الشيعة في لبنان


لقد تعاقب على لبنان في مرحلة ما قبل الاستقلال سلطات متعاقبة ودول وممالك، وكان لكل سلطة أو نظام علاقة مع مكونات الاجتماع المستوطن الأرض المسماة لبنان وهذه العلاقة بإيجابيتها وسلبيتها كانت تحكم الهجرات الداخلية والخارجية للتجمعات الطائفية. ومن الخصوصيات المشتركة للسلطات المتعاقبة أنها كانت تلحظ مواقع القوة الداعمة للطوائف فتأخذها بعين الاعتبار في سلوكياتها تجاه كل طائفة. وكان ديدن كل طائفة في لبنان أن تحتمي بقوة إقليمية أو عالمية من أجل أن تنأى بنفسها عن التجزير والتقتيل والتشريد إلا الطائفة الشيعية التي لم يكن لها داعم أقليمي أو دولي في الأزمنة الغابرة مما سبب لها كل صنوف القتل والتشريد والتهجير، وذلك إما على يد السلطة القائمة أو على يد قوة مدعومة من السلطة القائمة أو على يد قوة مدعومة من قوة نافذة ومؤثرة على السلطة القائمة.
بحيث إن الطائفة الشيعية تعرضت لصنوف الاضطهاد المتعاقب الذي لولا سنة الدفع والتدافع وسنة حماية الحق في أهله لكان الشيعة في معرض الانقراض أو التعديل في الانتماء المذهبي على نحو شامل(حصل على نحو متفرق) أو الهجرة شبه الكاملة من لبنان.
وفي كل المراحل لم يتقوَّ الشيعة على شركائهم في الوطن بأي قوة خارجية، وحتى اللحظة الأخيرة، فحين أفاد الشيعة من الوجود السوري في لبنان ليس لأنهم سبب لوجود السوري في لبنان بل كان مما ترتب على هذا الوجود تقوية مواقع الشيعة.
وعلى العكس من مسألة التقوي بالخارج فإن الشيعة دفعوا ضريبتين:
الأولى: التسلط والاستبداد والطغيان والاضطهاد.
الثانية: المقاومة المباشرة أو غير المباشرة للإحتلال والاستعمار والانتداب.
وبقيت الطائفة الشيعية تدفع هاتين الضريبتين حتى زماننا الحاضر حيث تحول الاستبداد الى حرمان وإهمال وإغفال لمناطقهم وتجمعاتهم وتحول الاحتلال الى عدوان فعلي مباشر متواصل طالت آثاره كل الوطن لكن على نحو خاص المناطق ذات الاغلبية الشيعية فاستنهضهم دينهم وثقافتهم وكذا حبهم للوطن وتمسكهم بالأرض من أجل المقاومة للدفاع عن لبنان حتى حققوا الانجازات الكبرى لكل لبنان ولكل لبناني حتى بات لبنان يعرف بالبلد الذي قاوم الاحتلال وانتصر عليه.
فالشيعة عندما كانوا ضعفاء، مستضعفين، مشردين، كانوا يدافعون عن لبنان، والشيعة عندما كانوا متوسطي الحال والأوضاع دافعوا عن لبنان، ومن باب أولى بعد أن يدافعوا عن لبنان بعدما أصبحوا أقوياء وها هم في حرب تموز يدفعون ضريبة الدم العظيمة لصيانة البلد وحمايته.
اذاً لم ينتظر الشيعة من الوطن الذي انتموا اليه حق الانتماء أن يوفر أسباب الكرامة والعيش بل هم الذين انبروا لتحقيق الكرامة لهذا الوطن ولم يضرهم أن سلطاته وحكوماته المتعاقبة أهملتهم فإنهم عندما حققوا العزة لم يحجبوها عن مناوئيهم ومضطهديهم فكانوا بذلك أفضل مصداق للوطنيين وللإنتماء الحق الى الوطن.

هل للشيعة مشروعهم الخاص في لبنان

إن الشيعة وفي السياق التاريخي والأحداث والتطورات كانوا مناضلين من أجل الوصول الى حقوقهم كمواطنين، ومن كان حاله كذلك كيف يمكنه أن ينشىء المشروع الخاص ؟!
كما ان التطورات التي عصفت بلبنان وتحديداً موضوع تهجير عدد كبير من الفلسطينين إليه ونشوء المقاومة الفلسطينية مع ما ترتب على ذلك من الناحيتين السياسية والأمنية على البلد عموماً وعلى الجنوب على نحو خاص رتب استحقاقات خاصة على الشيعة كمجتمع داخل الكيان اللبناني حيث باتت مناطقهم عرضة للاعتداءات الاسرائيلية المتكررة ولنشاط المقاومة بفصائلها المتعددة والتي تتبع جهات ذات أهداف سياسية خاصة، كما أن مناطقهم في الأساس كانت تعاني من مشاكل الاهمال والحرمان، كل ذلك جعل الشيعة أمام تحديات مصيرية تطال البلد وتطالهم على وجه خاص، فنهضوا في المرحلة الأولى بقيادة الإمام موسى الصدر من أجل مهمتين كبيرتين:
مقاومة الاحتلال
مقاومة الإهمال
وبعد قيام الثورة الاسلامية في إيران وفي لحظة تاريخية بالغة الحساسية تمثلت بالاجتياح الاسرائيلي للبنان والذي كان يهدف الى صهينة لبنان وإدخاله في المشروع الاميركو -اسرائيلي في المنطقة، في هذه اللحظة التاريخية واستكمالاً لمهمتي المقاومة ورفع الاهمال،
ولكن مع تصدر لأولوية المقاومة العسكرية للاجتياح، كان نشوء حزب الله كمقاومة ثم كتنظيم ومؤسسات. وانتقل الشيعة بفعل هذا الناشىء الجديد الى مرحلة متطورة من الفعل والقوة والتأثير والتحكم. لكن المتأمل في كل ما حصل يجد أن الشيعة كانوا في موقع ردة الفعل الذي فرض عليهم قيامهم ونهوضهم ومقاومتهم ولم يصنعوا هم هذا الواقع بأنفسهم ولم يكونوا بصدد التخطيط لإنتاج مشروع خاص وكانت المقاومة هي الأداة لهذا المشروع بل إن هذه المقاومة كانت معلولاً للاحتلال، وكان تطور أدائها وقوتها وسلاحها بفعل المهمة الشاقة للمواجهة الشرسة مع العدو المتغطرس.
من هنا فإن الحديث عن الدولة داخل الدولة هو محاولة للتهرب من المسؤوليات الملقاة على عاتق الدولة في المقاومة والتنمية، فالشيعة قاوموا لأن الدولة كانت عاجزة مفككة والشيعة أنشأوا مؤسساتهم المدنية (الاجتماعية، التربوية...) الخاصة لأن الدولة أهملتهم وغضت الطرف عن احتياجاتهم ومتطلبات حياتهم كمواطنين، فبات الشيعة ومن يمثلهم مجتمعاً مدنياً متفوقاً وناشطاً في ظل نظام ضعيف وقاصر. والسؤال يجب أن يتحول الى الجهات الطائفية الأخرى التي أنشأت مؤسساتها الخاصة بالرغم من إمساكها بمؤسسات الدولة وبالرغم من تجيير إمكانات الدولة لمصالحها فهذه الجهات هي الأكثر اتهاماً بالمشاريع الخاصة الفئوية. واذا عدنا الى المشروع الخاص، فيمكننا التحدث عن ذلك بدءاً من تحول الشيعة الى قوة قادرة على إنتاج المشروع الخاص، فما هو هذا المشروع ؟..
إن الشيعة في لبنان يشكلون مجتمعاً يغلب عليه الطابع الديني المنتمي الى نهج اسلامي عملي ينشطون في سبيل تجسيده وتظهير التزامهم به من خلال قيامهم بالواجبات الدينية الملقاة على عاتقهم، من هنا كانت مقاومتهم للاحتلال واجباً يمثل فريضة الجهاد التي هي أحد فروع دينهم وعقيدتهم، لكن هذا الجهاد يخدم في الدفاع عن الأمة في صراعها مع أعدائها ويخدم في حماية الوطن من العدو الطامع في أرضه ومياهه وخيراته. فعندما يقوم المجاهدون بواجبهم من منطلق إيمانهم بالله عز وجل لا يعني ذلك انفصالهم عن الصراع القومي ولا عن الدفاع الوطني بل إنهم تمثلوا في ذلك بأقدس ما ينتمون إليه وهو الحق فلا ضير من إطلاق تسمية المقاومة العربية أو المقاومة اللبنانية على الفعل الجهادي الذي أرتأى أهله تسميته بالمقاومة الاسلامية.
ولمشروع المقاومة مفاعيل ومترتبات وآثار تطال الثقافة والتراث والتربية والأمن والسياسة والاقتصاد وكل أبعاد الحياة. فبعد أن قدمت المقاومة نموذجها الجهادي الطليعي لا يمكن عزلها عن معلولاتها وآثارها وأي محاولة في ذلك تكون مؤامرة على المقاومة وعلى ناتج الحق الذي تمثله وعلى الوطن وسيادته واستقلاله الحقيقيين.
اذاً يمكن الحديث عن المشروع المتكوّن عبر الصيرورة والسياق التاريخي بدءاً من التحول نحو المقاومة التي نشأت ثم تصاعدت ثم انتصرت، لكن هذا المشروع وبعد التملي في النظر إليه يتضح أنه مشروع الحق في قبالة الباطل، وليس مشروعاً فئوياً خاصاً. وأكبر دليل على ذلك هو الاستقطاب والانفعال مع هذه المقاومة التي لم تنحصر في الشريحة الطائفية والمذهبية الخاصة بالمقاومة بل تعدتها إلى الأطر الانتمائية الأخرى داخل لبنان وفي المحيط العربي وفي الأمة وعلى امتداد العالم، وبما انه مشروع حق وبما أن الانتماء الى الوطن والدفاع عنه وحمايته من الواجبات التي فرضها الحق، فإن التقاطع يصبح واضحاً بين مشروع الشيعة ومشروع الدولة (الوطن) حيث يكون هو نفسه وليس أمراً خاصاً لخدمة فئة الشيعة في لبنان.
فالدفاع عن الوطن حق والدفاع عن حقوق الأمة حق، والانتماءات إلى هذه العناوين في الصميم الفعلي لها هو انتماء الى الحق، لأن الإنسان في الأصل وبحسب الفطرة لا يمكنه أن يحصر نفسه في إطار زمان أو مكان ولا بدّ أن ينتمي الى الحق في سعته الوجودية ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.

لبنان المتمايز وأهميته للمشروع الحق

للحق معاييره ومؤشراته ومحدداته، فمن جملة محدداته رفض الظلم والوقوف مع المظلوم ونشر العدالة، رفض الطغيان والاستكبار، نشر الامن والسلام والطمأنينة في الناس وغير ذلك.
ومن الحقائق الملازمة للتاريخ الصراع بين الحق والباطل الساري في الزمن سريان الدم في عروق البشر بغض النظر عن حدة الصراع ورتابته.
ومن مشيئات القدر أن يكون لبنان من حيث الموقع الجيو – استراتيجي في المكان الذي يحتم عليه وعلى ساكنيه التصدي لأحد عناصر الباطل في المنطقة المتمثل بالاحتلال الاسرائيلي لفلسطين مما جعله في موقع المجابهة مع الباطل أي في خندق الحق. فإذا ما انبرى أهل الحق في لبنان للتصدي لهذه المسؤولية فإنهم قاموا بذلك لإيمانهم بواجب الجهاد من جهة ولأن الأرضية اللبنانية تسمح لهم بذلك، هذه الأرضية القائمة على التعدد وعلى المسافة القائمة بين النظام والمجتمع وعلى هامش الحريات المتاحة ولولا ذلك لم تكفِ المسؤولية ولا الاحساس بها وبواجبها من أجل القيام بها وأدائها، بل إن موقع لبنان وخصوصياته وتمايزه كلها عوامل ساعدت على نشوء المقاومة وفي استمراريتها وفي تصاعدها وفي تحقيقها للانجازات (والتجارب التاريخية في المحيط والأمة شواهد على ما نقول).
وهذا يعني أن لبنان يمثل وطناً ويمثل الأرض الصالحة للحق في مشروعه، وعندما شكل لبنان هذه الحيثية فلكونه على هذه الشاكلة وعلى هذا النموذج، فلو قدر لنا أن نعيد صياغة لبنان وتركيبه من جديد، فإن متطلبات الحق في الأمد المنظور ومشروعه القائم تفرض هذا النموذج وهذا التركيب القائم، وإن العبث بلبنان كحدود أو مكونات ديموغرافية يمكن أن يطيح بتلك الأرضية الصالحة لنشوء مشروع الحق وبالتالي بالمشروع كله.
فإذا عدنا للحديث عن العلاقة بين قدسية الشيء ومدى ارتباطه بالانسان ومن ثم بالحق نجد أن لبنان الوطن، والجغرافيا، والنموذج القائم والخصوصيات له من الشرافة والقداسة بمدى ملاءمته وتوفيره للمناخ المؤاتي للحق في نموذجيته وفي قيامه وانتشاره، وبما أن لبنان بحدوده القائمة وتركيبته الحالية موائم للمشروع الحق فيجب علينا أن نحافظ عليه في الخصوصيات القائمة. ويكون لانتماء المؤمن إلى لبنان الوطن بعدان: أحدهما ما هو بالاعتبار المحض كانتماء أي شخص إلى وطنه على امتداد من العالم والثاني ما هو بالاعتبار المشوب بالحقانية لما يمثله لبنان الخاص من أرضية صالحة للقيام بأداء الواجب الحق.

المواءمة بين الانتماء الى ولاية الفقيه والانتماء الى الوطن لبنان

عندما أصبح الشيعة قوة فاعلة ومؤثرة في واقع المنطقة وفي الداخل اللبناني فإن العامل الأساسي هو امتثالهم نهج الامام الخميني قدس سره وإيمانهم والتزامهم ولاية الفقيه، تلك النظرية السياسية الحديثة لنظام حكم اسلامي معاصر والتي أسس الامام الخميني قدس سره وفق مبادئها جمهورية اسلامية حديثة ومعاصرة تعتمد الأصول الاسلامية وتلبي متطلبات العصرنة من احتضان العلم والعلماء والعمل من أجل التقدم والتطور والرفاه.
ومن خلال ولاية الفقيه أصبح للشيعة في لبنان ميزة إضافية، ليست انتماءً جديداً بل هي نفس انتمائهم الى الإسلام الأصيل، لكن الأمر الجديد هو التزام أحكام الولاية والذي قد يظهر منه أحياناً التباين والتنافي بين التزامين:
الف - التزام الأحكام الصادرة عن ولاية الفقيه
ب - التزام المهام المترتبة عن الانتماء للوطن (اي المصالح الوطنية وامتثالها).
وبما أن ولاية الفقيه هي الممثلة للنهج ذي الأولوية بحسب ما تقدم، فإن المتبادر الى الذهن هو تقدم حكم الولي على المصلحة الوطنية إلا مع توافقهما لأن التقديم لا يحصل إلا في حالة التزاحم والتباين. هذا من جهة المقابلة بين الالتزامين، ثم تعدت الاشكالية هذه المقابلة لتصل الى قضية نقل الولاية وتصديرها وتعميمها كنظام حكم إسلامي مع الاستفادة من القوة المتراكمة بفعل إنجازات المقاومة لإقامة جمهورية إسلامية على شاكلة ولاية الفقيه في لبنان.
ويرد على النقطة الأولى (أي تقديم حكم الولي الفقيه على المصلحة الوطنية اللبنانية) عدة إشكالات:
أ - ان الولي الفقيه عندما يحكم يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الزمانية المكانية وهي من شروط كونه فقيهاً ولياً، ولا بد أن يلحظ في هذا السياق ما يرتبط بخصوصيات لبنان الوطن وبما يحيط به وما يرتبط بموقعه على الخارطة الجيواستراتيجية للمنطقة. (أي أن لبنان الوطن بمكوناته وخصوصياته داخل في تشخيص موضوع الحكم وفي توجيه الحكم)
ب- ان الولي الفقيه عندما يحكم فإن مناطات الأحكام ترتبط بمصلحة الإسلام وليس بمصلحة إيران، ومصلحة الإسلام يجب بحسب المبدأ أن لا تتناقض مع المصالح الوطنية لأن في الحقانية ويشتركان بها. فالمنطق يفرض التمييز بين الأحكام الولائية ذات الموضوعات العامة وبين تلك التي ترتبط بأقطار معينة، حيث تدخل خصوصيات القطر في طبيعة الحكم، وفي هذا الأمر يتساوى لبنان مع إيران ومع باقي الدول، ولا يجب الخلط بين حكم الولي الفقيه الذي يلحظ مصلحة الحق في كل الأحوال مع لحاظ الخصوصيات المكانية في الحكم وبين المصلحة الخاصة لإيران كدولة إسلامية تنتظم وفق نظام ولاية الفقيه.
ج- ان المصالح العليا أياً تكن طبيعتها ومناشئها يمكن تقديمها على أنها مصالح وطنية كما هو الحال بالنسبة للدولة الإسلامية ذاتها حيث قد يظهر على نحو سطحي وجود تباين بين مصلحة إيران كدولة ومصلحة النظام الإسلامي والإسلام في مسألة ما. والحقيقة أن كل المصالح الحقيقية غير الشكلية هي مصالح وطنية ولو كانت طبيعتها قومية أو دينية. وكذلك الأمر بالنسبة للبنان، فهناك مصالح حقيقية يجب التباني عليها وعلى ضوئها يمكن الحكم على الأفراد بمدى محافظتهم أو مخالفتهم للمصالح الوطنية لكن أن تقوم كل فئة بتحديد مصالح وفقاً لرؤيتها ثم الإعلان عنها على أنها هي المصالح الوطنية ثم على ضوئها تريد كل فئة أن تحكم على الفئات الأخرى تبعاً للمصالح التي حددتها بالمواطنة والوطنية سلباً أو إيجاباً فهذا لا يمكن البناء عليه، وفيما خص لبنان على وجه التحديد فإن التنوع في الطوائف والمذاهب يلازمه تنوع في الرؤى حول المصالح الوطنية، وإن الجهة المتسلطة والحاكمة والنافذة تحاول أن تفرض رؤيتها حول المصالح الوطنية وتقدمها على أنها هي الفعلية والحقيقية وعلى الآخرين تبنيها وامتثالها والتغني بها، ولأجل ذلك نجد تهافتات كثيرة حول مفهوم الوطنية والوطنيين فكلهم يدعيها وكلهم يسلبها عن الآخرين.
وعلى سبيل المثال: كل اللبنانيين أو معظمهم يجمع على اعتبار عدم توطين الفلسطينيين مصلحة وطنية للبنان، لكن إذا سألت هؤلاء أو أكثرهم كيف يمكن الوصول إلى هذه المصلحة تجدهم غير معنيين بذلك، فإذا قلت لهم إن المقاومة وسلاحها شرط وعامل هام في تحقيق هذه المصلحة فإذا كان أحدهم مؤيداً للمقاومة قَبِلَ ذلك وإذا كان غير مؤيد لا يوافق على هذه المقولة، لأن المصلحة الوطنية حتى مع الإجماع عليها فإن النظرة إليها تبقى متفاوتة بين جهة وأخرى.
ونحن اذ نتحدث عن المقاومة في لبنان، فإن هذه المقاومة حتى في صراعها مع الكيان الغاصب خارج النطاق الجغرافي اللبناني هي مصلحة للبنان، لأن هذه المقاومة تفرض ردعاً على الكيان وتجعله يحسب ألف حساب لأي عدوان، ولأن هذه المقاومة لا تريح العدو وتجعله قلقاً وكذلك مجتمعه وتقلص من اندفاعة المستوطنين والمهاجرين وفي حال استطاعت أن تحقق إنجاز تحرير جديد فإنها تساعد على تأكيد حق العودة وعلى عدم التوطين أي على تحقيق مصلحة وطنية عليا.
كما ترد على الأمر الثاني (مسألة تعميم تجربة ولاية الفقيه واقامة الحكم الاسلامي) في لبنان عدة اشكالات:
1- إن اقامة حكم إسلامي على شاكلة ولاية الفقيه لا يمكن أن يحصل بالإكراه بل لا بد أن يحصل برضا غالبية المجتمع لأن الولاية تقوم على العدالة ومن لوازمها الحرية والاختيار ومن مقتضياتها قبول الناس على نحو عام بنظام الولاية، فالإسلام يقوم على حرية اختيار المنهج فكيف يفرض نفسه على الناس بالقوة؟
2- ان غالبية المجتمع اللبناني وفق التركيبة الحالية لا تسمح بإقامة نظام حكم إسلامي وفق نظرية ولاية الفقيه لأن هذه النظرية يؤمن بها الشيعة المتدينون وهم جزء من الشيعة الذين هم جزء من المسلمين الذين هم جزء من الشعب اللبناني فكيف يمكن فرض منهج نظام حكم يتبناه جزء من جزء من الشعب اللبناني؟
3- ليس من الأهداف المحددة للحزب أو الشيعة إقامة حكم إسلامي على نمط ولاية الفقيه حتى يكون السعي لتهيئة الأسباب امراً واجباً ومنه السعي لتغيير الخارطة الديموغرافية في لبنان، وعندما نتحدث عن الأهداف فالحديث ليس فقط عن المعلن منها بل عن المضمر أيضاً.
4- ان فرض إقامة حكم إسلامي في لبنان يعني تغيير التركيبة، وهذه التركيبة ضرورية كأرضية لمشروع الحق المنطلق من هذا البلد، فعندما نأتي لنغير التركيبة لإقامة نظام حكم نعتقده الأصلح والأقرب للحق فإننا نضرب العامل الأساسي في قيام مشروع الحق في لبنان.
فإذاً هناك تعارض وتنافٍ بين الأمرين ومن حيث المبدأ هذا لا يمكن أن يحصل فيعني أن الفرضية غير صحيحة.
ومن جهة ثانية فإن تعميم ولاية الفقيه في حال إمكانه هو تعميم لنهج ولفكر النظام وليس نشراً أو ترويجاً للدولة ومكونات الدولة، فالدول والأوطان تبقى على حالها وعلى خصوصياتها حتى مع القدرة على إعادة الفك والتركيب من جديد، لأن الاوطان الناشئة بفعل العوامل التاريخية والقومية إذا كانت قائمة ومستقرة على حالها فلمَ السعي للعبث بأحوالها؟ واذا كان نشوؤها بفعل عوامل اصطناعية لم تسمح بالاستقرار فلا بد من إعادة النظر بحدودها وإعادة تركيبها من جديد على عوامل أكثر رسوخاً بما يسمح بالثبات والاستقرار والطمأنينة. فالانتماء الى الأمة الاسلامية أو إلى الإسلام الأصيل إلى ولاية الفقيه لا يمكن أن يكون انتماءً إلى الدولة أو إلى الكيان بل هو انتماء الى الفكر والى النظام القائم على اساسه مع الحفاظ على الأوطان والكيانات القائمة.
وفي ظل العولمة ومع التغير في مفهوم الدولة النظام وليس في مفهوم الوطن فإن التكتلات التي يجب أن تقوم لإنتاج عالمية مقابلة أو لمواجهة آثار العولمة القائمة هي تكتلات تقوم على تجاوز الحدود لا على ضربها بحيث لا يبقى انتماءات وهويات وإشارات دخول وغير ذلك. فالعولمة التي تفرض قيام التكتلات في ظل التغير في شمولية الدولة النظام وفي علاقته مع مكونات المجتمعات المدنية لم تتجاوز الأوطان كمفهوم قائم على عناصر تفاعلية ايجابية في الغالب وهكذا وحدة الأمة الاسلامية لا تعني ضرب الحدود وإلغاءها بل تعني التوجه المشترك والاقتصاد المشترك والدفاع المشترك وغير ذلك بما يحقق أهداف الأمة ويقوّي واقعها ويصونها ويدافع عن ثرواتها ومقدراتها.
وهكذا في كل انتماء الى قومية أو إلى محيط أو مجتمع أوسع، فتجاوز الحدود لإقامة المنظومة المشتركة في المبادئ أو في المصالح لا يعني بالضرورة كسر حدود الأوطان والتلاعب بها وعدم احترامها، فمع الحدود القائمة يمكن للإنسان في الوطن أن يتفاعل ويتصدى للقضايا الكبرى للمحيط العربي أو للأمة الإسلامية أو للمستضعفين على امتداد العالم.
الخلاصة
يتحصل من مجموع ما تقدم أن لبنان بحدوده القائمة يشكل وطناً للشيعة ينتمون إليه ويدافعون عنه، ويتشاركون مع المكونات الطائفية والمذهبية الأخرى في العيش المشترك وفي صناعة التنمية وإنتاج أسباب الحياة الكريمة. ويشكل لبنان للشيعة الأرض الصالحة لقيامهم بواجبهم الديني بما لا يتنافى مع مصالحهم الوطنية على قاعدة عدم التباين بين الأمرين لاشتراكهما في الحق، وإن المزايا التي يختص بها هذا الوطن ويقوم عليها ضرورية جداً لمشروع الحق في المنطقة، وعلى مستوى العالم والمتمثل بالمقاومة والممانعة والمواجهة مع مشروع الاستكبار ومع رأس حربته(اسرائيل) وبالتالي فإن العبث بهذه المزايا قد يضر بالمشروع الحق، ومن جملة ذلك التعديل والتغيير في المكونات الديموغرافية زيادة أو نقصاناً. من هنا يجب رفض تقسيم لبنان كما يجب رفض التوطين فيه للحفاظ على مزاياه الصالحة لخدمة الحق وأهله في سعيهم لإقامة هذا الحق الذي يستبطن حكماً مصالح الانسان والاوطان.
ويتحصل أيضاً أن الانتماء إلى الوطن في قضاياه الحقة والانتماء الى ولاية الفقيه انتماءان غير متعارضين لأنهما يشتركان في الماهية الحقة لكليهما، وعند التعارض لا بد من أحد أمرين: إما أن هناك مغالطة في فهم المصالح الحقة للوطن وإما أن هناك مصالح عليا للحق تتعدى الجغرافيا والنطاقات والكيانات.
المصادر :
راسخون 2018