللاتی أصبحهن أوعیة لحمل الإمامة بأیّ امرأة أخرى مّن لم تحظ بهذا الشرف العظیم وإن کانت من أرقى البیوتات العربیّة بحسب الظاهر.
الثالث: إن ممّا لا شک فیه أن رسالة النبی المصطفى (صلّى الله علیه وآله) هی الخاتمة الناسخة لجمیع الرسالات السابقة وهی الشاملة لکافّة البشر، فلا دین بعد دین الإسلام (إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(18) ولا نبیّ بعد النبی محمد (صلّى الله علیه وآله)، وإلى أن یرث الله الأرض ومن علیها.
وذلک من البدیهیات المسلمة التی لا مجال للنزاع فیها، وأیّدت ذلک الأدلّة والبراهین.
وقد اقتضت الحکمة الإلهیة أن یبقى هذا الدین محفوظاً وإن رحل النبی (صلّى الله علیه وآله) إلى الرّفیق الأعلى، وقد أوکلت مهمّة حفظ الدین إلى ذریّة النبی (صلّى الله علیه وآله) وعترته، وهم ورّاث علمه ومقامه الأئمة الاثنا عشر أوّلهم أمیر المؤمنین (علیه السلام)، وآخرهم الحجة بن الحسن العسکری (علیه السلام)، وعلى ذلک قامت الأدلة والبراهین أیضاً.
ونتیجة ذلک أنّه کما أنّ نبوة النبی (صلّى الله علیه وآله) عامّة شاملة، فکذلک إمامة الأئمة (علیهم السلام) عامة وشاملة، ومعنى ذلک أن إمامة الأئمة (علیهم السلام) لیست مقتصرة على مجتمع معیّن أو عنصر معیّن، أو فئة من الناس معینة، فکما أن النبی (صلّى الله علیه وآله) بعث للأبیض والأسود على السواء، فکذلک إمامة الأئمة (علیهم السلام) لکافة الناس.
ومن هنا یتّضح لنا وجه آخر فی اقتران بعض الأئمة (علیهم السلام) بنساء غیر عربیّات بل من قومیّات أخرى کالفارسیة أو الرّومیة أو غیرهما، وقد وردت الرّوایات الدالّة على ذلک. فإنّ أم الإمام السجاد (علیه السلام) کانت من أصل فارسی(19)، وکانت أم الإمام الکاظم (علیه السلام) من أشراف الأعاجم(20)
وکانت أم الإمام الرضا (علیه السلام) من أهل المغرب(21)، وکانت أم الإمام الجواد (علیه السلام) من أهل النوبة من قبیلة ماریة القبطیّة أما إبراهیم ابن رسول الله (صلّى الله علیه وآله)، وکانت أفضل نساء زمانها، وأشار إلیها رسول الله (صلّى الله علیه وآله) بقوله: بأبی ابن خیر الإماء النوبیّة الطیّبة(22)، وکانت أم الإمام الهادی (علیه السلام) مغربیّة، ولم یکن لها مثیل فی الزهد والتقوى(23)، وکانت أمّ الإمام الحسن العسکری فی بلدها من الأشراف فی مصاف الملوک(24)، وکانت أم الإمام الحجة بنت قیصر ملک الروم، وأمّها من ولد الحواریین، وتنسب إلى وصیّ المسیح شمعون.(25)
والذی نود أن نشیر إلیه فی هذا الوجه أن الإمامة لمّا کانت عامّة وأن الإمام إمام لکل الناس على شتى اختلاف أعراقهم وأصولهم انحدر بعض الأئمة من جهة أمّهاتهم من أصول غیر عربیّة لیکون ذلک علامة بارزة على عالمیّة إمامتهم، وشمولها لجمیع أهل الأرض، وأنّ لکل من السلالات البشریة طرفاً یوصلها بهذا الدین الإلهی العظیم، وتلک حکمة بالغة ولطف عام لکل البشر، وأما العروبة فلیس لها خصوصیّة فی حدّ ذاتها من حیث هی (إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاکُمْ)
ولعلّ هناک سرّاً آخر ینطوی تحت هذا الوجه قد تکشف عنه الأیام نورده کاحتمال لیس إلا، إذ لا نملک دلیلاً قاطعاً علیه، وإن کان فی نفسه غیر بعید، وحاصله: أن الإمام المهدی الموعود به على لسان النبی (صلّى الله علیه وآله)، ونطق بذلک القرآن الکریم، وأکّدت علیه الروایات المتواترة عن أهل البیت (علیهما السلام) سیکون له الشأن العظیم فی إعلاء کلمة الله تعالى، وسیملأ الأرض قسطاً وعدلاً کما ملئت ظلماً وجوراً، وسیقوم بأداء مهمّته فی أغلب أحواله بشکل طبیعی، وإن کان یأتی بالمعجزة والکرامة تأییداً من الله تعالى، ولا شکّ أن تلک مهمّة شاقّة کما شرحتها الرّوایات والآیات.
وإذا کانت أم الإمام المهدی (علیه السلام) تنحدر من سلالة أحد أوصیاء عیسى ابن مریم (علیهما السلام) فما یدرینا.. لعلّ فی ذلک تمهیداً وتسهیلاً لإنجاز مهمّة الإمام (علیه السلام) فی خضوع النصارى والکفّار وتسلیمهم له نظراً إلى أن أجداده لأمّه منهم، فیحرّک فی نفوسهم الجانب العاطفی للرّحم القائمة بینه وبینهم، الأمر الذی یختصر علیه کثیراً من الأمور وینجزها فی سهولة ویسر.
على أن ذلک أحد أسباب اللطف العام بأولئک النصارى حیث یکونون على مقربة من الهدایة والنجاة.
وبعد هذا نقول: عن أم السیدة فاطمة المعصومة هی أم الإمام الرضا (علیه السلام)، وقد اجتمعت فیها الکمالات والفضائل التی أهّلتها لأن تکون أمّاً لولی الله (علیه السلام) وحاضنة لکرمیة أهل البیت (علیهم السلام)، ولم تسعفنا الروایات الواردة فی تاریخ مراحل حیاتها إلا بالنّزر القلیل، وإن کان یکشف عن جلالة قدرها ورفعة مقامها، فقد ورد فی بعض الرّوایات أنّها کانت تعیش فی بیت الإمام الصادق (علیه السلام) قبل اقترانها بالإمام الکاظم (علیه السلام)، وکانت جلیلة ذات عقل ودین(26)
روى الصدوق بسنده عن علی بن میثم أنه قال: اشترت حمیدة المصفّاة ـ وهی أم أبی الحسن موسى بن جعفر (علیهما السلام) ـ وکانت من أشراف العجم ـ جاریة مولّدة واسمها تکتم، وکانت من أفضل النساء فی عقلها ودینها وإعظامها لمولاتها حمیدة المصفّاة، حتى أنّها ما جلست بین یدیها منذ ملکتها إجلالاً لها.
وکانت علائم الجلالة والنجابة تلوح منها حتى شهدت بذلک مولاتها حمیدة المصفّاة على ما یروی الصدوق، فقد روى أن حمیدة قالت لابنها موسى (علیه السلام): یا بنی إن تکتم جاریة ما رأیت جاریة قطّ أفضل منها، ولست أشکّ أن الله تعالى سیطهّر نسلها، إن کان لها نسل، وقد هبتها لک فاستوص بها خیراً.(27)
ولا شک أن الحیاة فی بیت الإمام الصادق (علیه السلام)، فی حد ذاتها کافیة فی تأسیس حیاة هی أفضل ما تکون، حیث منبع الطهر والعفاف والقداسة والکمال، فإذا انضمّ إلى ذلک الاستعداد التام کانت النتیجة هی بلوغ الغایة الممکنة، فی الکمال والاستقامة.
وقد انعکس ذلک على حیاة السیدة تکتم، فکانت من أهل العبادة والتهجّد، فإنّها لما أنجبت الرضا (علیه السلام) وکان کلما تصفه الروایات یرتضع کثیراً، وکان تامّ الخلقة، قالت: أعینونی بمرضعة، فقیل لها: أنقص الدرّ؟ فقالت: لا أکذب، والله ما نقص، ولکن علیّ ورد من صلاتی وتسبیحی وقد نقص منذ ولدت.(28)
وفی ذلک دلالة على عظمة هذه المرأة، ومدى تعلّقها بالله تعالى وارتباطها به، ولا شک أن لذلک تأثیراً على ما ینحدر منها من نسل.
تنبیه
قد تقدّم أن الإمام الکاظم (علیه السلام) هو الذی اشترى السیدة تکتم حیث بعث هشاماً لابتیاعها له، ومرّ آنفاً أن حمیدة المصفّاة أم الإمام الکاظم (علیه السلام) هی التی اشترتها وظاهر ذلک هو التنافی.
ولکن یمکن الجمع بین الروایتین بأن یقال: إن الإمام الکاظم (علیه السلام) اشتراها جاریة لأمّه فمکثت عند أمّه مدّة، ثم وهبتها أمّه إلیه، وبذلک یرتفع التنافی بین الروایتین.
وعلى أی تقدیر فقد ذکرت الروایات أن السیدة تکتم کانت ذات حظوة عند الإمام (علیه السلام)، وموضع عنایته، فإنّها لما ولدت له الرضا (علیه السلام) سمّاها الطاهرة.(29)
وکان لها عدّة أسماء منها: تکتم، ونجمة، وأروى، وسکن، وسمانة، وأمّ البنین، وقیل: خیزران، وصقر، وشقراء.(30)
تعدد الأسماء
ومما یناسب المقام الإشارة إلى ظاهرة تعدد أسماء الجواری والعبید، والملاحظ أن لأمهات الأولاد عدّة أسماء، فإن لأم الإمام الرضا (علیه السلام) کما مرّ عشرة أسماء، ولغیرها من أمهات الأئمة (علیهم السلام) عدّة أسماء، وهی ظاهرة تثیر الالتفات، ووراءها حکمة لعلّنا نستطیع استجلاءها من خلال ما تسعفنا به المصادر التی تناولت هذه الظاهرة أو أشارت إلیها.
ونقول: إن لهذه الظاهرة أصلاً شرعیاً، فقد ورد النص بذلک، واستفاد الفقهاء منه استحباب تغییر اسم العبد أو الجاریة، أما النص فهو ما رواه الکلینی فی الکافی بسنده عن ابن أبی عمیر (عن رجل) عن زرارة، قال: کنت جالساً عند أبی عبد الله (علیه السلام)، فدخل علیه رجل، ومعه ابن له، فقال أبو عبد الله (علیه السلام): ما تجارة ابنک؟ فقال: التنخّس، فقال له أبو عبد الله (علیه السلام): لا تشتر شیناً ولا عیباً، وإذا اشتریت رأساً فلا ترینّ ثمنه فی کفة المیزان، فما من رأس یرى ثمنه فی کفة المیزان فأفلح، وإذا اشتریت رأساً فغیّر اسمه وأطعمه شیئاً حلواً إذا ملکته، وتصدق عنه بأربعة دراهم.(31)
قال المحقق فی الشرائع: ویستحبّ لمن اشترى مملوکاً أن یغیّر اسمه.(32)
وقال العلامة فی القواعد: ویستحبّ لمن اشترى مملوکاً تغییر اسمه وإطعامه حلواً والصّدقة عنه بشیء.(33)
وقال فی التذکرة: یکره للرجل إذا اشترى مملوکاً أن یریه ثمنه فی المیزان، ویستحبّ له تغییر اسمه، وأن یطعمه شیئاً من الحلاوة، وأن یتصدّق عنه بأربعة دراهم.(34)
وقال صاحب الحدائق: ومنها أنّه یستحبّ لمن یشتری مملوکاً أن یغیّر اسمه، وأن یطعمه شیئاً من الحلو، وأن یتصدّق عنه بشیء.(35)
وغیرها من الأقوال الکثیرة الدالّة على ذلک، والتی یظهر منها الاتفاق على هذا الحکم، وإن کان أمراً استحبابیّاً.
ویبدو الجانب الأخلاقی واضحاً فی هذا الحکم، فإن للرقیّة واستعباد الإنسان لأخیه الإنسان - وصیرورته آلة لا یملک من أمره شیئاً - آثاراً سیئة خطیرة.
ولم تکن الرّقیة تشریعاً إلهیّاً، ولیس فی الإسلام حکم بمشروعیة الاسترقاق الابتدائی، وإنّما کان الرّق نظاماً سائداً بین الناس قبل الإسلام فی الأمم السابقة.
ولمّا جاء الإسلام کان هذا النظام قائماً بین الناس فأقرّه ووضع له أحکاماً خاصّة من شأنها القضاء علیه قضاءً تامّاً فی معالجة حکیمة لهذه المسألة المهمّة.
وفی الأحکام الجزائیة التی وضعها الإسلام عند المخالفات الشرعیة أکبر شاهد على ذلک، إضافة إلى ما ندب إلیه الدین، ورغّب فیه، ووعد علیه الثواب ونیل الدرجات، وإثارة الشعور الإنسانی وتحریک الجانب العاطفی عند الأحرار نحو العبید الذین قهرتهم ظروف معینة أصبحت فیها أمورهم وشؤونهم بأیدی غیرهم.
هذا غیر ما فتحه الإسلام من أبواب تمکّن العبد من الدخول فیها للانطلاق من قید الرقیّة، فإن لذلک دوراً آخر ساهم فی القضاء على هذه المشکلة.
نعم سوّغ الإسلام الاسترقاق فی حالة واحدة، ولیست هی أمراً ابتدائیاً کما ذکرنا، وهی ما ذکرته المصادر الفقهیّة من جواز الاسترقاق فی حالة الحروب بین المسلمین وبین غیرهم من الملل الکافرة، ولکن على ضوء شرائط معینة، فی حالات خاصّة، وقد تکفّلت الکتب الفقهیّة ببیان ذلک ضاربة بذلک أروع المثل الأخلاقیة.
وإنّما ساغ ذلک لأنه عمل جزائی لوقوفه فی مواجهة الإسلام ومحاربته، وقد کان فی معرض القتل، ألا أنّه لمّا وقع أسیراً کان جزاؤه أن یسترقّ، وفی ذلک تخفیف وامتنان علیه، على أن هناک حلولاً ذکرت فی الفقه تعالج حالة الاسترقاق یتمکّن من خلالها الخروج من هذه الحالة.
ومن ذلک یظهر أنّ الاسترقاق لیس مقصوداً فی الشرع لذاته، ولا غرضاً من أغراضه، وإنّما هو أمر استثنائی وظرف طارئ اقتضى ذلک، ولسنا فی مقام دراسة هذه الناحیة، وتکفینا هذه الإشارة الإجمالیة التی یتضح من خلالها عظمة الإسلام وسموّ أحکامه وشرف مقاصده ونبل أهدافه.
ثم نقول: إن هذا الإنسان الذی قهرته الظروف فجعلت منه آلة لا یملک من أمره شیئاً، یمرّ بمعاناة وآلام نفسانیة خطیرة، وتعتصره المرارة حیث یرى نفسه عبداً حقیراً یستعبده غیره، ممّن قد یکون دونه شرفاً ومکانة فتنهدم معنویّاته وتنسدّ فی وجهه الآمال والأحلام، وربّما ینتقل من ید تصفع إلى أخرى تلطم، وهکذا یعیش محطّماً قد ارتبط مصیره بأیدی الباعة والنخّاسین.
ومن هنا تتجلّى الحکمة فی استحباب تغییر اسمه عند الشّراء لأنّه بذلک یبدأ حیاة جدیدة ینسى فیها ماضیة البائس، وأیّامه السوداء، وفی ذلک إعانة له على نسیان أو تناسی عهده السابق وتخفیف لآلامه ومعاناته.
وفی إطعامه الحلو دلالة أخرى: فإنّ فیها إشعاراً ببدایة عهد جدید لا مرارة فیه، وهکذا فی التصدّق عنه بشیء.
وأمّا کراهة أن یرى ثمنه فهی أوضح دلالة وأجلى بیاناً فی مراعاة الشعور وحفظ الکرامة الإنسانیة التی دأب الإسلام على مراعاتها والحفاظ علیها فی جمیع الأحوال والظروف.
ولسنا نقول: إنّ ما یعانیه هذا الإنسان من الهوان دائمی التحقق والوقع، وإنّما هو مقتضى طبیعة الاسترقاق وشأنه، وإلا فقد ینتقل المملوک من ید رحیمة إلى ید أرحم، ومن عطف إلى ما هو أشد عطفاً وشفقة وحنواً، وربما کانت سعادة امرئ أن یعیش مملوکاً لا أن یعیش طلیقاً، وفی ما یذکره التاریخ من قصة زید بن حارثة حیث فضّل الحیاة مع رسول الله (صلّى الله علیه وآله) على الحیاة مع أبیه حتى بلغ الأمر أن تبنّاه النبی (صلّى الله علیه وآله) فکان یدعى زید بن محمد بعد أن تبرّأ منه أبوه إلى أن نزل قوله تعال: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ)(36)
وفی ما حدّث به التاریخ من سیرة أمیر المؤمنین (علیه السلام) وأولاده مع ممالیکهم شواهد تدلّ على أنّ ما ذکرناه لیس مطّرداً وفی جمیع الأحوال، فإن کثیراً من أولئک العبید والجواری قد بلغوا مبلغاً من العلم والفضیلة والشّرف انحنى لهم التاریخ إجلالاً لمقامهم واعترافاً بسموّ ذواتهم، وإکباراً لعظمتهم، لأنّهم حلّوا بقلوب عطوفة، ونفوس رحیمة، وعقول ناضجة مدبّرة، مکّنتهم من تسنّم أرقى الدرجات.
إذن فتغییر الاسم یکشف عن حکمة بالغة أراد منها الشّرع أن یخفّف من شیء من المعاناة التی قد ینالها من قهرته الظروف فساقته إلى سوق الرقیق.
ومن المحتمل أن یکون تعدّد الأسماء للشخص الواحد لکونها تتضمن معانی وإشارات إلى خصائص المسمّى، وهذا الأمر نقف علیه فی کثیر من الناس أحراراً کانوا أو عبیداً، فإن لرسول الله (صلّى الله علیه وآله) أکثر من اسم یحمل أکثر من معنى وأکثر من لقب کذلک، کما للأئمة (علیهم السلام) وللصدّیقة الزهراء (علیها السلام)، وکان ذلک محل عنایة من الآداب الشرعیة التی لم تغفل هذا الجانب فرغّبت فی اختیار الاسم الحسن واللقب الحسن والکنیة الحسنة.
ومن المحتمل أیضاً أن تعدد الأسماء لم یکن عن شیء من ذلک ولا سیّما فی العبید والجواری، إذ لا یعیشون حیاة مستقرّة، ولا یهمّ البائع أو المشتری اسم سلعته، فیضع بإزائها اسماً ما لمجرّد التمییز، فتجتمع عدة أسماء للشخص الواحد نتیجة ذلک.
ولعلّ هناک وجوهاً أخرى لم ندرکها بعد وراء تعدّد الأسماء، إلا أن فی ما ذکرناه قد یکشف بعض الوجه فی تعدّد أسماء أمّهات الأئمة (علیهم السلام).
وبذلک لا نحتاج إلى تکلّف البحث عن المعنى الاشتقاقی لمعنى الاسم وتطبیق المعنى المناسب على المسمّى کما حاول بعضهم(37) أن یوجد المناسبة ولو کانت بعیدة لیستنتج الوجه فی التسمیة.
وإنّما لا نحتاج إلى ذلک لأنّنا لا نعلم الواضع لهذه الأسماء، لنلتمس الوجه اللائق فی التسمیة بالاسم المعین، نعم إذا کان الواضع معروفاً وهو عالم بمدالیل الألفاظ قاصداً لمعانیها فلابد من حمل کلام الحکیم على ما یناسبه من المعانی، صیانة لکلامه عن اللّغو، قد مرّ أن الإمام الکاظم (علیه السلام) أطلق اسم الطاهرة على السیدة تکتم بعد أن أنجبت الإمام الرضا (علیه السلام).
فهذه التسمیة منه (علیه السلام) تکشف عن معنى عظیم فی المسّمى صدر من المعصوم فی شأن أمّ المعصوم، وهو العالم بحقائق الأمور الذی یضع الأشیاء فی مواضعها، وهو نظیر ما ورد عن أبی جعفر محمد بن علی الباقر (علیهما السلام)، فقد جاء فی کتاب الکافی أنّه (علیه السلام) لما بعث من یشتری حمیدة أمّ الإمام الکاظم (علیه السلام) وجیء بها إلیه، قال لها: ما اسمک؟ قالت: حمیدة، فقال (علیه السلام): حمیدة فی الدنیا محمودة فی الآخرة.(38)
فإنّه وإن لم تکن التسمیة منه (علیه السلام) إلا أنّه إقرار لها وإمضاء منه، بل فسّره (علیه السلام) بتفسیر یکشف عن معنى عظیم فی هذه المرة الطاهرة، وقد وصفها الإمام الصادق (علیه السلام) کما فی الکافی بقوله: حمیدة مصفّاة من الأدناس کسبیکة الذهب، ما زالت الأملاک تحرسها حتى أدّیت إلیّ کرامة من الله لی، والحجّة من بعدی.(39)
وبناء على هذا لبقیة الأسماء إن کانت على الوجه الذی ذکرناه فهو، وإلا فلا داعی للتکلّف فی التماس معنى مناسب فإنّ بعض ما ذکر من المعانی وتطبیقه علیها بعید جداً.
والى هنا تبیّن أن أمّ الإمام الرضا (علیه السلام) والسیدة فاطمة المعصومة (علیها السلام) من سیدات النساء، وقد بلغت من الشّرف والفضل والطّهر والعفاف والکمال أعلى المراتب وأرفع الدّرجات، حتى أصبحت قرینة المعصوم وأمّاً للمعصوم. فسلام الله علیها وتحیّاته وبرکاته.
 
المصادر :
1- عیون أخبار الرضا: ج1، ص17-18.
2- منتهى الآمال: ج2، ص406.
3- کتاب الغیبة، ص208-210.
4- سورة الحجرات: 13.
5- مجمع البیان: ج9، ص138.
6- بحار الأنوار: ج22، ص326.
7- سورة المسد: 1-3.
8- سورة آل عمران: 195.
9- سورة آل عمران: 10.
10- تفسیر القرآن العظیم: ج1، ص357.
11- الإمام الحسین (علیه السلام)، ص232-233.
12- سورة الحجرات: 13.
13- الروضة من الکافی، الحدیث 203، ص181-182
14- الشهاب الثاقب فی بیان معنى الناصب، ص59-67.
15- الفروع من الکافی: ج5، کتاب النکاح، باب آخر منه الحدیث 4، ص344.
16- الحیاة السیاسیة للإمام الرضا (علیه السلام)، ص26-27.
17- مقتل الحسین (علیه السلام)، هامش ص27.
18- سورة آل عمران: 19.
19- الأنوار البهیة، ص107.
20- الأنوار البهیة، ص179.
21- عیون أخبار الرضا: ج1، ص18.
22- منتهى الآمال: ج2، ص523.
23- منتهى الآمال: ج2، ص591.
24- منتهى الآمال: ج2، ص649.
25- منتهى الآمال: ج2، ص695.
26- منتهى الآمال: ج2، ص405.
27- عیون أخبار الرضا: ج1، ص15.
28- عیون أخبار الرضا: ج1، ص15.
29- عیون أخبار الرضا: ج1، ص15.
30- منتهى الآمال: ج2، ص404-405.
31- الفروع من الکافی: ج5، باب شراء الرقیق، الحدیث 14، ص212.
32- شرائع الإسلام: ج2، ص58.
33- قواعد الأحکام، ص130.
34- تذکرة الفقهاء: ج2، ص500.
35- الحدائق الناضرة: ج19، ص417.
36- مجمع البیان فی تفسیر القرآن: ج7، ص335-337.
37- کریمة أهل البیت (علیهم السلام) (فارسی) ص83-86.
38- الأصول من الکافین ج1، باب مولد أبی الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام). الحدیث 1، ص477.
39- الأصول من الکافی: ج1، باب مولد أبی الحسن موسى (علیه السلام) الحدیث 2،ص477



 

 

ارسل تعليقاتك
با تشکر، نظر شما پس از بررسی و تایید در سایت قرار خواهد گرفت.
متاسفانه در برقراری ارتباط خطایی رخ داده. لطفاً دوباره تلاش کنید.
Wednesday, January 22, 2014
الوقت المقدر للدراسة:
المزيد من العناصر